في الصفحة الأولى من الموقع،
حيث يُفترض أن تتراصّ الأسماء
كشارات افتتاح فيلم،
ظهر فراغٌ مفاجئ.
لا موسيقى.
لا إعلان إلغاء صاخب.
فقط عبارة قصيرة، مهذّبة، باردة:
“إزالة مؤقتة لبرنامج الفعاليات.”
المكان: مهرجان أديلايد للكتاب
(Adelaide Writers’ Week – أسبوع كتّاب أديلايد).
الزمن: ما بعد الإبادة.
والسبب المعلن: “الحساسية الثقافية”
(Cultural Sensitivity).
كلمة تبدو ناعمة،
لكنها حين تُنطق في هذا التوقيت
تُشبه ستارة سوداء
تُسدل فجأة
على مشهد لم يكتمل.
الاسم الذي حُذف من الجدول
اسم الكاتبة والأكاديمية الفلسطينية–الأسترالية
راندا عبد الفتاح
(Randa Abdel-Fattah – كاتبة وأكاديمية فلسطينية أسترالية)،
كان مُدرجًا في البرنامج.
ليس للمرة الأولى.
سبق أن شاركت.
لم تُحدث فوضى.
لم تُحرق قاعة.
لم تُلغِ مهرجانًا.
لكن هذه المرة،
قيل إن وجودها
“غير مناسب ثقافيًا في هذا التوقيت الاستثنائي.”
التوقيت الاستثنائي؟
هجوم بوندي.
قال البيان:
لا علاقة لها بالحادثة.
ثم قال في الجملة نفسها تقريبًا:
لكن تصريحاتها السابقة تجعل مشاركتها إشكالية الآن.
أي تصريحات؟
لم تُذكر.
كأن التهمة لا تحتاج إلى دليل
حين يكون المتهم فلسطينيًا.
وكأن الاسم وحده
يكفي ليُربك “الهدوء العام”.
الكاتبة التي لم تطلب إلا حق الجلوس
راندا لم تطلب منبرًا استثنائيًا.
لم تطلب حماية.
لم تطلب تضامنًا.
طلبت فقط أن تُعامل
ككاتبة.
كأكاديمية.
كإنسانة لها رأي.
لكن فجأة،
لم تعد كاتبة.
صارت “حساسية”.
وصار رأيها
شيئًا يجب إبعاده عن الجدول
كي لا يحرج أحدًا.
هكذا تعمل الرقابة الحديثة:
لا تمنعك بالقوة،
تُخرجك بلطف.
وتطلب منك أن تتفهم.
حين قرر الكُتّاب ألا يدخلوا المشهد
ثم بدأ ما لم يكن في الحسبان.
لم يغادر الكُتّاب قاعة،
لأن الندوات لم تبدأ بعد.
لم تكن هناك كراسٍ،
ولا ميكروفونات،
ولا جمهور ينتظر.
ما حدث كان أهدأ… وأخطر.
الكتّاب بدأوا بالانسحاب من المشاركة نفسها.
من الأسماء.
من الجداول.
من الظهور المرتقب.
واحد ينسحب.
ثم آخر.
ثم تتسع الفراغات
في البرنامج المنشور
كأن النصّ أُعيدت كتابته
بعد حذف جمله الأساسية.
الأرقام ارتفعت سريعًا:
عشرات الكتّاب.
ثم أكثر.
حتى بات الحديث عن
نحو خمسين،
ثم سبعين،
ثم قرابة مئة كاتب من أصل قرابة مئة وعشرين مشاركًا.
لم تكن موجة غضب.
كانت قرارًا أخلاقيًا جماعيًا.
أسماء ثقيلة في الأدب الأسترالي والعالمي
انسحبت لأنها رأت المشهد بوضوح:
اليوم يُقصى صوت فلسطيني،
غدًا يُطلب من الجميع
أن يتحدثوا “بشكل ألطف”.
البرنامج الذي تلعثم
إدارة المهرجان
أغلقت صفحة البرنامج.
قالت: سنعيد الترتيب.
سنحترم انسحابات المشاركين.
لكن الضرر كان قد حدث.
ليس في الجدول،
بل في المعنى.
حتى داخل الإدارة،
بدأ التصدّع.
استقالات.
رسائل احتجاج.
أصوات من داخل المؤسسة نفسها
قالت:
ما جرى ليس تقديرًا ثقافيًا،
بل خطأ أخلاقي.
الحياد الذي لم يعد مقنعًا
قبل سنوات،
كان يمكن للمؤسسات الثقافية
أن تقف في المنتصف،
وترفع لافتة:
“نحن مع الجميع”.
اليوم،
المنتصف صار مكانًا مكشوفًا.
والحياد،
حين يكون بلا موقف،
يُقرأ كاصطفاف مع الأقوى.
ما بعد الإبادة
ليس كما قبلها.
