قراءة موجزة في رواية "بين ضفتين " للطاهر حسيني..."

قراءة موجزة في رواية
"بين ضفتين " للطاهر حسيني
مقدمة:
..........
- تتشكّل تجربة الكاتب الطاهر حسيني عند تخوم متعدّدة، يلتقي فيها الهمّ التّربوي بالوعي الأدبي، وتتجاور فيها الكتابة حدود رسالة مع الإبداع بوصفه شغفًا لا ينطفئ، فهو كاتب تسكنه فكرة التّأثير قبل فكرة الشّهرة، ويؤمن بأنّ النّصّ ليس مجرّد بناء لغوي، بل فعل تربية وجمال ومعرفة، قادر على مساءلة الواقع وتهذيب الذّائقة في آن واحد. لذلك ظلّ مشروعه الإبداعي مشدودًا إلى الإنسان، وإلى الأسئلة الكبرى التي تتقاطع فيها القيّم، والهويّة، والذاكرة.
ينتمي حسيني إلى ذلك الجيل الذي تشكّل وعيه بين المدرسة والشارع، وبين الكتاب والشّفاهة، فحمل في لغته وهج القصيدة الشعبية، وإيقاع الحكايات التّراثية القبائلية.التي كانت تُروى في اللّيالي الطويلة، حيث الحكمة تُقال سردًا، والتّجربة تُنقل مجازًا، والخيال يُربّي قبل أن يُمتع. هذا التّراكم الشّفهي لم يبقَ مجرد أثرٍ في الذاكرة، بل تحوّل إلى رافد أسلوبي واضح في كتابته، يظهر في ميله إلى الحكاية، وتعلّقه بالسّرد المشبع بالرمز، وحرصه على أن تكون اللّغة قريبة
من القارئ دون أن تفقد عمقها.ومن هذا المنطلق، تأتي تجربته السردية، ومنها روايته "بين ضفتينّ، امتدادًا طبيعيًا لمسار طويل من التّفاعل مع الأدب بوصفه ذاكرة حيّة، ومع الكتابة بوصفها فعل مقاومة للنسيان والتهميش. إنّها تجربة كاتب يسكنه التّراث دون أن يستنسخه، ويستنطق القصيدة الشعبية دون أن يحبسها في شكلها التّقليدي، ويكتب الرّواية وهو مشدود إلى روح الحكاية الأولى، تلك التي كانت تُروى لتُعلّم، وتُسلّي، وتُبقي الإنسان متشبثًا بمعنى الحياة.
تمثّل رواية بين ضفتين للكاتب الطاهر حسيني تجربة سردية أولى في فضاء الرواية الطويلة، جاءت لتؤكد وعيًا مبكرًا بأدوات الفن الرّوائي، وقدرة لافتة على تحويل الوجع الجمعي إلى حكاية إنسانية نابضة. صدرت الرواية في أواخر ديسمبر 2025 عن دار الحضارة، في أكثر من مئتي صفحة، لتقدّم شهادة أدبية على مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر الحديث، هي مرحلة العشرية السوداء وما خلّفته من تشظيات نفسية واجتماعية لا تزال آثارها ماثلة في الذاكرة
الجماعية،تنطلق الرّواية من شخصية "عيسى"، بوصفه بطلًا إشكاليًا لا يحمل بطولة استثنائية بقدر ما يجسّد نموذجًا اجتماعيًا واسع الانتشار شاب جامعي، متعلّم، معطّل عن العمل، محاصر بالفقر والتّهميش، يعيش في حيّ قصديري مع أمّه، ويجد نفسه مدفوعًا إلى الارتحال داخل الوطن ثم خارجه بحثًا عن معنى للحياة وكرامة مهدورة. هنا لا يقدّم حسيني شخصية فردية معزولة، بل يجعل من "عيسى" مرآة لجيل بأكمله، جيل وُلد على الهامش، وكبر في زمن
الخوف، وبلغ الرّشد في زمن الانسداد،ومن النّاحية البنيويّة، تقوم الرّواية على حركة دائمة بين الأمكنة، حيث تتحوّل الجغرافيا إلى عنصر فاعل في السّرد، لا مجرد خلفية للأحداث. تتنقّل الرّواية بين مدن جزائرية عديدة: أفلو، الأغواط، الجلفة، حاسي الرمل، قصر الحيران، بوڨزول، الحمدانية، الجزائر العاصمة،وتيزي وزو،وبني يني ،،والبويرة... وهي أمكنة لا تُذكر عرضًا، بل تُستثمر بوصفها فضاءات للمعاناة والاغتراب الداخلي. هذا التّرحال الأفقي داخل الوطن يقابله لاحقًا عبور عمودي نحو الضفة الأخرى، نحو فرنسا، حيث يتكشّف وهم
الخلاص، ويتحوّل المنفى إلى امتداد آخر للألم، لا نقيضًا له,وعلى مستوى اللّغة، يكتب الطاهر حسيني بلغة سردية واضحة، تميل إلى السّلاسة دون أن تفقد عمقها الدّلالي. لغته مشبعة بنبرة وجدانية هادئة، تتكئ على الوصف النّفسي، وتستثمر الجملة التّأملية في لحظات الانكسار، كما في مقولة البطل: "عجيبة أنت يا بلادي، يشقى فيك المثقف، ويسعد فيك الجاهل"...." ص44، وهي جملة تختزل رؤية الرّواية للعطب القيمي الذي أصاب المجتمع في تلك المرحلة. غير أنّ هذه اللّغة، على بساطتها، تنجح في نقل ثقل التّجربة الإنسانية دون افتعال بلاغي أو خطابية
مباشرة،مّا الشّخصيات الثّانوية فاطمة، زينب، عمّي يحيى، الأم - فهي شخصيات وظيفية ذات حمولة رمزية، تساهم في تعميق البعد الإنساني للنّص، وتشكّل شبكة علاقات تكشف هشاشة البطل من جهة، وحاجته الدائمة إلى الحب والانتماء من جهة أخرى. وتأتي علاقة "عيسى" بفاطمة بوصفها أحد المحاور العاطفية الأساسية في الرّواية، حيث يتحوّل الحب إلى طاقة مقاومة مؤقتة، لكنّه يظلّ عاجزًا عن إنقاذ البطل من مصيره المعلّق بين ضفتين.
