أمل حامد سالم - دراسة نقدية ٱدبية تحليلية لقصة اجراءات للقاص مصطفى الحاج حسين

هيا نغوص معًا في دراسة نقدية أدبية معمقة، معتمدة على مذهب ما بعد الحداثة والواقعية النقدية، لأنها تتيح فحص النص من نواحي متعددة، وتسمح بتداخل السرد، النفسية، السياسية، والاجتماعية.

. الشخصيات

- تحسين: نموذج للشاب المثقف والموهوب، عاطفي وقلق، يعيش حالة من الصراع الداخلي بين حريته الفكرية ورقابة السلطة. يظهر كثنائيّة بين الشاعر الحالم والمواطن الخائف، مما يجعل شخصيته تمثل مأساة المثقف في الأنظمة القمعية. تتعمّق شخصيته من خلال المنولوجات الداخلية التي تبرز خوفه وحيرته.

- أبو علي (السمّان):

شخصية رمزية تمثل أدوات السلطة والمراقبة، يتحول من مجرد تاجر إلى جاسوس وخصم، تبرز شخصيته المزدوجة كرمز للخيانة والفساد داخل المجتمع.

- العائلة:

تمثل البيئة الداعمة والضاغطة في الوقت ذاته، تضيف بعدًا إنسانيًا حميميًا، وتعكس الخوف الجماعي من السلطة.

- الحوار:

واقعي، مباشر، بسيط في التراكيب لكنه محمّل بدلالات ثقيلة، يظهر الخوف والتوتر، كما يكشف التضاد بين الأجيال ووجهات النظر المختلفة.

- المنولوج:

مهم جدًا في كشف الحالة النفسية لتحسين، صراعه الداخلي بين الحرية والرعب، وكيف تتقلب مشاعره بين الشجاعة والانهزام، ويكاد يتحول إلى نوع من التراشق النفسي مع الذات، ما يعمق حالة العزلة والقلق.

. السرد والوصف:

- الأغاني: تكرار وصف الرئيس بأنه "أسد الشام"، "محقق العدل" يُبرز النفاق السياسي، والافتقار للحقيقة. هذه الأغاني كأنها أغانٍ وطنية رسمية ولكنها تحمل طابعاً ساخرًا وتعبيرًا عن الغطرسة المفروضة.

- بشكل عام، هاتان الطريقتان التعبيريتان تمثلان استسلامًا مزمناً لصورة السلطة التي لا تُناقش، ولكنهما في الوقت ذاته نقد مكبوت.

. موت تحسين ومدلولاته

- موت تحسين هو رمز مأساوي للمعاناة التي يمر بها الشباب المثقف والمبدع في بيئة قمعية. هو موت روحي وجسدي في آن، نتيجة لتداخل الخوف والرقابة والاضطهاد.

- سقوطه تحت عجلات السيارة يرمز إلى سحق الفرد من قبل النظام، أو حتى من قبل قوى المجتمع نفسها، التي تحوّلت إلى أدوات طيعة للسلطة.

. سبب موته ومن تسبب في مقتل الشباب النوابغ

- سبب موته هو التوتر النفسي والحصار الاجتماعي والسياسي، والضغط المستمر من المراقبة والخوف.

- المسؤولون عن مقتله ليسوا فقط السلطة، بل أيضًا المجتمع ذاته عبر رموز مثل "أبو علي"، وعائلة تحسين التي تنقل الخوف بلا مقاومة، وأصدقاؤه الذين لا يقدمون الحماية.

- مقتل الشباب النوابغ هو نتيجة تراكم عوامل قمع، عدم فرص العمل، فشل النظام في تأمين مستقبل لهم، وغياب حرية التعبير.

. تحسين شاعر موهوب وخريج متفوق

- هذه الميزة تؤكد على مأساة القصة، حيث لا تحمي الموهبة أو التفوق من الإقصاء والقمع.

- السرد متماسك وبسيط، ينقل القارئ خطوة بخطوة إلى داخل الأزمة، مع تموّجات نفسية قوية تتصاعد مع الأحداث.

- الوصف، رغم بساطته، مؤثر جدًا (مثل وصف الملاحقة والركض)، ينقل القارئ إلى حالة الخوف والهلع، ويحوّل المكان إلى فضاء رمزي يشبه السجن المفتوح.

