اولىٰ النقد العربي القديم عناية خاصة بمسألة تكثيف النصوص واختزالها، وذلك من خلال تنظيره لمفهوم الإيجاز، بوصفه ركناً أصيلاً من أركان البلاغة. فقد عرّف الجاحظ الإيجاز في البيان والتبيين بأنه «اسم جامع لمعانٍ كثيرة» مؤكداً أن جودة الكلام ليست في طوله وإنما في جمعه للمعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة (الجاحظ، البيان والتبيين، ج1، ص 82). وفي السياق نفسه رأى ابن قتيبة أن الكلام كلما قلّ لفظه وعظم معناه كان أبلغ وأجمل ، أما عبد القاهر الجرجاني فقد جعل التكثيف علامة بارزة على براعة النظم في كتابه دلائل الاعجاز ص 122 مبيناً أن إعجاز الكلام ليس في وفرة المبنى وإنما في إحكام الربط بين الألفاظ والمعاني بحيث يؤدي القليل من الكلام المعنى الكثير ، والى مثل ذلك يذهب ابن الأثير في كتابه المثل السائر / ج2ص 68 حيث يقول ( فرب لفظ قليل يدلّ على كثير ورب لفظ كثير يدلّ على معنى قليل ) وقد صنّف البلاغيون الإيجاز إلى نوعين( إيجاز بالحذف كأن يفهم من الكلام مايُفهم من السياق ، وإيجاز بالقصر ، اي الإتيان بالمعنى الكبير بألفاظ قليلة ، وكلاهما يهدف إلى تحقيق الاقتصاد اللغوي من دون إخلال بالدلالة ..... احمد الهاشمي بك / جواهر البلاغة ص 222 ) وإذا كان الإطناب عندهم مقبولاً حين تقتضيه المقامات، فإن الأصل في القول البليغ هو التكثيف الذي يجمع عمق المعنى إلى رشاقة المبنى. وهكذا رسّخ النقد العربي القديم مبدأً بلاغياً نقدياً ظلّ مؤثراً في النظر إلى النصوص الأدبية، مفاده أن أفضل الكلام ما قلّ لفظه وكثر معناه ، وبعكس ذلك ستعاني النصوص من ظاهرة (الفائض الشعري) الذي يمكن صياغة تعريف مانع وجامع لهذا المصطلح على النحو الآتي:
الفائض الشعري هو ذلك التمدّد التعبيري الزائد في النص، حيث يتجاوز القولُ وظيفته الجمالية والدلالية الضرورية، فيضيف طبقات لغوية أو تصويرية غير لازمة، تؤدي إلى الإطالة أو التكرار دون أن ترفد المعنى أو تكثّف التجربة الشعرية.
لذا فإن الفائض الشعري في منطقة مضادّة ومتناقضة تماماً مع الإيجاز والتكثيف ، واذا كانت وجهات نظر النقاد والبلاغيين العرب القدامى تعد من ثوابت التقييم والتقويم النصّي ، فإن الموقف المعاصر من قضية الفائض الشعري يعد من الإشكاليات الجمالية التي ترافق النصوص الشعرية، خصوصًا في زمن السرعة والتكثيف الذي نعيشه اليوم ، فالقارئ المعاصر لم يعد يحتمل الإسهاب المفرط ولا التكرار الذي لا يفتح أفقًا جديدًا للمعنى أو الصورة، بل يبحث عن التكثيف الذي يختزن دلالات واسعة في أقل عدد ممكن من الكلمات ، والفائض الشعري هنا لا يعني بالضرورة الزيادة الكمية في عدد الألفاظ، بل يشمل أيضًا كل ما يمكن الاستغناء عنه دون أن يفقد النص شعريته أو قوته الدلالية والإيقاعية ،
ويظهر الفائض الشعري عادةً في مواضع محددة، من أبرزها التكرار غير المبرر، التعداد الطويل للأسماء أو الصفات، الاستطراد السردي الذي يثقل بنية النص، إضافةً إلى الحشو البلاغي أو الزخرف اللفظي الذي يفتقر إلى العمق الدلالي ، وغالبًا ما يقع الشاعر في هذا الفائض بدافع الرغبة في التزيين أو المبالغة في التأثير، غير أن النتيجة قد تأتي عكسية، إذ يفقد النص شدته ويفتر إيقاعه، فيميل القارئ إلى الملل بدل الانجذاب ،
إن ما نسميه "الفائض الشعري" هو أحد التحديات الكبرى التي تواجه النصوص المعاصرة، وغالبًا ما يتسرّب هذا الفائض في مواضع محددة يمكن رصدها إضافة إلى ما ذكرنا منها:
1. الوصف المفرط: حين يتوسع الشاعر في تصوير مشهد أو حالة بطريقة تتكرر فيها الصور من غير إضافة دلالية جديدة. (مثل: تعدد التشابيه لنفس الحالة).