تُحسب للرّواية جرأتها في مقاربة موضوع الهجرة السّرية دون تهويل أو تبرير، إذ لا تقدّم الهجرة حلًا رومانسيًا، بل تكشف عن بعدها المأساوي، وتعرّي قسوة المنفى، خصوصًا في مدينة مثل باريس التي تظهر في النّص بوجه بارد، طارد، ومخيّب للتّوقّعات. وبين الوطن والمنفى، تتأرجح هوية البطل، في سؤال مفتوح عن الانتماء: هل الوطن مكان نعيش فيه؟ أم ذاكرة تسكننا مهما ابتعدنا؟وذلك كما في قوله: " شعر "عيسى"أنّ الغربة لم تنتصر عليه تماما،مادام يحمل الوطن في صوته وبنقله لإبنته كحكاية مقدسة..ص 210
في المحصّلة، يمكن القول إن رواية "بين ضفتين" تمثّل إضافة في مسار الرّواية الجزائرية المعاصرة، لا لأنّها تبتكر عنوانا جديدًا، بل لأنّها تعيد طرح الأسئلة القديمة بصدق فني، وبعين تنحاز للإنسان المكسور لا للبطولة الزائفة. وهي، بوصفها التّجربة الرّوائية الأولى للطاهر حسيني، تكشف عن مشروع سردي واعد، قادر على التطوّر والتعمّق في أعمال لاحقة، خصوصًا إذا ما واصل الكاتب الاشتغال على التكثيف البنائي، وتعميق البعد الرّمزي، وتوسيع
الخوف، وبلغ الرشد في زمن الانسداد.إنّ "بين ضفتين" ليست مجرد رواية عن الهجرة أو العشرية السّوداء، بل هي نص عن الإنسان حين يُدفع إلى الحافة، ويُترك معلّقًا بين وطن لا يحتضنه، ومنفى لا يعترف به.
الخاتمة:
- على ضوء هذه التّجربة، يمكن القول إنّ الطاهر حسيني يكتب انطلاقًا من إحساس عميق بالمسؤولية الثّقافية والإنسانية، حيث لا تنفصل الكتابة عنده عن سؤال الجدوى، ولا ينفصل الأدب عن دوره في بناء الوعي الفردي والجماعي. إنّ ما يميّز مساره ليس كثرة الإنتاج، بل وضوح الرؤية، وإصراره على أن يكون النصّ فضاءً للحوار مع الواقع، لا مرآة سطحية له.
لقد نجح حسيني في أن يُصالح بين منابع متعدّدة: بين التربية والأدب، بين الشفهي والمكتوب، بين وهج القصيدة الشّعبيّة وعمق السّرد الحديث، فجاءت كتابته مشبعة بروح الحكاية، ومحمّلة بذاكرة المكان والإنسان. وهو، في اختياراته الموضوعية والفنية، لا ينحاز إلى السهل أو الجاهز، بل يغامر بالاقتراب من المناطق الهشّة في التّجربة الإنسانية، حيث الألم والمعنى
يتجاوران ،وتبدو تجربته الروائية في" بين ضفتين" خطوة تأسيسية في مشروع سردي قابل للتطوّر من حيث اللّغة والجوانب الفنيّة،التي تراهن على الصدق الفنّي، وعلى بناء شخصيات تنبض بالحياة، وتطرح أسئلة مفتوحة حول الهوية، والانتماء، والمصير. وهي تجربة تُبشّر بكاتب قادم من عالم التّربية إلى عالم السّرد الفني ولذا عليه تعميق أدواته الفنّية، وتوسيع أفقه
الجمالي، دون أن يتخلّى عن جذوره الثقافية والتّربوية،في النهاية، لا يكتب الطاهر حسيني ليقدّم أجوبة نهائية، بل ليترك القارئ في مواجهة أسئلته الخاصة. وتلك، في جوهرها، علامة الكتابة الحيّة أن تظلّ مفتوحة، قلقة، وقادرة على أن تُضيء الطريق، ولو بشعلة حكاية،وهو يمنح القارئ فرصة التجريب في دخول عالم السيرة الذاتية التي لا يصرّح بها الكاتب في كل محطات روايته بين"ضفتين".


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...