الكلمات لم تعد بريئة.
والصمت لم يعد مهذبًا.
والثقافة لم تعد قادرة
على غسل يديها بالمجاز.
تحوّل أعمق من مهرجان
ما حدث في أديلايد
ليس حادثة معزولة.
هو لقطة من فيلم أطول
يُعاد تصويره في العالم الثقافي.
تحوّل واضح:
بين مؤسسات تخشى الصدام،
وكتّاب وفنانين
قرروا أن كلفة الصمت
أعلى من كلفة الموقف.
المقاطعة الثقافية
لم تعد فعلًا هامشيًا.
صارت لغة.
لغة تقول:
إن لم تتسع المنصّة للحقيقة،
فنحن لا نحتاجها.
وأين تقف الحركة الثقافية الفلسطينية؟
هنا،
لا يكفي أن نراقب المشهد بإعجاب.
ولا أن نكتفي بعبارة:
“العالم بدأ يفهم”.
الفهم ليس خطة.
الحركة الثقافية الفلسطينية
أمام لحظة نادرة،
لكنها حساسة،
وتحتاج إلى رؤية استراتيجية:
أن تُدرك أن هذه التحولات
ليست عاطفية ولا دائمة.
أن تحوّل التضامن
إلى شراكات حقيقية،
إلى إنتاج،
إلى حضور طويل النفس.
أن تعرف أين تُفتح الأبواب،
وأين تُغلق،
وأين يجب أن نطرق
وأين يجب أن نبني منصّتنا الخاصة.
الفلسطيني اليوم
لم يعد فقط موضوعًا للنقاش،
بل صار اختبارًا أخلاقيًا
لكل مؤسسة ثقافية
تدّعي الحرية.
المشهد الأخير
في هذا المشهد،
لم تخسر راندا عبد الفتاح منصّة،
بل كُشف المهرجان على حقيقته.
ولم يخسر الكُتّاب المنسحبون حضورهم،
بل استعادوا معنى وجودهم.
أما فلسطين،
فلم تكن بحاجة لمن يتكلم باسمها،
كانت فقط بحاجة
لمن يرفض إسكاتها.
الكاميرا تبتعد ببطء.
البرنامج أقل ازدحامًا،
لكن الهواء أنقى.
وفي الخلفية،
صوت هادئ، واضح، يقول:
الثقافة التي تخاف من الحقيقة
ليست ثقافة…
إنها إدارة علاقات عامة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
12/1/2026
حيث يُفترض أن تتراصّ الأسماء
كشارات افتتاح فيلم،
ظهر فراغٌ مفاجئ.
لا موسيقى.
لا إعلان إلغاء صاخب.
فقط عبارة قصيرة، مهذّبة، باردة:
“إزالة مؤقتة لبرنامج الفعاليات.”
المكان: مهرجان أديلايد للكتاب
(Adelaide Writers’ Week – أسبوع كتّاب أديلايد).
الزمن: ما بعد الإبادة.
والسبب المعلن: “الحساسية الثقافية”
(Cultural Sensitivity).
كلمة تبدو ناعمة،
لكنها حين تُنطق في هذا التوقيت
تُشبه ستارة سوداء
تُسدل فجأة
على مشهد لم يكتمل.
الاسم الذي حُذف من الجدول
اسم الكاتبة والأكاديمية الفلسطينية–الأسترالية
راندا عبد الفتاح
(Randa Abdel-Fattah – كاتبة وأكاديمية فلسطينية أسترالية)،
كان مُدرجًا في البرنامج.
ليس للمرة الأولى.
سبق أن شاركت.
لم تُحدث فوضى.
لم تُحرق قاعة.
لم تُلغِ مهرجانًا.
لكن هذه المرة،
قيل إن وجودها
“غير مناسب ثقافيًا في هذا التوقيت الاستثنائي.”
التوقيت الاستثنائي؟
هجوم بوندي.
قال البيان:
لا علاقة لها بالحادثة.
ثم قال في الجملة نفسها تقريبًا:
لكن تصريحاتها السابقة تجعل مشاركتها إشكالية الآن.
أي تصريحات؟
لم تُذكر.
كأن التهمة لا تحتاج إلى دليل
حين يكون المتهم فلسطينيًا.
وكأن الاسم وحده
يكفي ليُربك “الهدوء العام”.
الكاتبة التي لم تطلب إلا حق الجلوس
راندا لم تطلب منبرًا استثنائيًا.
لم تطلب حماية.
لم تطلب تضامنًا.
طلبت فقط أن تُعامل
ككاتبة.
كأكاديمية.
كإنسانة لها رأي.
لكن فجأة،
لم تعد كاتبة.
صارت “حساسية”.
وصار رأيها
شيئًا يجب إبعاده عن الجدول
كي لا يحرج أحدًا.