2. النعوت الزائدة: الإكثار من الصفات التي يمكن أن يُستغنى عن بعضها لأن المعنى قد استوفى وضوحه بالحد الأدنى.
3. التكرار غير الوظيفي: أي ترديد كلمة أو جملة شعرية أكثر من مرة دون أن يفتح التكرار أفقًا دلاليًا جديدًا أو إيقاعيًا خاصًا.
4. الحشو البلاغي: إدخال ألفاظ أو تراكيب "مزخرفة" لكنها لا تعمّق المعنى ولا تضيف بعدًا جماليًا، بل قد تثقل النص.
5. الاستطراد السردي: عندما ينزلق النص الشعري إلى السرد المفصل لحكاية أو واقعة، بما يُبعده عن التكثيف الشعري، ويتبدى ذلك على نحو واضح في قصيدة النثر .
6. الصور المتجاورة بلا ترابط ، حين يستخدم الشاعر عدة صور متلاحقة لكنها لا تنسج شبكة دلالية متماسكة، فيبدو بعضها زائدًا.
7. الافتتاحيات والختاميات الفضفاضة: أحيانًا يكون المطلع أو الخاتمة أقرب إلى خطاب مباشر أو تقريرية يمكن اختزالها لصالح شعرية أعمق.
بعبارة أخرى ، فإن الفائض الشعري يظهر في كل مكان لا يضيف معنى جديدًا أو إيقاعًا خاصًا أو انزياحًا جماليًا .
من هنا تبرز أهمية الوعي النقدي بمفهوم الفائض الشعري، لا من أجل محاكمة النصوص على أساس معيار خارجي صارم، بل من أجل مساعدتها على استعادة نقائها وكثافتها ، فالشعر في جوهره ليس كثرةً بل هو اختيارٌ دقيق، وإقصاءٌ لكل ما لا يخدم الصورة أو الإيقاع أو المعنى ، إنه فنّ الاقتصاد اللغوي الذي يجعل الكلمة تضيء مساحة أكبر مما تحتمله بنيتها الصغيرة .
إن الوعي بمفهوم الفائض الشعري يضعنا أمام سؤال جوهري عن ماهية الشعر وحدوده: هل الشعر هو فيض الكلمات والصور، أم هو صفاء التجربة وتكثيفها؟ التجربة النقدية الحديثة تميل إلى القول بأن جوهر الشعر لا يتحقق إلا من خلال الاقتصاد اللغوي، حيث تتحول الكلمة إلى ومضة تحمل أكثر مما تُفصح، وتفتح أفقًا أوسع مما تُغلق ، لذا فإن الفائض الشعري، بهذا المعنى، ليس خطأً عرضيًا بقدر ما هو خلل في إدارة الطاقة الشعرية داخل النص، حين تتوزع على مساحات واسعة بدل أن تتركّز في بؤر مشعّة ، ومن هنا فإن مهمة الشاعر ليست في الإكثار من الصور أو التراكيب، بل في تنقيتها واختيار ما يليق منها بالمعنى والرؤيا ، فالكلمة في النص الشعري لا تُقاس بوجودها الفيزيائي، وإنما بقدرتها على إحداث الأثر ، إن التخلص من الفائض لا يعني الفقر أو النقصان، بل هو في جوهره فعل إبداعي يفتح الباب أمام شعرية أكثر صفاءً وعمقًا ، وهكذا يصبح الشعر، في زمن السرعة والاختزال، خطابًا قادرًا على ملامسة القارئ بجرعة مكثفة من الدهشة والمعنى، بعيدًا عن الترهل أو الإطناب الذي يثقل النص ويشتت تأثيره .
