"ثنائية المجد: مصطفى الحاج حسين بين غواية الشعر وفتنة القصة"ِ.

رد الناقدة ((أمل حامد سالم)) على دراسة الناقد ((نادر محمد منصور))..

"بين القصة والقصيدة.. (مصطفى الحاج حسين) متعدّد المجدِ".



قرأتُ باهتمام كبير دراسة الناقد القدير (نادر محمد منصور)، التي رأى فيها أن الشاعر (مصطفى الحاج حسين) أكثر تألقًا في فضاء الشعر منه في حقل القصة القصيرة، وقدّم شواهد نقدية معتبرة، لا أنكر بعض وجاهتها من زاوية التكوين الشعري والانفعالي للنصوص. غير أنني، من موقعي كناقدة مختصة في السرد، أجد أن هذا الانحياز قد شَطّ عن الإنصاف، وظَلم الجانب القصصي الذي يُشكّل، برأيي، المفصل الأكثر خصوصيةً وعمقًا في مشروع (الحاج حسين) الإبداعي.

القصة في أعمال "مصطفى" ليست مجرّد حكاية تُروى، بل بنية رمزية مكثّفة، تمتح من الشعر لغته، ولكنها لا تفقد الحدث ولا الشخصية ولا العقدة ولا المفاجأة. خذ مثلًا قصته "الوليمة الأخيرة"، سترى كيف يقيم الكاتب مسرحًا سرديًا صامتًا، تُحرّكه التوترات النفسية والإشارات الصغيرة لا الكلمات الكبيرة، حتى إذا وصلت إلى النهاية، ارتطمتَ بالدهشة تمامًا كما في قصة قصيرة مكتملة العناصر.

نعم، لغته شاعرية، لكن شاعرية اللغة ليست ضعفًا سرديًا، بل إحدى أهم مميزات القصة الحديثة التي لا تكتفي بالبناء الكلاسيكي. في قصته "تابوت الفراغ"، نلاحظ كيف يجعل القارئ يتأرجح بين الواقع واللاوعي، بين الخوف واللاجدوى، دون أن يغادر سرده التكنيكي ولا إدارته المحكمة للزمن القصصي.

أما ما قيل عن هيمنة التأمل والانفعال في قصصه، فهو برأيي لا يعدو كونه رؤية ناتجة عن قراءة خارج السياق الأجناسي الجديد للقصة القصيرة، التي تحوّلت اليوم إلى فضاء تأملي مشهدي، وليس شرطًا أن تسير على منوال القص التقليدي. (مصطفى) لا يكتب قصصًا شعرية؛ بل يكتب شعرًا سرديًا، وهذا فرق جوهري يجب الإقرار به.

ومع أنني شخصيًا من محبّي قصائده، وأجد فيها وهجًا وجدانيًا وصورًا آسرة كما في "تمرد"و"الصديق الأخير" و"أشقاء الحلم"، إلا أنني أن قصصه هي الوجه الحقيقي لصوته الداخلي الأكثر نضجًا. فبينما تتجه القصيدة فيه إلى الانفعال، تتجه القصة إلى الحكمة. القصيدة قد تشتعل، لكن القصة تُختمر.

لهذا، أرى بكل تقدير واحترام، أن دراسة الأستاذ (نادر محمد منصور)، على رغم اتزانها الأسلوبي، قد غفلت عن هذا المسار الهادئ والمُتقَن الذي بنى به (مصطفى الحاج حسين) عالمه القصصي، وهو عالم لا يقلّ في فرادته ولا في أثره عن مشروعه الشعري.*

أمل حامد سالم.
باحثة وناقدة أدبية.

**رأي نقدي أكاديمي في تجربة مصطفى الحاج حسين الشعرية القصصية.

بقلم الأستاذ:
((سليم أمجد الراوي))
متخصّص في الأدب
العربي الحديث.

من خلال الاطلاع المتأني على التجربة الإبداعية للأديب (مصطفى الحاج حسين)، يتبيّن للقارئ المتخصص أن انحيازه الفطري، والوجداني، واللغوي، هو للشعر، لا بمعنى انصرافه عن القصة، ولكن من حيث التحقّق الجمالي والتأثير الفني.

في قصائده، نلمس حضورًا مكثفًا للهمّ الإنساني والقومي، مندمجًا ببنية لغوية تتسم بـالسلاسة الظاهرة والعمق الباطن. فقصيدة كـ(الصديق الأخير) مثلًا، تُجسّد قدرة الشاعر على تجريد الألم الوجودي بوسائل لغوية بسيطة ظاهريًا، لكنها محفوفة بالشحنة الرمزية والدلالة النفسية:
"تحترقُ أسوارُها،
يعَرِّشُ الموتُ على أبوابِها،
والموتُ الصّديقُ الوحيدُ
الذي لا يخونُ."

هذا المقطع يُظهر كيف يحوّل الشاعر "الموت" من حالة سلبية إلى "مفارقة وفاء" عبر تركيب شعري دقيق، لا يستطيع القاص أن يوظفه دون إخلال بالحبكة السردية.

أما في قصيدة (تمرد)، فإننا نقرأ بوضوح صراع الذات مع المحبوب ضمن بنية درامية شعرية، تستند إلى خطاب ثنائي متوتر، يتم التعبير عنه بأسلوب اعترافي هجومي، فيه تحولات وجدانية فجائية لا يمكن إلا للشعر استيعابها:
"أنا مُخادعٌ عَتيدٌ، قد أَقضي عُمري انْتظارًا،
في سبيلِ أن أَصطادَ فريستي."

في مقابل ذلك، فإن قصصه القصيرة –رغم ما تمتاز به من شاعرية الأسلوب– تُعاني أحيانًا من ضعف في البناء الدرامي، وهيمنة النبرة التأملية أو الخطابية على حساب تحريك الشخصيات والحدث. أي أنها تميل لأن تكون قصائد نثرية مطولة أكثر من كونها قصصًا مكتملة الأركان. وهذا ما نجده، على سبيل المثال، في بعض مقاطع السرد التي تعتمد على مونولوج داخلي طويل دون تعارض درامي فاعل.

من زاوية مقارنة، يمكن أن نضع الشاعر (مصطفى الحاج حسين) في سياق من يواصلون خطى (محمود درويش) في رسم المشهد السياسي/الإنساني عبر رموز يومية مؤلمة (كما في "أشقاء الحلم" أو "مراحيض العدم")، بينما لا نجد في القصة نفس البروز الذي نجده لدى كتّاب مثل (محمد المخزنجي) أو (زكريا تامر)، الذين يمزجون الشعر بالسرد دون إفقاد القصة عناصرها البنيوية.

مصطفى الحاج حسين، شاعرٌ بالفطرة، تُتيح له القصيدة التعبير الأقصى عن ذاته، بلغته المرهفة، وصوره المشهدية، ورمزيته المتقدة. أما القصة، فهي حقل يحتاج منه إلى أدوات تقنية إضافية، وتخفيفٍ من التوهج الشعري، ليكون البناء السردي أكثر تماسكًا ودهشة.*

سليم أمجد الراوي.
مصر/ إسكندرية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...