لقد سبق أن نشرتُ مقالةً على صفحتي في الفيسبوك بتاريخ 10 فبراير 2024 تحت عنوان "النظر ليس هو البصر في القرآن الكريم". وفي نفس التاريخ، نشرتُها، كذلك، على منصَّة "الأنطولوجيا" تحت نفس العنوان.
في المقالة السابقة، ما تيسَّرَ لي من التَّدبُّر قادني إلى القول بأن النَّظرَ هو مجرَّد رؤية الأشياء المحيطة بالإنسان، في الوسط الذي يعيش فيه. بمعنى أن هذا الإنسانَ، بواسطة هذه الرؤية، له وعيٌ بوجود الأشياء المُحيطة به، أي يُدرك وجودَها في الوسط الذي يعيش فيه.
وهنا، لا أتحدَّث عن الرؤية من منظور فكري كأن نقول، مثلا، رؤية ثاقبة أو رؤية سديدة. بل أتحدَّث عن الرؤية من منظور بيولوجي أو فيزيائي، أي العملية الفِزيولوجية أو الفيزيائية التي تتمُّ، أولاً، بواسطة العين التي تستقبل الضوء المنبعث من الأشياء، وثانياً، بواسطة الدماغ الذي يُحلِّل، بسرعة فائقة، ما تبعثُه له العينُ من رسائل، فتَتِمُّ الرؤيةُ والوعيُ بوجود الأشياء المحيطة بالإنسان في وسط عيشه.
أما "البصر"، ولو أنه يتضمَّن الرؤية، فإنه يذهب إلى أبعد من هذه الرؤية حيث يتطلَّب التفكيرَ وبعدَ النظر والبصيرةَ. فلماذا فكَّرتُ في نشرِ مقالة أخرى حول فِعلَي "نظر" و"أبصر"؟
ما جعلني أفكِّر في مقالةٍ أخرى، هو أن تدبُّري لهذين الفعلين ازداد عُمقاً وملاءمةً مع الواقع الذي نعيش فيه. والواقع الذي نعيش فيه، تغيَّر تغييراً جذرياً un changement radical، وأصبحت سيمتُه الأساسية هو التَّحوُّل la transformation الذي أحدثَه فيه التَّقدُّمُ العلمي والتِّكنولوجي le progrès scientifique et technologique.
انطلاقا من هذه الاعتبارات، بالنسبة لي، فعل "نظر" يبقى دائما مقترِنا بالرؤية la vision لكن الرؤية بالعين المجردة à l'œil nu. بينما فعل "أبصر" يعني رؤية الأشياء، لكن بحثاً عن دقتِها وتَّفاصيلها en cherchant leur précision et leurs détails. والدقة والتفاصيل لا يمكن أن تقومَ بهِما العينُ المجردة.
وحتى يتمكَّنَ الإنسانُ من الدخول في دقَّة الأشياء وتفاصيلها، عليه أن يذهبَ إلى أبعد من الرؤية بالعين المجرَّدة. إذن، لا بدَّ له من وسيلةٍ تُمكِّنه من الوصول إلى دقة الأشياء وتفاصيلها.
ولهذا، فإن اختراعَ المِجهر le microscope ومن بعده، المِجهر الإلكتروني le microscope électronique شكَّل نقلة نوعية un saut qualitatif في المسيرة العلمية للباحثين. حبنها، انتقلت مُلاحظةُ الأشياء من المستوى العياني (العين المجردة) le niveau macroscopique إلى المستوى المجهري le niveau microscopique. وبعبارة أخرى، انتقلت ملاحظةُ الأشياء من زاويةِ مظهرٍها الشكلي son aspect morphologique إلى زاوية بنيتها الدقيقة sa structure fine.
في الحقيقة، اختراع المجهر العادي ثم، من بعده، المِجهر الألكتروني مكَّنَ الباحثين، بصفة خاصة، والعلماء، بصفة عامة، من الانتقال من نموذج مثالي paradigme مُفتصر على وصف الأشياء حسب مظهرها الخارجي إلى نموذج مثالي آخر à un autre paradigme يتميَّز بالدقة في رؤية (ملاحظة) الأشياء حسب بنياتِها الدَّاخلية الدقيقة selon leurs structures fines internes.
وبالتالي، انتقل البحثُ العلمي أو العلمُ (بالمفهوم الدنيوي) من فعل "نَظَرَ"، أي رؤية (وصف) الأشياء بالعين المجرَّدة وحسب ما يفرضه مظهرُها الخارجي، إلى فعل "أَبْصَرَ"، أي ملاحظة الأشياء (مكوِّنات الكون الحية وغير الحية) حسب ما تفرضه بِنياتُها الدقيقة الداخلية.