تطبيق اجرائي :-
ولغرض الاقتراب من ظاهرة الفائض الشعري في النصوص المعاصرة فقد اخترنا النص (سعداء) للشاعر العراقي سلام دواي ليكون تطبيقا اجرائيا على سبيل المثال :-
سُعداء
__________
( انا لا أكترث
كل الاحزان تكسرت تحت قدمي
انا رجل سعيد
وزوجتي سعيدة مثلي
وبيتنا الصغير يرقص مبتهجا
ونوافذه تبتسم كلما لامسته الشمس
تحت شجرة اليوكالبتوس الكبيرة
ومثل شجرة اليوكالبتوس الكبيرة
لم نلم الساقية حين جفت
لان جذورنا طويلة
ولم نلم الحرب حين تشعبت
ودخلت الى المطبخ لتكسر فناجين القهوة
نحن نشرب القهوة في المقهى المجاور
سلامنا عميق مثل بهجة مخدرة
لا احد يستطيع إيقاظها لتذهب الى النوم
نحن لم نلم حتى الدخان
حين طرق على بابنا
فأدخلناه الى غرفة الضيوف
وضحكنا طويلا معه حتى انكمش من الفرح
وقفز من الشباك
نحن سعداء ايها السادة
لماذا تريدوننا ان نبكي
مثل نادلين جديدين يقشران البصل)
سلام دواي
صفحة شعر شعراء
19 اغسطس/2025
النص الشعري السالف للشاعر سلام دواي يقوم على مفارقة بارزة بين إعلان السعادة والواقع المأزوم، إذ يواجه القارئ خطابًا يكرّر مفردة السعادة بوصفها درعًا في وجه الحرب والأحزان والدخان ، تتجسد قوة النص في السخرية السوداء، حيث تُعامل الكوارث اليومية كضيوف مرحّب بهم ، فالبناء العام يُشيّد مفارقة لاذعة، تكشف كيف تُخفي الكلمات هشاشة الوجود خلف قناع الفرح الجماعي،
ولكن يمكن الوقوف عند ابرز مواضع الفائض الشعري، أي الأجزاء التي يمكن أن تُختزل أو تشكّل تكرارًا غير منتج ، وهي كالتالي :
1. التكرار المباشر
«انا لا أكترث / كل الأحزان تكسرت تحت قدمي / انا رجل سعيد / وزوجتي سعيدة مثلي»
تتكرر فكرة السعادة بطريقة تقريرية، ويمكن تكثيفها لتكون أكثر مفارقة .
2. التفصيل الزائد
«بيتنا الصغير يرقص مبتهجاً / ونوافذه تبتسم كلما لامسته الشمس»
الصورة الأولى (البيت يرقص) قوية، أما الثانية (النوافذ تبتسم) فمباشرة وتضعف الشعرية لأنها تكرر الجو نفسه بدل أن تضيف له.
3. الصور المتتالية دون ضرورة
«تحت شجرة اليوكالبتوس الكبيرة / ومثل شجرة اليوكالبتوس الكبيرة»
التكرار هنا يبدو فائضًا، كان يكفي التشبيه مرة واحدة لصناعة المفارقة.
4. الاستطراد السردي
«ودخلت الى المطبخ لتكسر فناجين القهوة / نحن نشرب القهوة في المقهى المجاور»
هذا التفصيل أقرب إلى السرد النثري اليومي، ويمكن صياغته بصورة أكثر رمزية دون إضعاف الإيقاع الشعري.
«فأدخلناه الى غرفة الضيوف / وضحكنا طويلا معه حتى انكمش من الفرح / وقفز من الشباك»
المشهد مسلٍّ لكنه مطوّل؛ يكفي لمسة واحدة (مثل: «ضحكنا مع الدخان حتى هرب من الشباك»).
5. الختام الطويل
«نحن سعداء أيها السادة / لماذا تريدوننا أن نبكي / مثل نادلين جديدين يقشران البصل»
صورة الختام قوية بحد ذاتها (النادلين والبصل)، لكن ما قبلها «نحن سعداء… لماذا تريدوننا أن نبكي» يمكن اختصاره لتترسّخ المفارقة الأخيرة وحدها كخاتمة صادمة.