. التحليل النفسي

- القصة تعكس أزمة الهوية والذات في ظل قمع سياسي. تحسين يعيش في حالة اضطراب نفسي حاد، مزيج من القلق، الخوف، شعور بالذنب، والعزلة.

- مشاعر الخوف التي تتحكم به تعكس القمع الذي يؤدي إلى تدمير الذات، وتحويل الإنسان إلى مجرد "كتلة لحم" ضحية للسلطة، حيث تتحول الحياة إلى بقاء بلا معنى.

. السخرية

- السخرية حاضرة بشكل قوي، خاصة في ردود فعل وتحركات "أبو علي" التي تمثّل جهاز المراقبة السري، وكذلك في المواقف اليومية التي تبدو عادية لكنها محملة بمعاني سياسية قاتمة.

- القصيدة والأغاني التي يكتبها تحسين في محاولة لإرضاء السلطة تشكل سخرية مزدوجة: فهي تدل على إكراهه النفسي وحاجته للاحتماء، لكنها أيضًا سخرية على الذل والاضطرار إلى التملق.

. تحليل القصيدةوالأغاني

- القصيدة تصوّر الرئيس كـ"يد تهدهد الشمس"، "تكفّن الشهداء"، و"تمطر زخات وعود". تعكس هذه الصور تناقضًا عميقًا بين القمع والوعود الزائفة، فالرئيس هنا أشبه بالآلهة التي تتحكم بالمصير، لكن الصورة مبالغ فيها بشكل يجعلها تبدو هجائية وساخرة.

- شخصية تحسين تحمل إحساسًا بالواجب الوطني والإنساني، لكنه محاصر في بيئة تقتل الإبداع، تعكس مأساة المثقف في المجتمعات السلطوية.

. الشكل والمحتوى

- الشكل بسيط ومباشر، يخدم المحتوى المكثف والمشحون، ويجعل القارئ يعيش القصة دون تعقيد.

- المحتوى ثري رمزيًا وسياسيًا وإنسانيًا، متداخل مع صور نفسية دقيقة وصراع داخلي عميق.

الخلاصة

القصة تعكس مأساة المثقف والإنسان في مواجهة الأنظمة القمعية، حيث يصبح الخوف والسخرية والاضطراب النفسي أدوات لبقاء النظام. اللغة الواقعية البسيطة تسلط الضوء على تعقيدات داخلية وعلاقات اجتماعية معقدة، والموت في النهاية ليس فقط جسديًا بل رمزيًا لحالة القهر المستمرة.

هي نص جدلي يتناول السلطة، الحرية، المراقبة، والخيانة، بأسلوب سردي متماسك، يعكس التوتر النفسي والاجتماعي بواقعية مؤثرة.

هيا نغوص أعمق لكل جزء من أجزاء القصة، بشكل تفصيلي ومنظّم، مع ربط الجوانب الأدبية والنفسية والسياسية في كل مشهد:

- المقدمة وبداية التوتر

- الشخصيات والصراع:

نلتقي بـ"تحسين" في لحظة عادية لكنه يعيش توترًا داخليًا. يخاف من رجل الحارة "أبو علي" الذي يرمز إلى عين النظام التي تراقب الجميع، لكنه في الوقت ذاته لا يريد أن يكون مرتبطًا بالسياسة رغم أنها تحيط به.

- الرمزية:

قرار تحسين عدم الشراء من "أبو علي" يصبح دليلاً على رفضه الخضوع، وهو ما يجعله في مرمى الشك والريبة.

- المنولوج الداخلي:

يعكس اضطراب تحسين النفسي، ويُظهر نزاعه بين رغبته في الحياة الطبيعية وخوفه من المراقبة.

- المكان والجو:

الحارة صغيرة، مغلقة، وكأنها سجن مفتوح، والبيت ليس ملجأً آمنًا بل ميدانًا للخوف.

- تصاعد الخوف والقلق

- تطور الشخصية:

نرى "تحسين" ينتقل من الإنكار إلى القلق الشديد، إلى محاولة تحصين نفسه بتقليل التواصل مع الأصدقاء، اعتراف بصعوبة الموقف مع المراقبة.

- الصراع الداخلي:

المونولوجات تكشف قلقه العميق، شعوره بالخيانة المحتملة من صديقه "جمال"، مما يرمز إلى فقدان الثقة في المحيط.