وبالطبع، هذا الانتقال غيَّر كل شيء في المسيرة العلمية (بالمعنى الدنيوي) للإنسان، أولاً فكرياً، ثم منهَجِباً، ملاحظةً، تجريبياً واستِنتاجياً. وبالطبع، كذلك، هذا الانتقال فتح البابَ واسعاً لظهور نظرياتٍ علمية وعلوم جديدة من قبيل البيولوجيا الخَلَوية la biologie cellulaire والبيولوجيا الجُزيئية la biologie moléculaire والبيوكيمياء la biochimie وعلم الوراثة la génétique وبيولوجيا التَّطوُّر la biologie de l'évolution…
وفيما يلي هذه بعض آيات القرآن الكريم تبيِّن الفرقَ بين فعلَي "نَظَرَ" و"أَبْصَرَ" :
أولاً، فيما يخص فعل "أبصر"
-"وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ" (الأعراف، 198).
تضمُّ هذه الآيةُ الكريمة فِعلَيْ "نَظَرَ" و"أبْصَرَ". و واضح أن هناك فرقا بين هذين الفعلين. "يَنظُرُونَ إِلَيْكَ" تبقى مجرَّد رؤية بواسطة العين. و"وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ"، أي لا يذهبون، فكرياً، إلى أبعدَ من مجرَّد الرؤية.
-"قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ" (الأنعام، 104).
في هذه الآية الكريمة، "بَصَائِرُ" هي جمعُ بصيرة. والبصيرة هي القدرة على إدراك الأمور، فكرياً وسريعا، بواسطة العقل. و"بَصَائِرُ" في هذه الآية قد تعني علامات أتى بها القرآن الكريم وتستوجب تشغيلَ العقل لإدراك ما تحمله من معاني. وهو ما تمَّت الإشارةُ إليه في الجزء الأخير من نفس الآية. "فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ"، أي مَن شغَّل عقلَه وأدرك ما المقصود من "بَصَائِرُ" (علامات جاء بها القرآن الكريم)، فإنما ينفع نفسَه يوم الحساب. "وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا"، أي ومَن لم يشغِّل عقلَه لإدراك ما المقصود من "بَصَائِرُ"، فهو مسئولٌ عن تصرُّفِه هذا يوم الحساب.
ثانياً، فيما يخص فعل :نَظَرَ"
-"وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ" (البقرة، 50).
-"قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ" (البقرة، 69).
في هاتين الآيتين، فعل "نَظَرَ" محصورٌ في معنى الرؤية بالعين المجردة. والآيتان تتعلقان برسالة موسى، عليه السلام، التي كلَّفه الله، سبحانه وتعالى، بنشرها في بني إسرائيل.
في المقالة السابقة، ما تيسَّرَ لي من التَّدبُّر قادني إلى القول بأن النَّظرَ هو مجرَّد رؤية الأشياء المحيطة بالإنسان، في الوسط الذي يعيش فيه. بمعنى أن هذا الإنسانَ، بواسطة هذه الرؤية، له وعيٌ بوجود الأشياء المُحيطة به، أي يُدرك وجودَها في الوسط الذي يعيش فيه.
وهنا، لا أتحدَّث عن الرؤية من منظور فكري كأن نقول، مثلا، رؤية ثاقبة أو رؤية سديدة. بل أتحدَّث عن الرؤية من منظور بيولوجي أو فيزيائي، أي العملية الفِزيولوجية أو الفيزيائية التي تتمُّ، أولاً، بواسطة العين التي تستقبل الضوء المنبعث من الأشياء، وثانياً، بواسطة الدماغ الذي يُحلِّل، بسرعة فائقة، ما تبعثُه له العينُ من رسائل، فتَتِمُّ الرؤيةُ والوعيُ بوجود الأشياء المحيطة بالإنسان في وسط عيشه.
أما "البصر"، ولو أنه يتضمَّن الرؤية، فإنه يذهب إلى أبعد من هذه الرؤية حيث يتطلَّب التفكيرَ وبعدَ النظر والبصيرةَ. فلماذا فكَّرتُ في نشرِ مقالة أخرى حول فِعلَي "نظر" و"أبصر"؟
ما جعلني أفكِّر في مقالةٍ أخرى، هو أن تدبُّري لهذين الفعلين ازداد عُمقاً وملاءمةً مع الواقع الذي نعيش فيه. والواقع الذي نعيش فيه، تغيَّر تغييراً جذرياً un changement radical، وأصبحت سيمتُه الأساسية هو التَّحوُّل la transformation الذي أحدثَه فيه التَّقدُّمُ العلمي والتِّكنولوجي le progrès scientifique et technologique.
انطلاقا من هذه الاعتبارات، بالنسبة لي، فعل "نظر" يبقى دائما مقترِنا بالرؤية la vision لكن الرؤية بالعين المجردة à l'œil nu. بينما فعل "أبصر" يعني رؤية الأشياء، لكن بحثاً عن دقتِها وتَّفاصيلها en cherchant leur précision et leurs détails. والدقة والتفاصيل لا يمكن أن تقومَ بهِما العينُ المجردة.
