سعيد حجي - إقرأ ما تشاء من كتب البؤس والفقر والجوع

اقرأ ما تشاء من كتب البؤس والفقر والجوع، افتح مجلدات ماركس عن فائض القيمة والاستلاب الطبقي، انبش دفاتر دوركايم حين تكلم عن الانومي والمجتمع المريض، غص في بطون كتب ابن خلدون عن انهيار العمران إذا ساد الجور، تمعن في كل صفحة كُتِبت عن الفقر كظاهرة بنيوية أو جرح تاريخي، اقلب صفحات الروايات الواقعية التي صورته بأدق التفاصيل من زولا إلى ديكنز إلى نجيب محفوظ، ودوّن ملاحظاتك في هامش كل سطر، لن تقترب من الحقيقة كما تفعل عينا متشرد تائه الان في شوارع المدينة حين يقول لك بجملة واحدة "انا جائع"... لا تحتاج عبارته لأي تنظير، لأن الوجع لا يحتاج ترجمانا، إنه اللغة الأصلية...
كل الأفكار تتكسر أمام شق الخبز حين يغيب، كل المفاهيم الفلسفية تصير عبثا حين يهجم الجوع على الجسد بلا رحمة، وحين يصبح الخبز أملا مؤجلا لا حقا مضمونا. الجوع لا يحاورك، لا ينتظر جدلك، لا يصغي لبلاغتك، الجوع يستوطن العظم، ويقرع الأحشاء كطبل جنائزي يعزف وحده في العتمة...
كم يشبه الجوع الموت البطيء، لا يحصد الروح دفعة واحدة، بل يمتص الحياة قطرة قطرة، يسرق الكرامة أولا، ثم يأخذ مع الوقت الذاكرة، وحين لا يجد شيئا، يبدأ يلتهم البصيرة. في لحظة الجوع القصوى، لا يفكر المتشرد بمستقبل، لا بماض، لا بوطن، لا بقيم. كل شيء يصغر أمام الرغيف، كل المسافات تختزل إلى مسافة بين راحتيه وقطعة خبز مغموسة في ماء نظيف...
كان دوستويفسكي يكتب في زوايا الليل عن آلام المعدة الفارغة حين سكنه الجوع في سجون سيبيريا، لا عن الحزن فقط "الجوع كان دائما حجر الزاوية في انهيار القيم، في صنع الجريمة، في تقويض كل ما هو إنساني. كان يعرف أن الإنسان لا يرتكب الخطيئة حين يضعف، بل حين يجوع...
لا شيء يصوغ الكرامة كما الرغيف، ولا شيء يفضح البنية الاجتماعية كما نظرة جائع لرغيف في يدك، وأنت تشرح له العدالة الاجتماعية بمصطلحات أعدّها مثقف يشبع كل مساء. المصطلحات كائنات رخوة لا تعيش طويلا في حضرة الجوع...
الجوع الذي تحياه الطبقات المرمية على الهامش ليس حدثا طارئا، هو نتاج منظومات من الفساد والإقصاء، من السياسات التي لا ترى الإنسان إلا رقما، من النخب التي تتحدث عن التغيير دون أن تنزل إلى الشوارع. الجوع شهادة على فشل الجميع ، على عطب منظومة، على جريمة مقننة...
كل من يرى الجياع ولا يغيّر بنيته لردم الفجوة، متواطئ. كل مثقف لا يتكلم لغة الخبز، عاجز. كل كاتب لم يعرف كيف يخفض لغته حتى يلامس بطن الجائع، عليه أن يعيد تعريف رسالته. كما كتب ألبرتو مانغويل: "اللغة التي لا تطعم فقيرا لا تستحق أن تكتب بها"، لأن الكلمات التي لا تعجنها معاناة الناس تبقى بلا طعم...
الجوع ليس شأنا بيولوجيا فحسب ، هو فضيحة اجتماعية كاملة الأركان، هو العار الذي يحاول المجتمع تغطيته بالأناشيد، بالمناسبات، بالاحتفالات السطحية، بالبرامج المعلبة التي تظهر الفقير كمادة للتسلية، لا كصوت ينطق بالحقيقة.
كل من سمع "انا جائع" وظنها جملة عابرة، لم يفهم بعد أن تلك العبارة القصيرة تختصر المأساة. في وجه الجائع، تنعكس صورة المجتمع ، الإقطاع، الطبقية، التدين المغشوش، الاقتصاد المختل، والتعليم المعطوب. في وجه الجائع، نرى كل ما أخطأناه، وكل ما هربنا من إصلاحه...
الجوع لا يكذب. والجائع لا يحتاج للشرح.
"انا جائع" هي أعظم بيان سياسي، وأشد من أي تظاهرة، وأصدق من ألف خطاب انتخابي...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...