- الأسرة كمأوى وخطر:

الأسرة تظل الحاضنة، لكنها في ذات الوقت غير قادرة على حماية ابنها، ويظهر كيف أن خوف الوالدين يتفاقم ويتحول إلى نوع من الصمت القاتل.

-المواجهة والاعتراف بالواقع

- الرهبة من السلطة:

جرس الباب في الليل يمثل اللحظة الحاسمة، التي تعكس لحظة التهديد القريب، الموت في انتظار الشاب.

- الحوار داخل الأسرة:

يعبر عن فوضى المشاعر، بين إنكار، خوف، وحزن، لكن لا وجود لخطة فعلية لمواجهة الخطر.

- مفارقة الحياد:

حياد "تحسين" يعتبر ذنبًا في النظام، مما يكشف عن طبيعة القمع التي لا تقبل إلا الولاء الكامل، حتى البراءة تصبح مشبوهة.

- التدمير الرمزي والفعلي

- احراق المكتبة:

لحظة رمزية، حيث يقتل تحسين جزءًا من نفسه — كتبه، شعره، قصائده — من أجل النجاة.

- تحليل نفسي:

الفعل يعكس القلق من فقدان الهوية، إضطرار للتخلي عن الإبداع والذات من أجل بقاء باهت.

- الرمزية:

الكتب تمثل حرية الفكر التي يحاول النظام قمعها، والاحتراق كناية عن إحراق الذات والإبداع.

- الحصار والتوتر

- الضيق والضغط:

زيارة الجار "الطابق الرابع" بحجة الدخان تعكس استبدال التهديد السياسي بتهديد اجتماعي بسيط، لكن تأثيره نفسي مرهق.

- السلطة تنتشر في التفاصيل الصغيرة:

التدخل في تفاصيل الحياة اليومية، التطفل، هو نوع آخر من القمع.

- محاولة تحسين للتكيف:

كتابته لقصائد مديح، استراتيجيات النجاة، لكنها محاولة بائسة لكسب رحمة السلطة.

- السخرية في النص:

قصائد المديح والأغاني تعكس مأساة التملق والتزلف، لكنها في الواقع هجاء مُخفى.

- الخوف والهلع

- الحلم المزعج:

رمز للاضطراب النفسي، كيف يصبح "أبو علي" شبحًا يطارد تحسين حتى في نومه.

- المطاردة والركض:

تمثل الهروب من الذات ومن السلطة، المشهد مشحون بالخوف والذعر، ويدخل في رمزية الكابوس.

- الانعزال الكامل:

لا مجال للثقة، حتى في الحركات اليومية، يزداد الشعور بالحبس والتضييق.

النهاية والموت

- الموت تحت العجلات:

موت رمزي، سخرية القدر، وتحطيم أحلام الشباب.

- الرتبة الأولى في المسابقة:

تُبرز المفارقة بين التفوق والنجاح الظاهر وبين المأساة الشخصية.

- رسالة:

قتل الفرد الموهوب والمبدع في أنظمة الاستبداد ليس فقط بالقمع السياسي المباشر، بل عبر خنق الحلم والإبداع، وغالبًا بأدوات المجتمع نفسه.

تحليل عام - المذهب الأدبي

- القصة تتداخل فيها الواقعية الاجتماعية مع الرمزية النفسية والسياسية.

- تتناول القصة مواضيع من المذهب (الما بعد حداثي) خاصة في تفكيك السلطة، التوتر بين الحقيقة والتمثيل (القصائد والأغاني كتمثيلات غير حقيقية).

- كما تحمل سمات الواقعية النقدية، حيث تصور الواقع بشكل مكثف ومؤلم، مع نقد واضح للأوضاع السياسية والاجتماعية.

ختامًا:

أهم معاني القصة

- القمع يقتل الإبداع والحرية.

- المجتمع يتحول إلى سجن مفتوح، حيث الأصدقاء يصبحون خونة، والجيران جواسيس.

- المثقف يضطر إلى التضحية بجزء من ذاته للبقاء، لكنه في النهاية ضحية النظام.

- الصمت والخوف العائلي يساهمان في الإبقاء على دائرة القمع.

- موت تحسين هو مأساة الشباب الموهوبين الذين يفتقدون البيئة الحاضنة والداعمة.