وبترشيق هذه المواطن، سيصبح النص أكثر كثافة، وتتحول السعادة فيه إلى صرخة مفارقة أكثر إيلامًا ودهشة ، صحيح ان الاستعارة الختامية جميلة وذكية، لكنها تُحيل إلى صورة ساخرة خارج النسق العام (الحرب/الأحزان/الدخان). هنا قد يشعر القارئ بانزياح غير ضروري، وكأنها جملة مضافة لإحداث مفارقة طريفة، مما يجعلها أقرب إلى فائض أسلوبي .
من خلال ما تقدم من بحثٍ في موضوعة الفائض الشعري وتحليلنا لنموذج التطبيق الإجرائي ، نستنتج أنّ التكرار والإسهاب، وإن بديا في الظاهر زخماً أسلوبياً أو إيقاعياً، فإنهما يتحولان في كثير من الأحيان إلى فائض يثقل النص ويحدّ من طاقته التعبيرية ، فالفائض الشعري لا يُقاس بوفرة الألفاظ والصور، بل بمدى خدمتها للمعنى وتوليدها لدلالات جديدة ، ومن هنا فإن ضبط حدود التكرار والإسهاب يمثل شرطاً جماليّاً ومعياراً نقديّاً للحكم على تماسك النص الشعري وقدرته على إحداث أثره الفني المطلوب.
الفائض الشعري هو ذلك التمدّد التعبيري الزائد في النص، حيث يتجاوز القولُ وظيفته الجمالية والدلالية الضرورية، فيضيف طبقات لغوية أو تصويرية غير لازمة، تؤدي إلى الإطالة أو التكرار دون أن ترفد المعنى أو تكثّف التجربة الشعرية.
لذا فإن الفائض الشعري في منطقة مضادّة ومتناقضة تماماً مع الإيجاز والتكثيف ، واذا كانت وجهات نظر النقاد والبلاغيين العرب القدامى تعد من ثوابت التقييم والتقويم النصّي ، فإن الموقف المعاصر من قضية الفائض الشعري يعد من الإشكاليات الجمالية التي ترافق النصوص الشعرية، خصوصًا في زمن السرعة والتكثيف الذي نعيشه اليوم ، فالقارئ المعاصر لم يعد يحتمل الإسهاب المفرط ولا التكرار الذي لا يفتح أفقًا جديدًا للمعنى أو الصورة، بل يبحث عن التكثيف الذي يختزن دلالات واسعة في أقل عدد ممكن من الكلمات ، والفائض الشعري هنا لا يعني بالضرورة الزيادة الكمية في عدد الألفاظ، بل يشمل أيضًا كل ما يمكن الاستغناء عنه دون أن يفقد النص شعريته أو قوته الدلالية والإيقاعية ،
ويظهر الفائض الشعري عادةً في مواضع محددة، من أبرزها التكرار غير المبرر، التعداد الطويل للأسماء أو الصفات، الاستطراد السردي الذي يثقل بنية النص، إضافةً إلى الحشو البلاغي أو الزخرف اللفظي الذي يفتقر إلى العمق الدلالي ، وغالبًا ما يقع الشاعر في هذا الفائض بدافع الرغبة في التزيين أو المبالغة في التأثير، غير أن النتيجة قد تأتي عكسية، إذ يفقد النص شدته ويفتر إيقاعه، فيميل القارئ إلى الملل بدل الانجذاب ،
إن ما نسميه "الفائض الشعري" هو أحد التحديات الكبرى التي تواجه النصوص المعاصرة، وغالبًا ما يتسرّب هذا الفائض في مواضع محددة يمكن رصدها إضافة إلى ما ذكرنا منها:
1. الوصف المفرط: حين يتوسع الشاعر في تصوير مشهد أو حالة بطريقة تتكرر فيها الصور من غير إضافة دلالية جديدة. (مثل: تعدد التشابيه لنفس الحالة).
2. النعوت الزائدة: الإكثار من الصفات التي يمكن أن يُستغنى عن بعضها لأن المعنى قد استوفى وضوحه بالحد الأدنى.
3. التكرار غير الوظيفي: أي ترديد كلمة أو جملة شعرية أكثر من مرة دون أن يفتح التكرار أفقًا دلاليًا جديدًا أو إيقاعيًا خاصًا.
4. الحشو البلاغي: إدخال ألفاظ أو تراكيب "مزخرفة" لكنها لا تعمّق المعنى ولا تضيف بعدًا جماليًا، بل قد تثقل النص.
