يحيى بركات - حين يتكلم الفن… ويُفضَح الزيف ويرى الفن.. ما تعمى عنه السلطة

ليس كل من يتكلم يملك صوتًا.
وليس كل من يملك صوتًا يجرؤ على استخدامه.
في لحظات بعينها، يصبح الكلام اختبارًا أخلاقيًا، لا تعبيرًا عن رأي.
مارك رافالو اجتاز هذا الاختبار علنًا.
لم يقل إن دونالد ترامب رئيس سيئ فحسب،
قال إن هذا الرجل أسوأ إنسان في العالم.
قال إنه لا يؤمن بالقانون الدولي، ولا يعترف بأي مرجعية تتجاوز أناه.
قال إن ما يحكم قراراته ليس منظومة قيم، بل أخلاق شخصية مشوهة.




قال إن الاعتماد على رجل مُدان، متهم، مهووس بالعظمة، لإدارة أقوى دولة في العالم، يعني أننا أمام أزمة أخلاقية قبل أن تكون سياسية.
ثم قال الجملة التي لا تُقال عادة:
إن الشعب الأمريكي يعيش اليوم في خوف، خوف حقيقي، لأن السلطة لم تعد تطمئنه، بل تهدده.
رافالو لم يتوقف عند الداخل الأمريكي.
عاد، أكثر من مرة، ليقول إن هذا المنطق نفسه هو الذي يقف خلف دعم ترامب غير المشروط لإسرائيل.
قال إن من يعمي عينيه عن القانون الدولي في بلده، سيفعل الأمر نفسه حين تُقصف غزة.
وأن من يتحدث عن القيم، ثم يبرر قتل الأطفال الفلسطينيين، لا يدافع عن أمن، بل عن سقوط أخلاقي كامل.
في كلامه، لم تكن غزة “قضية خارجية”، بل مرآة.
وحين تُكسر المرآة، لا يبقى سوى الصوت.
ديف ماثيوز لم يُجمّل لغته.
قال إن إدارة ترامب تقوم على الكذب بوصفه سياسة.
قال إن تحويل المهاجرين إلى فرائس، ومطاردة البشر باسم “القانون”، هو انهيار لفكرة العدالة نفسها.




قال إن السلطة حين تفقد علاقتها بالإنسان، تتحول إلى آلة بلا ذاكرة ولا ضمير.
صوته لم يكن موسيقيًا هذه المرّة، بل أخلاقيًا، كما لو أن اللحن انكسر وبقي المعنى.
ثم جاء الصوت الذي يعرف أن السؤال أخطر من الجواب.
روبرت دي نيرو قال إن السلطة التي تخاف السؤال لا تصلح للحكم.
قال إن الفن، بطبيعته، سؤال مفتوح، وإن أي نظام سياسي يعادي الفن إنما يعادي التفكير نفسه.
وحين تحدّث عن ترامب، لم يتحدث عن شخص، بل عن نموذج:
نموذج يستبدل المعنى بالاستعراض، ويحوّل السياسة إلى مسرح فارغ، ويخاف من الثقافة لأنها تكشف هشاشته.
هذه الجملة لم تكن عابرة، لأنها تختصر كل شيء:
حين تخاف السلطة من السؤال، تبدأ في إنتاج العنف.