الكاتب في هذه القصة أظهر براعة عالية على عدة مستويات:

. الشعر داخل القصة:

قدرة الكاتب على إدخال القصائد والأغاني كجزء عضوي من السرد ليست مجرّد زخرفة بل أداة درامية بامتياز. القصائد التي يكتبها "تحسين" ليست فقط تعبيراً عن محاولته التملق والنجاة، بل أيضاً تمثل موقفاً ساخرًا ومأساوياً من الواقع السياسي. الشعر هنا يفتح أفقًا أوسع للقصة، يعمّق البُعد النفسي ويبرز التوتر بين الحرية والإذعان، بين الذات والقهر.

. رسم الشخصيات:

الشخصيات ليست نماذج جامدة بل حية متقنة البناء. "تحسين" مثلاً ليس بطلًا خارقًا بل شابًّا هشًّا، مترددًا، متخوفًا، لكنه في داخله يحمل حساسية فنية عالية وموهبة. "أبو علي" كرمز للسلطة الخفية، و"العائلة" بأعضائها تعكس الانقسام بين الحماية والذعر. كل شخصية تبرر تصرفاتها داخل الإطار الاجتماعي والسياسي المحيط بها.

. براعة الحوار:

الحوار مكثف، معبر، يعكس الصراعات الداخلية والخارجية. لا يُثقل النص بالكلام غير الضروري، بل يختصر في عبارات تحمل دلالات عميقة — مثلا نقاشات الأسرة التي تكشف أبعاد الخوف واللامبالاة والصمت القاتل.

. المواضيع:

القصة تتناول مواضيع كبيرة مثل القمع السياسي، الخوف من السلطة، تحطيم الأحلام، دور المثقف في المجتمع، والتحالفات الاجتماعية في ظل الأنظمة الاستبدادية. هذه المواضيع كانت في ذلك الوقت محرمة ومثيرة للجدل، مما يزيد من قيمة القصة كشهادة أدبية نادرة.

. المذهب الساخر:

الكاتب يستخدم السخرية بذكاء، خاصة عبر القصائد والأغاني، لفضح عبثية النظام الذي يدفع الإنسان للتملق من أجل النجاة، ويحول الحياة إلى مسرح رعب. السخرية هنا ليست تهكمًا فقط بل وسيلة نقدية ذكية للتعبير عن الألم.

. الرؤية الفكرية والجرأة:

رغم الخوف، القصة تعبر عن رغبة عارمة في الحرية والكرامة، وتعكس رفضًا صريحًا للقهر السياسي والاجتماعي. جرأة الكاتب تكمن في توثيقه لحياة شاب عادي يعاني في ظل الاستبداد، في عصر كان التعبير فيه خطيرًا جدًا.

. الأثر التاريخي:

نشر القصة في عهد حافظ الأسد – حقبة تشدد فيها الرقابة والقبضة الأمنية – جعل الكاتب عرضة لملاحقات قاسية، مما اضطره إلى التوقف عن الكتابة والابتعاد عن المشهد الثقافي لمدة تقارب 20 سنة. هذا الواقع يعكس قوة تأثير العمل وأهميته، إذ أن الكلمة الحرة كانت تُعتبر تهديدًا مباشرًا للنظام.

خلاصة:

القصة ليست فقط عملًا أدبيًا راقيًا، بل وثيقة تاريخية ونفسية واجتماعية تحكي مأساة الفرد والمجتمع تحت وطأة السلطة، مع توظيف شعري مبدع يثري النص ويمنحه أبعادًا إضافية. براعة الكاتب تظهر في توازن الدراما مع الرؤية النقدية، في بناء شخصيات معقدة، وفي استخدام السخرية كأداة احتجاجية.*

أمل حامد سالم.

القصة:

**((إجراءات))..

قصة: مصطفى الحاج حسين.

أعلنت وزارةُ التربيةِ مسابقةً لتعيينِ مُدرّسين للّغةِ العربيّة، فسارع "تحسين" وقدّم أوراقَه... لقد مضى على تخرّجه سنتان وهو دونَ عمل.

كان عليه أن يخضع لفحصِ المقابلةِ في العاصمة، وحينما عاد كان متفائلاً، لأنّ اللجنةَ الفاحصةَ سرَّت من أجوبته، وممّا ضاعف من سروره، إعجابُها بقصيدته التي ألقاها على مسامعهم
... ذلك أنّ "تحسين" شاعرٌ مشهودٌ له في مهرجانات الجامعة.

