أسعد سليم - زيارة جديدة لحرب أكتوبر 1973

1- من وضع خطة العبور؟

قبل اندلاع حرب أكتوبر المجيدة، كان هناك اعتقاد شائع بين الخبراء الأجانب أن مصر تحتاج إلى امتلاك سلاحى المهندسين الأمريكي والسوفيتي لمجرد التفكير في عبور مانع مائي مثل قناة السويس، وأنها لن تنجح حتى لو حصلت عليه! بل إن مجموعة من هؤلاء الخبراء الأكفاء أكدوا أن مشكلة عبور القناة ليس لها حل حاليًا، ولا في المستقبل القريب أو البعيد. إذن، من هو ذلك العبقري المصري الذي رسم خطة العبور الاستثنائية التي أذهلت العالم؟ عند الرجوع إلى المصادر العديدة التي تناولت خطة حرب أكتوبر، يجد المرء نفسه أمام تناقضات محيرة، إذ اختلف الخبراء العسكريون والمؤرخون والكتاب السياسيون حول هذا السؤال الأساسي، فيما يشبه الجدال الذي لا ينتهي.

لنبدأ بمذكرات المشير أحمد إسماعيل علي، الذي كان وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة أثناء الحرب. يروي فيها أنه أعد خطة العبور خلال فترة إقالته بين عامي 1969 و1971، وهو جالس في منزله، حيث كان يفكر دائمًا في كيفية إزالة آثار العدوان. ثم عرضها على الرئيس أنور السادات عندما تم تعيينه وزيرًا للحربية، فوافق عليها السادات، وتم التدريب عليها وتنفيذها في أكتوبر 1973. لكن تعيين إسماعيل جاء في 26 أكتوبر 1972، أي قبل الحرب بأقل من عام واحد فقط، بعد خلاف حاد بين الرئيس السادات مع الفريق أول محمد صادق، الوزير السابق. هل يعقل أن خطة معقدة ومفصلة مثل خطة أكتوبر قد أعدت في مثل هذه الفترة القصيرة؟ وماذا عن المشاريع التدريبية السنوية التي كانت القوات المسلحة تجريها لتطبيق خطة الحرب قبل تعيين إسماعيل؟ المنطق والوثائق والحقائق تشير إلى أن الخطة كانت جاهزة مسبقًا قبل توليه المنصب.

من جهة أخرى، يصر الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتاباته عن الحرب على أن خطة العبور أعدت في عهد الزعيم جمال عبد الناصر تحت اسم “جرانيت 1”، ثم تطورت إلى “جرانيت 2” التي تشمل الوصول إلى مضايق سيناء. ونحن نعرف جيدًا الصلة الوثيقة بين هيكل وعبد الناصر، والتي ربما دفعته دون قصد ولاشعوريا إلى الدفاع عن عصر ناصر تحت كل الظروف. لكن الفريق سعد الدين الشاذلي يفاجئنا في مذكراته أنه عندما تولى منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة في 16 مايو 1971، لم يجد أي خطة هجومية جاهزة للتنفيذ! فمن نصدق إذن؟

لحل هذا اللغز، توجهت لجنة رسمية مكلفة بتوثيق تاريخ حرب أكتوبر، برئاسة اللواء حسن البدري، إلى الفريق أول محمد فوزي، الذي كان وزير الحربية في عهد عبد الناصر بعد نكسة 1967 مباشرة، قبل أن يقيله السادات في مايو 1971 بسبب تورطه في قضية "مراكز القوى". سألوه مباشرة: أين ذهبت خطة "جرانيت"؟ فأجاب فوزي أنه أخذها معه إلى المنزل عام 1971 وأخفاها عن الجميع خلال فترة التوتر مع السادات! هذا يؤكد صدق الشاذلي في أنه لم تكن هناك خطة عبور جاهزة عند توليه المسؤولية.