5. الاستطراد السردي: عندما ينزلق النص الشعري إلى السرد المفصل لحكاية أو واقعة، بما يُبعده عن التكثيف الشعري، ويتبدى ذلك على نحو واضح في قصيدة النثر .
6. الصور المتجاورة بلا ترابط ، حين يستخدم الشاعر عدة صور متلاحقة لكنها لا تنسج شبكة دلالية متماسكة، فيبدو بعضها زائدًا.
7. الافتتاحيات والختاميات الفضفاضة: أحيانًا يكون المطلع أو الخاتمة أقرب إلى خطاب مباشر أو تقريرية يمكن اختزالها لصالح شعرية أعمق.
بعبارة أخرى ، فإن الفائض الشعري يظهر في كل مكان لا يضيف معنى جديدًا أو إيقاعًا خاصًا أو انزياحًا جماليًا .
من هنا تبرز أهمية الوعي النقدي بمفهوم الفائض الشعري، لا من أجل محاكمة النصوص على أساس معيار خارجي صارم، بل من أجل مساعدتها على استعادة نقائها وكثافتها ، فالشعر في جوهره ليس كثرةً بل هو اختيارٌ دقيق، وإقصاءٌ لكل ما لا يخدم الصورة أو الإيقاع أو المعنى ، إنه فنّ الاقتصاد اللغوي الذي يجعل الكلمة تضيء مساحة أكبر مما تحتمله بنيتها الصغيرة .
إن الوعي بمفهوم الفائض الشعري يضعنا أمام سؤال جوهري عن ماهية الشعر وحدوده: هل الشعر هو فيض الكلمات والصور، أم هو صفاء التجربة وتكثيفها؟ التجربة النقدية الحديثة تميل إلى القول بأن جوهر الشعر لا يتحقق إلا من خلال الاقتصاد اللغوي، حيث تتحول الكلمة إلى ومضة تحمل أكثر مما تُفصح، وتفتح أفقًا أوسع مما تُغلق ، لذا فإن الفائض الشعري، بهذا المعنى، ليس خطأً عرضيًا بقدر ما هو خلل في إدارة الطاقة الشعرية داخل النص، حين تتوزع على مساحات واسعة بدل أن تتركّز في بؤر مشعّة ، ومن هنا فإن مهمة الشاعر ليست في الإكثار من الصور أو التراكيب، بل في تنقيتها واختيار ما يليق منها بالمعنى والرؤيا ، فالكلمة في النص الشعري لا تُقاس بوجودها الفيزيائي، وإنما بقدرتها على إحداث الأثر ، إن التخلص من الفائض لا يعني الفقر أو النقصان، بل هو في جوهره فعل إبداعي يفتح الباب أمام شعرية أكثر صفاءً وعمقًا ، وهكذا يصبح الشعر، في زمن السرعة والاختزال، خطابًا قادرًا على ملامسة القارئ بجرعة مكثفة من الدهشة والمعنى، بعيدًا عن الترهل أو الإطناب الذي يثقل النص ويشتت تأثيره .