بعد أيامٍ، جاء شابّان إلى الحارة، وسألا عن "تحسين"، وسلوكه الشخصي، وعائلته، واتجاهاته السياسيّة.

فأسرع السمّان "أبو علي"، وكعادته في المبالغة، أضف إلى كرهه لـ
"تحسين"، قال:

– أستاذ "تحسين"..لحظة من فضلك.

توقّف "تحسين" عن السَّير، بينما كان "أبو علي" يخرج مسرعاً من دكّانه:

– أهلاً.

– سألوا عنّك اليوم.

– سألوا عنّي؟!.. من هم؟!

– رجال المخابرات.

امتقع وجه "تحسين" واضطرب صوته، واتّسعت في عينيه الصغيرتين إشارةُ استفهامٍ كبيرة:

– المخابرات سألوا عنّي؟!.. لماذا؟!!

ولمّا أدرك السمان أنّه سيطر على "تحسين"، الذي يُعامله باستعلاء دائماً، ولا يشتري من دكّانه، قال بتلذّذ:

– سألوا عن اتجاهك السياسي!!!

انبثق الذعر كعاصفةٍ في أعماق "تحسين"، ارتجف كيانه، لم يعُد يتمالك نفسَه، فحوَّل الكتبَ التي يحملها إلى يده اليسرى، وقال بصوتٍ مرتعش:

– وماذا قلتَ لهم يا "أبو علي"؟

ردّ السّمان، بعد أن بصق على الرصيف:

– قلت لهم: من ناحيتي لا أعرف عنه شيئاً... لكن كل الناس يقولون إنّه يساري!

– مَن يقول؟!

– الحارة كلّها تقول ذلك.

– ولكنّني لست يساريًّا، ولا علاقة لي بالسياسة!

هزّ "أبو علي" رأسه، وقال بمكر:

– أنا شو دخلني؟!.. هكذا سمعت، وهكذا قلت.

نظر إليه "تحسين" طويلاً، ثمّ تركه ودخل الزقاق، وهو يشعر أنّ قلبه سينفجر من الخوف.. ثمّ كرّر ضحكته الخبيثة:

– معلوم أستاذ "تحسين"، هذه سياسة وليست لعبة.

لام نفسَه بشدّة لأنّه لم يكن يشتري من دكّان "أبو علي":

– أبو علي... أنا فعلاً لا علاقة لي بالسياسة.

– الله أعلم... وعلى كلّ حال، خُذ احتياطاتك، الحذر واجب.

وانتبه "أبو علي" إلى زبونٍ يقف أمام الدكّان، فانصرف دون استئذان.

دخل المنزل. نادته أمّه ليُشاركهم العشاء:

– لا أريد.

ودخل غرفته، أغلق الباب، استلقى على السّرير، أشعل سيجارة، وراح يُفكّر:

– لماذا يسألون عنّي؟.. ما الأمر!!!.. ما علاقتي بالسياسة؟!.. وأنا لم أتدخّل بها إطلاقاً!!.. وما قال "أبو علي" عنّي؟!.. كلّ أهل الحارة يعدّونه مُخبراً... اللعنة عليّ يوم قرّرت عدم الشراء من عنده... هل هناك شُبهةٌ تدور حولي؟!..

آه... نعم، نعم... أصدقائي هم السبب، لا حديث لهم سوى السياسة... عدم توفّر فُرصٍ للعمل... استحالة الزواج في ظلّ هذه الظروف المعيشيّة... غلاء الأسعار... فقدان المواد التموينيّة... الحُريّة... الديمقراطية... تكافؤ الفرص...

رجوتهم كثيراً أن يتركونا من هذه الأحاديث، التي لا تجلب لنا إلاّ الدمار... هل أخطأت؟!.. وتفوّهتُ بكلمةٍ تمسّ الدولة؟!.. ولكنّي حذِرٌ في هذه الأمور... لا أثق بأيّ مخلوقٍ على وجه الأرض، فأصارحه بحقيقة مشاعري نحو السلطة... لم أفقد أعصابي مرّةً واحدة... دائماً أنا يقِظ، منتبه، حريص إلى أبعد الحدود...