دعونا نميز أولاً بين أمرين أساسيين: الخطة العامة والخطة التنفيذية ( الاستراتيجية والتكتيك). الخطة العامة تتضمن الخطوط الرئيسية فقط، مثل عبور القناة بخمس فرق مشاة واحتلال حوالي 12 كيلومترات شرقها، دون تفاصيل حول الكيفية. أما الخطة التنفيذية، فتشمل كل التفاصيل المعقدة: كيف تعبر مانعًا مائيًا بطول 180 كيلومترًا؟ كيف تدمر الساتر الترابي؟ كيف تهدم خط بارليف الحصين؟ كيف تنقل 1200 دبابة من الغرب إلى الشرق؟ كيف يعبر 100 ألف ضابط وجندي ويلتقون بمعداتهم في نقاط محددة؟ من يحصل على الأولوية في العبور؟ كم عدد الكباري والمعديات اللازمة؟ وغيرها من الأسئلة الدقيقة. ومن الواضح أن الخطة العامة أبسط بكثير، وكانت عبارة عن فكرة عامة تدور في أذهان كل المعنيين بالقوات المسلحة آنذاك، لكن التحدي الحقيقي كان في صياغة الخطة التنفيذية وتدريب القوات عليها وتنفيذها في الوقت المناسب.

وعند قراءة مذكرات المشير محمد عبد الغني الجمسي، الذي كان رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة آنذاك، تزداد الأمور تعقيدًا. يخلط الجمسي بين خطة العبور نفسها واختيار توقيت تنفيذها. الثابت أن هيئة العمليات بذلت جهدًا هائلاً في تحديد توقيت 6 أكتوبر 1973 الساعة الثانية ظهرًا، بعد دراسة شاملة لأعياد اليهود، المد والجزر في القناة، الليالي القمرية، اتجاه الشمس، تيار المياه، وغيرها من العوامل العلمية. قدمت الهيئة للسادات معلومات موثقة ومدروسة بعمق، وهو ما عُرف بـ"كشكول الجمسي"، ولتلك القصة جانب يستحق الرواية للأمانة التاريخية.

كلفت الهيئة بإعداد دراسة عن أفضل مواعيد شن الحرب على إسرائيل، فبدأت تحت رئاسة الجمسي بأسلوب علمي دقيق في فحص كل العوامل. كان اللواء صلاح فهمي، أحد أعضاء الهيئة، مسؤولاً رئيسيًا عنها. ذات يوم، طلب منه الجمسي تبييض الأفكار وتقديمها صباحًا. لكن فهمي لم يجد أوراقًا في المنزل، فاستخدم كشكول ابنته حنان لتدوين كل شيء. في الصباح التالي، حاول فهمي نقل المحتوى إلى أوراق بيضاء، لكن الجمسي أخذ الكشكول كما هو لأن السادات كان ينتظره على عجلة من أمره. قدمه الجمسي للسادات، الذي فرح به وأطلق عليه "كشكول الجمسي"، رغم أنه في الواقع كشكول الطفلة حنان صلاح فهمي!

هناك خلط كبير حول هذا الكشكول، إذ ذكره السادات مرارًا تقديرًا للجمسي، لكنه استغله أيضًا بحنكة ليوحي بأنه يحتوي على خطة الحرب كاملة، نكاية في الشاذلي الذي ساءت علاقته به. لكن الحقيقة أن الكشكول يجيب عن سؤال واحد فقط: متى نبدأ الحرب؟ وليس له صلة بخطة الحرب نفسها.

بعد قراءة متأنية فى كل ما كتب عن حرب أكتوبر، أقول بتجرد وبضمير مرتاح وثقة إن صاحب الخطة التنفيذية الهجومية لحرب أكتوبر هو الفريق سعد الدين الشاذلي، أحد أبرز العباقرة العسكريين في تاريخ مصر.

اختار السادات الشاذلي رئيسًا للأركان في 16 مايو 1971، متجاوزًا عشرات الضباط الأكثر خبرة، لأنه رأى فيه شيئًا استثنائيًا، وكان ذلك قرارًا يشبه الاختيار السماوي في أهميته. سمعة الشاذلي كانت مشرفة: في نكسة 1967، قرر سحب كتيبته داخل حدود فلسطين بدلاً من الانسحاب غرب القناة كما كانت الأوامر، فنجا هو وقواته من التدمير. كما أنه مؤسس سلاح المظلات، وقاد القوات الخاصة (الصاعقة والمظلات) خلال حرب الاستنزاف، محققًا بطولات عديدة، ثم قائدا لقوات منطقة البحر الأحمر. اختاره السادات لكفاءته التخطيطية، رغم طبعه الحاد والصلب الذي لا ينحني تحت الضغوط، وهو ما كان يتعارض مع ميل السادات إلى تعيين شخصيات طيعة. لكن السادات كان مقتنعًا بقدرات الشاذلي، فعينه آملاً في الاستفادة منه لصالح الوطن. كانت علاقتهما براغماتية، استفاد كل منهما من الآخر حتى حدث خلاف تطوير الهجوم في 14 أكتوبر 1973، الذي أدى إلى الشقاق بينهما.