هكذا تعمل الرقابة الحديثة:
لا تمنعك بالقوة،
تُخرجك بلطف.
وتطلب منك أن تتفهم.
حين قرر الكُتّاب ألا يدخلوا المشهد
ثم بدأ ما لم يكن في الحسبان.
لم يغادر الكُتّاب قاعة،
لأن الندوات لم تبدأ بعد.
لم تكن هناك كراسٍ،
ولا ميكروفونات،
ولا جمهور ينتظر.
ما حدث كان أهدأ… وأخطر.
الكتّاب بدأوا بالانسحاب من المشاركة نفسها.
من الأسماء.
من الجداول.
من الظهور المرتقب.
واحد ينسحب.
ثم آخر.
ثم تتسع الفراغات
في البرنامج المنشور
كأن النصّ أُعيدت كتابته
بعد حذف جمله الأساسية.
الأرقام ارتفعت سريعًا:
عشرات الكتّاب.
ثم أكثر.
حتى بات الحديث عن
نحو خمسين،
ثم سبعين،
ثم قرابة مئة كاتب من أصل قرابة مئة وعشرين مشاركًا.
لم تكن موجة غضب.
كانت قرارًا أخلاقيًا جماعيًا.
أسماء ثقيلة في الأدب الأسترالي والعالمي
انسحبت لأنها رأت المشهد بوضوح:
اليوم يُقصى صوت فلسطيني،
غدًا يُطلب من الجميع
أن يتحدثوا “بشكل ألطف”.
البرنامج الذي تلعثم
إدارة المهرجان
أغلقت صفحة البرنامج.
قالت: سنعيد الترتيب.
سنحترم انسحابات المشاركين.
لكن الضرر كان قد حدث.
ليس في الجدول،
بل في المعنى.
حتى داخل الإدارة،
بدأ التصدّع.
استقالات.
رسائل احتجاج.
أصوات من داخل المؤسسة نفسها
قالت:
ما جرى ليس تقديرًا ثقافيًا،
بل خطأ أخلاقي.
الحياد الذي لم يعد مقنعًا
قبل سنوات،
كان يمكن للمؤسسات الثقافية
أن تقف في المنتصف،
وترفع لافتة:
“نحن مع الجميع”.
اليوم،
المنتصف صار مكانًا مكشوفًا.
والحياد،
حين يكون بلا موقف،
يُقرأ كاصطفاف مع الأقوى.
ما بعد الإبادة
ليس كما قبلها.
الكلمات لم تعد بريئة.
والصمت لم يعد مهذبًا.
والثقافة لم تعد قادرة
على غسل يديها بالمجاز.
تحوّل أعمق من مهرجان
ما حدث في أديلايد
ليس حادثة معزولة.
هو لقطة من فيلم أطول
يُعاد تصويره في العالم الثقافي.
تحوّل واضح:
بين مؤسسات تخشى الصدام،
وكتّاب وفنانين
قرروا أن كلفة الصمت
أعلى من كلفة الموقف.
المقاطعة الثقافية
لم تعد فعلًا هامشيًا.
صارت لغة.
لغة تقول:
إن لم تتسع المنصّة للحقيقة،
فنحن لا نحتاجها.
وأين تقف الحركة الثقافية الفلسطينية؟
هنا،
لا يكفي أن نراقب المشهد بإعجاب.
ولا أن نكتفي بعبارة:
“العالم بدأ يفهم”.
الفهم ليس خطة.
الحركة الثقافية الفلسطينية
أمام لحظة نادرة،
لكنها حساسة،
وتحتاج إلى رؤية استراتيجية:
أن تُدرك أن هذه التحولات
ليست عاطفية ولا دائمة.
أن تحوّل التضامن
إلى شراكات حقيقية،
إلى إنتاج،
إلى حضور طويل النفس.
أن تعرف أين تُفتح الأبواب،
وأين تُغلق،
وأين يجب أن نطرق
وأين يجب أن نبني منصّتنا الخاصة.
الفلسطيني اليوم
لم يعد فقط موضوعًا للنقاش،
بل صار اختبارًا أخلاقيًا
لكل مؤسسة ثقافية
تدّعي الحرية.
المشهد الأخير
في هذا المشهد،
لم تخسر راندا عبد الفتاح منصّة،
بل كُشف المهرجان على حقيقته.
ولم يخسر الكُتّاب المنسحبون حضورهم،
بل استعادوا معنى وجودهم.
أما فلسطين،
فلم تكن بحاجة لمن يتكلم باسمها،
كانت فقط بحاجة
لمن يرفض إسكاتها.
الكاميرا تبتعد ببطء.
البرنامج أقل ازدحامًا،
لكن الهواء أنقى.
وفي الخلفية،
صوت هادئ، واضح، يقول:
الثقافة التي تخاف من الحقيقة
ليست ثقافة…
إنها إدارة علاقات عامة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
12/1/2026