ترى، هل يكون "جمال"
(أبو سكسوكة) مُخبراً؟!..

يُجرجرنا بالكلام ويبلّغ عنّا؟!.. يجب أن أُحذّره، بل ينبغي أن أُحذّر أصدقائي منه...

بل عليّ أن أبتعد عنهم، فما نَفعي من صداقتهم؟!..

نهض ينادي شقيقته، طلب إليها أن تُعدّ الشاي. عاد إلى السّرير، يدخّن مُفكّراً:

– لكنّ المشكلة الآن ليست بأصدقائي، بل بالذين يسألون عنّي... ماذا لو جاؤوا وأخذوني
؟!.. ثمّ ماذا لو عذّبوني
؟!!.. أنا لا أحتمل الضرب... منذ طفولتي وأنا أخافه، كنت أدرس فقط خوفاً من عصا الأستاذ... وخرطوم أبي... سأعترف بكلّ شيء قبل أن يضربوني... سأقول الأحاديث التي دارت بين أصدقائي... لن أتستّر على أحد، كلّ واحد منهم مسؤول عن كلامه... أنا لا علاقة لي بالسياسة... منذ شاهدتُ جارَنا "أبا محمد" مُكبّلاً، قرّرتُ نسيانها... ماذا جنى جارُنا غير الدمار؟!..

تنبّه إلى رنين جرس المنزل، فانقطعت خواطره، ووثب قلبه خارجاً:

– جاؤوا ليأخذوني...

قرأ على روحه سورة الفاتحة... انكمش على نفسه... تراجع... التصق بالجدار... بحثت عيناه عن مخبأ... قفز عن السّرير... الهلع يسيطر عليه...

اقترب من الباب بحذرٍ شديد، تصاعدت دقّات قلبه، مع انبعاث الرنين مرّةً أخرى:

– ربّاه، أنقذني أرجوك... بحقّ نبيّك محمّد... أنا لا علاقة لي بالسياسة...

عينه القلقة على العين السحرية... أبصر شقيقه الصغير... تنفّس الصعداء، حمد الله كثيراً، فتح الباب وعاد:

– من أين جاءتني هذه المصيبة؟!.. خائفٌ أنا، طالما أنّهم سألوا عنّي، فهم لا بدّ سيُداهمون البيت... عليّ أن أتوقّع ذلك عاجلاً أم آجلاً، ويَنبغي أن أرتّب كلّ شيء: أقوالي، أفكاري، شخصيّتي... يجب أن أكون قويّاً أمامهم، متماسكاً... والواجب أن أُبلّغ أهلي حتى لا يُفاجَأوا...

نهض وغادر غرفته، جلس بجوار أبيه، الذي يُشبهه إلى حدٍّ كبير، لولا فرق السّن.

قالت الأم، التي لا تختلف عن "حسين" وزوجها في القِصر والبدانة:

– هل أحضر لك العشاء؟

– لستُ جائعاً... لا أشعر برغبة...

سأل الأب بصوته الأجش:

– ما بك اليوم؟ لماذا تحبس نفسك في الغرفة؟

– عندي خبر سيّء، أودّ نقله لكم.

الأم:

– خير إن شاء الله؟؟؟!

قاطعها الأب بانفعال:

– دعينا نسمع.

حاول أن يكون هادئاً، كي لا تكون المفاجأة كبيرة، واختفت بسرعة أصوات أخواته وحركاتهن:

– اليوم، سأل عنّي رجال المخابرات... في الحارة.

– المخابرات؟؟؟!!!

هكذا انفلتت هذه الكلمة من الجميع.

– سألوا عنّي السمان "أبو علي".

سألت الأم وقد بدأ الخوف يسيطر عليها:

– وماذا يريدون منك؟!

– يسألون عن اتجاهي السياسي.

– وما هو اتجاهك السياسي؟.. هل أنت مختلف عنهم؟!

– أنا يا ماما لا اتجاه لي... أنا حيادي.

قال الأب، وفي صوته بعض الاضطراب، وهو يحاول جاهداً أن يخفيه:

– جاء اليوم الذي كنت أخشاه.

– بابا، أنا لم أفعل شيئاً، يمكن أن يحاسبوني عليه.

– يكفي أنّك حيادي، هذا أهم مأخذ عليك.