منذ اليوم الأول اكتشف الشاذلى عدم وجود خطة هجومية لدى القوات المسلحة، ولم يكن بالإمكان عمل خطة شاملة لتدمير العدو وإرغامه على الانسحاب من سيناء وقطاع غزة وذلك لأسباب متعددة أهمها تفوق العدو الجوى، ونوعية السلاح الذى نمتلكه، وأيضا المدى القصير لمظلة دفاعاتنا الجوية. قام الشاذلى بإعداد خطة هجومية تتضمن العبور إلى الشرق واستعادة حوالى من 12 الى 15 كيلو متر، والتمركز بها وأخذ الوضع الدفاعى ومحاولة تكبيد العدو الإسرائيلي أكبر خسائر ممكنة وإطالة أمد الحرب وهو ما لا يطيقه العدو نظرا لتعداد سكانه المحدود. تم تسمية تلك الخطة "المآذن العالية".

قام الشاذلى بعرض خطته على الفريق أول محمد صادق، وزير الحربية وقتها، لكنه رفضها وطلب إعداد خطة أكبر وأوسع للوصول إلى مضايق سيناء، فتم عمل خطة جديدة سميت "الخطة 41" على أنه لن يتم اللجوء إليها إلا بعد توفير الأسلحة اللازمة لتنفيذها على أرض الواقع، وبقيت خطة المآذن العالية هي الوحيدة المتاحة والقابلة للتنفيذ.

في عام 1972، تم عمل بعض التغييرات الطفيفة على خطة الهجوم الشاملة "الخطة 41" بناء على تطورات الموقف العسكرى وتم تغيير اسمها لتصبح "جرانيت 2". لكنها أيضا لم تكن قابلة للتنفيذ لأن متطلباتها من الأسلحة لم تكن موجودة.

في فترة تولى المشير أحمد إسماعيل وزارة الحربية، تم تطوير الخطة "جرانيت 2 " ليصبح اسمها الجديد "خطة العبور" وتنقسم لخطتين: الأولى الخطة الجزئية المآذن العالية التي أصبح اسمها الجديد "بدر"، والثانية كانت تتضمن تطوير الهجوم لتحرير المضايق، وبينهما ما عرف بالوقفة التعبوية، التي قد تمتد لأيام أو أسابيع أو شهور حسب تغير الموقف. وكان التركيز الكلى في التدريبات على الخطة بدر لأنها كانت الأكثر ملائمة للموقف العسكرى.

منذ اليوم الأول، انغمس الشاذلي في إعداد الخطة، عقليته العسكرية كانت مهتمة بأدق التفاصيل: من الزي العسكري والأسلحة لكل جندي، إلى ترتيب الجنود على القوارب المطاطية، ونقاط العبور والهبوط، وإعادة تجميع الوحدات في الشرق. كما حدد أولويات عبور الدبابات والمدرعات، وأعداد الكباري والمعديات وأماكن تركيبها. كما شملت الخطط الكبرى: الضربة الجوية أولاً، ثم المدفعية، فطلائع القوات بالقوارب، ثم فتح الثغرات في الساتر الترابي، ونصب الكباري، وعبور المعدات الثقيلة.

بالطبع، شارك مع الشاذلي جميع أفرع القوات المسلحة وقادتها، وأبرزها سلاح المهندسين بدوره البارز في مراجعة الخطة والتدريب عليها للوصول إلى أعلى درجات الجاهزية. لكن الشاذلي كان الركيزة الرئيسية في صياغة خطة العبور.

من يقرأ عن ملحمة العبور يدرك أن العلم كان سلاحنا الأول في التخطيط الاستثنائي، وأن إيمان الجنود بقضيتنا العادلة أعطاهم قوة سحرية في أدائهم، وفوق ذلك كله رئيس شجاع مثل السادات اتخذ قرار الحرب ببسالة، وقائد فذ مثل الشاذلي أذهل العالم بتخطيطه الدقيق وتنفيذه الرائع.



أسعد سليم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...