تطبيق اجرائي :-
ولغرض الاقتراب من ظاهرة الفائض الشعري في النصوص المعاصرة فقد اخترنا النص (سعداء) للشاعر العراقي سلام دواي ليكون تطبيقا اجرائيا على سبيل المثال :-
سُعداء
__________
( انا لا أكترث
كل الاحزان تكسرت تحت قدمي
انا رجل سعيد
وزوجتي سعيدة مثلي
وبيتنا الصغير يرقص مبتهجا
ونوافذه تبتسم كلما لامسته الشمس
تحت شجرة اليوكالبتوس الكبيرة
ومثل شجرة اليوكالبتوس الكبيرة
لم نلم الساقية حين جفت
لان جذورنا طويلة
ولم نلم الحرب حين تشعبت
ودخلت الى المطبخ لتكسر فناجين القهوة
نحن نشرب القهوة في المقهى المجاور
سلامنا عميق مثل بهجة مخدرة
لا احد يستطيع إيقاظها لتذهب الى النوم
نحن لم نلم حتى الدخان
حين طرق على بابنا
فأدخلناه الى غرفة الضيوف
وضحكنا طويلا معه حتى انكمش من الفرح
وقفز من الشباك
نحن سعداء ايها السادة
لماذا تريدوننا ان نبكي
مثل نادلين جديدين يقشران البصل)
سلام دواي
صفحة شعر شعراء
19 اغسطس/2025
النص الشعري السالف للشاعر سلام دواي يقوم على مفارقة بارزة بين إعلان السعادة والواقع المأزوم، إذ يواجه القارئ خطابًا يكرّر مفردة السعادة بوصفها درعًا في وجه الحرب والأحزان والدخان ، تتجسد قوة النص في السخرية السوداء، حيث تُعامل الكوارث اليومية كضيوف مرحّب بهم ، فالبناء العام يُشيّد مفارقة لاذعة، تكشف كيف تُخفي الكلمات هشاشة الوجود خلف قناع الفرح الجماعي،
ولكن يمكن الوقوف عند ابرز مواضع الفائض الشعري، أي الأجزاء التي يمكن أن تُختزل أو تشكّل تكرارًا غير منتج ، وهي كالتالي :
1. التكرار المباشر
«انا لا أكترث / كل الأحزان تكسرت تحت قدمي / انا رجل سعيد / وزوجتي سعيدة مثلي»
تتكرر فكرة السعادة بطريقة تقريرية، ويمكن تكثيفها لتكون أكثر مفارقة .
2. التفصيل الزائد
«بيتنا الصغير يرقص مبتهجاً / ونوافذه تبتسم كلما لامسته الشمس»
الصورة الأولى (البيت يرقص) قوية، أما الثانية (النوافذ تبتسم) فمباشرة وتضعف الشعرية لأنها تكرر الجو نفسه بدل أن تضيف له.
3. الصور المتتالية دون ضرورة
«تحت شجرة اليوكالبتوس الكبيرة / ومثل شجرة اليوكالبتوس الكبيرة»
التكرار هنا يبدو فائضًا، كان يكفي التشبيه مرة واحدة لصناعة المفارقة.
4. الاستطراد السردي
«ودخلت الى المطبخ لتكسر فناجين القهوة / نحن نشرب القهوة في المقهى المجاور»
هذا التفصيل أقرب إلى السرد النثري اليومي، ويمكن صياغته بصورة أكثر رمزية دون إضعاف الإيقاع الشعري.
«فأدخلناه الى غرفة الضيوف / وضحكنا طويلا معه حتى انكمش من الفرح / وقفز من الشباك»
المشهد مسلٍّ لكنه مطوّل؛ يكفي لمسة واحدة (مثل: «ضحكنا مع الدخان حتى هرب من الشباك»).
5. الختام الطويل
«نحن سعداء أيها السادة / لماذا تريدوننا أن نبكي / مثل نادلين جديدين يقشران البصل»
صورة الختام قوية بحد ذاتها (النادلين والبصل)، لكن ما قبلها «نحن سعداء… لماذا تريدوننا أن نبكي» يمكن اختصاره لتترسّخ المفارقة الأخيرة وحدها كخاتمة صادمة.
وبترشيق هذه المواطن، سيصبح النص أكثر كثافة، وتتحول السعادة فيه إلى صرخة مفارقة أكثر إيلامًا ودهشة ، صحيح ان الاستعارة الختامية جميلة وذكية، لكنها تُحيل إلى صورة ساخرة خارج النسق العام (الحرب/الأحزان/الدخان). هنا قد يشعر القارئ بانزياح غير ضروري، وكأنها جملة مضافة لإحداث مفارقة طريفة، مما يجعلها أقرب إلى فائض أسلوبي .
من خلال ما تقدم من بحثٍ في موضوعة الفائض الشعري وتحليلنا لنموذج التطبيق الإجرائي ، نستنتج أنّ التكرار والإسهاب، وإن بديا في الظاهر زخماً أسلوبياً أو إيقاعياً، فإنهما يتحولان في كثير من الأحيان إلى فائض يثقل النص ويحدّ من طاقته التعبيرية ، فالفائض الشعري لا يُقاس بوفرة الألفاظ والصور، بل بمدى خدمتها للمعنى وتوليدها لدلالات جديدة ، ومن هنا فإن ضبط حدود التكرار والإسهاب يمثل شرطاً جماليّاً ومعياراً نقديّاً للحكم على تماسك النص الشعري وقدرته على إحداث أثره الفني المطلوب.