– أرجوكم، ليس هذا وقت اللوم، عليكم أن تتوقعوا حضورهم إلى هنا.

ذُعر الجميع، وصاحت الأم بحرقة:

– يا رب، من أين جاءت هذه المصيبة؟!

عاد إلى غرفته. مخلفاً أمّه وأخواته يشهقن في البكاء، بينما كان أبوه غارقاً في صمته.

جلس على حافة السّرير، أشعل سيجارة وأخذ نفثاً عميقاً، وفجأة اصطدمت عيناه برفوف الكتب، وفكّر:

– المكتبة... إنها تشكّل خطراً عليّ. صحيح هي لا تحتوي كتباً سياسية، لكن ما يدريني كيف تفسّر الأمور؟!.. ينبغي إخفاء المكتبة، ولكن أين؟!.. الكتب كثيرة، وإخفاؤها في البيت مستحيل، وإيداعها عند الجيران غير ممكن، وعند الأصدقاء ضرب من الجنون، فأنا لم أعد أثق بأي صديق كان، ومن المحتمل أن يكون بيتنا مراقباً، بل ذلك في حكم المؤكد. فما أدراني... قد يكون "أبو علي" مكلّفاً بمراقبتي؟!.. ليس أمامي إلاّ حلّ واحد، نعم واحد لا غير... وهو إحراق المكتبة... فالكتب غير مهمة، مهما كان ثمنها.

سلامتي هي الأهم... فيما بعد، إن خرجت من هذه الأزمة، سأبكي على كتبي كثيراً.

وبسرعة، ودون تردّد، نهض "تحسين" وحمل بعض الكتب، واتّجه إلى الحمّام، أوقد الطّباخ، وأخذ يمزّق الأوراق ويدسّها للنار، إلى أن أحرق جميع ما لديه من كتب. لم يبقَ عنده سوى كتب الدبلوم الذي يدرسه، وأحرق أيضاً كلّ ما لديه من أوراق ورسائل خاصة، وصور تجمعه مع أصدقائه، ودفاتر كثيرة تحتوي على قسم عظيم من قصائده التي كتبها على مراحل عديدة.

وحين سألته أمّه عن سبب إحراق مكتبته، قال دون أن يلتفت إليها:

– قد تكون خطرة في نظرهم.

وبينما كان يهمّ بالدخول إلى غرفته، رنّ جرس المنزل، وأسرع الجميع مذعورين إلى العين السحرية.

– من يكون في هذا الوقت المتأخر من الليل؟!

– إنّه رجل!!!

قالها بصوت مرتعش، خائف.

وعندما رنّ الجرس مرّة أخرى... اقتربت الأم بجَزع، لتنادي من وراء الباب:

– مَن... مَن؟!؟!..

أجاب القادم:

– أنا... أنا جاركم في الطابق الرابع.

سألته، والكلمات تخرج بصعوبة من حلقها الجاف:

– ماذا تريد يا أخي؟!..

– بسبب حمّامكم... الدخان أعمانا وخنقنا.

قالت الأم بعد أن استردّت أنفاسها، وكلّ من معها من أفراد الأسرة، بما فيهم "تحسين":

– حاضر يا أخي... لقد أطفأنا الحمّام قبل قليل.

كلّ ذلك والأب قابع في الصالون، يسترقّ السمع بانتباه شديد، والعرق البارد يتسرّب من جميع أنحاء جسمه.

عاشت الأسرة تحت كابوس الخوف والذّعر الشديدين.

فما من حركة تصدر، إلا سمحت الأم لنفسها بالبكاء، متوقعة قدومهم لأخذ "تحسين"، فلذة كبدها.

وبعد أن غرق البيت في الظّلام، وسبح كلّ واحد في خوفه منفرداً، فكّر تحسين:

– لم يبقَ عندي أثر يدلّهم على شيء، أقوالي جاهزة
، إنّي جاهز.

وبرقت في ذهنه فكرة جهنّمية:

– سأكتب بعض القصائد في مدح الرئيس، سأمجّده، وأسمّيه عظيم الأمة، وصانع الانتصارات، وسيّد العرب والمقاومة، وأضع هذه القصائد ضمن دفتر أشعاري، وعندما يطّلع عليها المحقّق، سيعتذر مني، ويدرك مدى فداحة الخطأ المرتكب بحقي، ويعاقب "أبو علي" على كذبه، وشهادة الزور التي كادت تقضي عليّ.