وحتى يتمكَّنَ الإنسانُ من الدخول في دقَّة الأشياء وتفاصيلها، عليه أن يذهبَ إلى أبعد من الرؤية بالعين المجرَّدة. إذن، لا بدَّ له من وسيلةٍ تُمكِّنه من الوصول إلى دقة الأشياء وتفاصيلها.
ولهذا، فإن اختراعَ المِجهر le microscope ومن بعده، المِجهر الإلكتروني le microscope électronique شكَّل نقلة نوعية un saut qualitatif في المسيرة العلمية للباحثين. حبنها، انتقلت مُلاحظةُ الأشياء من المستوى العياني (العين المجردة) le niveau macroscopique إلى المستوى المجهري le niveau microscopique. وبعبارة أخرى، انتقلت ملاحظةُ الأشياء من زاويةِ مظهرٍها الشكلي son aspect morphologique إلى زاوية بنيتها الدقيقة sa structure fine.
في الحقيقة، اختراع المجهر العادي ثم، من بعده، المِجهر الألكتروني مكَّنَ الباحثين، بصفة خاصة، والعلماء، بصفة عامة، من الانتقال من نموذج مثالي paradigme مُفتصر على وصف الأشياء حسب مظهرها الخارجي إلى نموذج مثالي آخر à un autre paradigme يتميَّز بالدقة في رؤية (ملاحظة) الأشياء حسب بنياتِها الدَّاخلية الدقيقة selon leurs structures fines internes.
وبالتالي، انتقل البحثُ العلمي أو العلمُ (بالمفهوم الدنيوي) من فعل "نَظَرَ"، أي رؤية (وصف) الأشياء بالعين المجرَّدة وحسب ما يفرضه مظهرُها الخارجي، إلى فعل "أَبْصَرَ"، أي ملاحظة الأشياء (مكوِّنات الكون الحية وغير الحية) حسب ما تفرضه بِنياتُها الدقيقة الداخلية.
وبالطبع، هذا الانتقال غيَّر كل شيء في المسيرة العلمية (بالمعنى الدنيوي) للإنسان، أولاً فكرياً، ثم منهَجِباً، ملاحظةً، تجريبياً واستِنتاجياً. وبالطبع، كذلك، هذا الانتقال فتح البابَ واسعاً لظهور نظرياتٍ علمية وعلوم جديدة من قبيل البيولوجيا الخَلَوية la biologie cellulaire والبيولوجيا الجُزيئية la biologie moléculaire والبيوكيمياء la biochimie وعلم الوراثة la génétique وبيولوجيا التَّطوُّر la biologie de l'évolution…
وفيما يلي هذه بعض آيات القرآن الكريم تبيِّن الفرقَ بين فعلَي "نَظَرَ" و"أَبْصَرَ" :
أولاً، فيما يخص فعل "أبصر"
-"وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ" (الأعراف، 198).
تضمُّ هذه الآيةُ الكريمة فِعلَيْ "نَظَرَ" و"أبْصَرَ". و واضح أن هناك فرقا بين هذين الفعلين. "يَنظُرُونَ إِلَيْكَ" تبقى مجرَّد رؤية بواسطة العين. و"وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ"، أي لا يذهبون، فكرياً، إلى أبعدَ من مجرَّد الرؤية.
-"قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ" (الأنعام، 104).
في هذه الآية الكريمة، "بَصَائِرُ" هي جمعُ بصيرة. والبصيرة هي القدرة على إدراك الأمور، فكرياً وسريعا، بواسطة العقل. و"بَصَائِرُ" في هذه الآية قد تعني علامات أتى بها القرآن الكريم وتستوجب تشغيلَ العقل لإدراك ما تحمله من معاني. وهو ما تمَّت الإشارةُ إليه في الجزء الأخير من نفس الآية. "فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ"، أي مَن شغَّل عقلَه وأدرك ما المقصود من "بَصَائِرُ" (علامات جاء بها القرآن الكريم)، فإنما ينفع نفسَه يوم الحساب. "وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا"، أي ومَن لم يشغِّل عقلَه لإدراك ما المقصود من "بَصَائِرُ"، فهو مسئولٌ عن تصرُّفِه هذا يوم الحساب.
ثانياً، فيما يخص فعل :نَظَرَ"
-"وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ" (البقرة، 50).
-"قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ" (البقرة، 69).
في هاتين الآيتين، فعل "نَظَرَ" محصورٌ في معنى الرؤية بالعين المجردة. والآيتان تتعلقان برسالة موسى، عليه السلام، التي كلَّفه الله، سبحانه وتعالى، بنشرها في بني إسرائيل.