نهض من سريره، أشعل الضّوء، أحضر دفتراً وقلماً، وكتب:

– ((في المساء))..

يد الرئيس تهدهد أجنحة الشّمس
وبراحة كفّه المباركة
يزيل الغبار عن جبهتها
يسقيها من حليب روحه
ويطهّر بدنها اللدن من صنابر نوره.

يد الرئيس بيضاء
تكفّن شهداءنا
تزيل الدّم عن أحلامهم
وتثري عويل اليتامى.

في الشتاء يد الرئيس تقبض على الغيوم
وتمطر فوقنا
زخات من وعود
فتبعث في حقولنا قامات من صمود
ليس فيها إلاّ الرّعود،
فتزهر على جباهنا
آيات السّجود.

فويل... ثمّ ويل
لمن بانت على سحنته
علامات الجحود.

وبعد ساعتين، صاغ عدداً من القصائد، ووضع تحت كلّ قصيدة تاريخاً قديماً، لكي يوهم المحقق بأنه من محبي الرئيس، حتى أنه نوّع بالأقلام لتنطلي
الحيلة... كما أنه كتب بعض الأغنيات عن سيادة الرئيس، وهذه بعض منها:

(عم تكبر سورية عم تكبر
بسواعد أسدها عم تعمر
الله يبارك بصموده
النصر على جبينه مقدر).

وهذه أغنية ثانية:

(دام عزّك دام
يا أسد الشام
يا محقق العدل
ومحلّي الأيّام).

وهكذا تسرّبت الطمأنينة إلى نفسه بعض الشيء، فأسرع إلى سريره علّه يستطيع النوم، ولم تمضِ دقائق على غفوته، حتى استيقظ مذعوراً، فقد شاهد حلماً غريباً، وحين حاول أن يتذكّره، وجد نفسه لا يذكر سوى وجه السّمان "أبو علي"، وابتسامته المقيتة.

حاول أن يعود للنوم فلم يفلح، إلى أن بزغ الصّباح.

خرج من المنزل، وما إن لمحه السّمان "أبو علي"، حتى ناداه:

– أستاذ "تحسين" لحظة من فضلك.

وما إن توقف، وشاهد السّمان خارجاً من دكانه، ترتسم على وجهه الابتسامة ذاتها التي رآها في المنام، حتى غذّ السّير، غير عابئ بصراخ السّمان خلفه.

كان هدفه من التجوّل أمراً واحداً فقط، أن يثبت لنفسه أنّه مازال طليقاً. تناهى إلى سمعه وقع أقدام مستعجلة خلفه، فشعر بالضيق والخوف. في البدء لم يجرؤ على الالتفات، ثمّ تشجّع، فتراءى له السّمان يمشي خلفه، فأسرع في سيره، وعلى بعد خطوات وجد منعطفاً نحو اليمين فسلكه. والمذهل أنّه خيّل إليه أنّ السّمان يتعقّبه، فتيقّن أنّه يراقبه، فعبر بسرعة أوّل منعطف صادفه، وأخذ يركض.

ركض أول الأمر بحياء، ثمّ التفت، فظنّ أنّ "أبو علي" راكضٌ خلفه، فأسّرع في ركضه.

دخل أزقة لم يعرفها...
وحين أحسّ أنّ سترته تعيق ركضه، خلعها ورماها وراءه، أدار رأسه، فتوهّم أشخاصاً يشاركون السّمان ملاحقته، فزاد من سرعته، راح يلهث، وكلّما أدار رأسه، اعتقد أن عدد المطاردين يتضاعف.

فجأة.. علت الأصوات خلفه، ومن حوله ارتبك أكثر، حين انضمّ إلى الأصوات صوت فرامل سيارة... وحاول أن ينتبه، أن ينقذ نفسه، أن يتفادى الصّدمة، أن يتوقف، يتراجع، ينجو... لكنّ الوقت فات... فقد أصبح كتلة لحم تحت العجلات.

بعد أيام... أعلنت نتائج مسابقة وزارة التربية، وكان الخبر مثار ألم فظيع لأهله وأصدقائه، حين عرفوا أنّ ترتيب "تحسين" كان الأوّل على زملائه.*

مصطفى الحاج حسين.
حلب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...