سوزان ساراندون ذهبت أبعد.
قالت إن الصمت تواطؤ.
وإن ما يُرتكب باسم الأمن، سواء ضد السود والمهاجرين في الداخل الأمريكي، أو ضد الفلسطينيين في غزة، هو جريمة واحدة بوجوه متعددة.
ربطت بين العنصرية، والحروب، ودعم الاحتلال، بوصفها نتاج عقل سياسي واحد لا يرى الإنسان، بل يرى السيطرة.
هنا، لم يعد الكلام أمريكيًا فقط.
في أوروبا، خرج الفن من حياده المصطنع.
كين لوتش، أحد أهم المخرجين الأوروبيين، قال إن ما يحدث في فلسطين ليس صراعًا، بل استعمارًا وإبادة.
رفض المشاركة في أي فضاء ثقافي يبيّض صورة الاحتلال، واعتبر أن الفن الذي لا يقف مع الضحية يفقد شرعيته الأخلاقية.
تيلدا سوينتون تحدثت عن غزة بوصفها اختبارًا للضمير العالمي، وقالت إن الثقافة التي تدّعي الكونية ثم تصمت أمام المجازر، ثقافة كاذبة.
وفي أمريكا اللاتينية، حيث الذاكرة لا تزال حية، كان الصوت أكثر حدة.
غايل غارسيا برنال قال إن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى شفقة، بل إلى عدالة، وإن ما يحدث في غزة يعيد إلى الأذهان كل تجارب الاستعمار التي عرفتها القارة.
تحدث عن مسؤولية الفنان في تسمية الجريمة، لا تدويرها لغويًا.
ألفونسو كوارون شدد على أن السينما ليست محايدة، وأن الصمت أمام الإبادة موقف سياسي، حتى لو تزيّن بلغة الفن.
من هنا، لم تعد البيانات مجرد أوراق.
بيانات صدرت عن مئات الفنانين حول العالم تطالب بوقف إطلاق النار، وتسمّي ما يحدث في غزة إبادة.
ثم تحوّلت الكلمات إلى أفعال:
مقاطعة مؤسسات ثقافية إسرائيلية داعمة للحرب.
انسحاب فنانين من مهرجانات وشراكات.
رفض الوقوف على منصات تموّل القتل.
سقط وهم “الحياد الثقافي”، لأن الحياد في الإبادة انحياز للجريمة.
وفي قلب هذا كله، يقف دونالد ترامب.
رجل يتحدث عن حماية الشعوب من الاضطهاد، بينما تُقمع الاحتجاجات في شيكاغو وإلينوي.
يتحدث عن رفض الحروب، بينما يمنح الغطاء السياسي والعسكري لإبادة في غزة.
يتحدث عن القيم، بينما يعمي عينيه عن أطفال يُحرقون تحت القصف.
يجلس مع كيان احتلال مُدان، ومع رئيس وزراء مطلوب كمجرم حرب أمام محكمة الجنايات الدولية، لا كطرف يجب محاسبته، بل كمرجعية سياسية.
هذا ليس تناقض خطاب.
هذا فلسفة سلطة بلا إنسان.
وأنا أكتب هذا النص، أكتبه بوعيٍ تاريخي لا برغبة في الإدانة فقط.
أكتبه وأنا أعرف أن ما نراه اليوم ليس انحرافًا عابرًا، بل تصدّعًا عميقًا في النظام الذي وُلد بعد كوارث كبرى.
بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، لم تُنشأ القوانين الدولية ترفًا أخلاقيًا، بل خوفًا من تكرار الإبادة.
صيغ القانون الدولي، وشُكّلت الأمم المتحدة، ووُضعت مواثيق حقوق الإنسان، لا لأن العالم أصبح أكثر طيبة، بل لأنه رأى إلى أي هاوية يمكن أن يقوده غياب القانون، وسيادة القوة، وعبادة الدولة.
بُني هذا النظام ليمنع الحرب، لا ليبررها.
وليحمي الإنسان، لا ليصنّفه.



وليحاسب القوي، لا ليمنحه حصانة.
وفي الوقت نفسه، قامت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية على خطاب الحرية، والعدالة، والديمقراطية، وسيادة القانون.
كانت هذه القيم — على علّاتها — مرجعية أخلاقية للعالم، أو هكذا أُريد لها أن تكون.
اليوم، كل هذا يتكسر أمام أعيننا.
لم تعد الأمم المتحدة فاعلًا مستقلًا، بل ساحة مُقيّدة، تُشلّ فيها القرارات حين تمسّ مصالح الدولة العظمى.
لم يعد القانون الدولي معيارًا، بل أداة انتقائية، يُفعَّل على الضعفاء، ويُعطَّل حين يصل إلى القوي.
لم تعد أوروبا فضاء الحرية بوصفها ممارسة، بل خطابًا مفرغًا، يطالب بالقيم حين تناسبه، ويتخلى عنها حين تُكلّفه موقفًا أخلاقيًا.
ما يجري في فلسطين ليس استثناءً، بل ذروة هذا الانهيار.
ذروة عالم يرى الإبادة ولا يتحرك.
يرى الأطفال تحت الركام، ثم يبحث عن مفردات أقل حدّة.
يرى مجرم حرب مطلوبًا للعدالة، ثم يستقبله ويمنحه الشرعية.
وحين تنهار القواعد، لا تبقى الحروب محلية.
التاريخ يعلّمنا أن العالم حين يكسر نظامه الأخلاقي، لا يدفع الثمن طرف واحد، بل البشرية جمعاء.
ما نراه اليوم — من تآكل القانون الدولي، وصعود القوة العارية، وتحويل القيم إلى شعارات — ليس مقدمة سلام، بل مقدمة فوضى كونية.



فوضى لا تحمي أحدًا، ولا تستثني أحدًا.
لهذا أكتب.
لا لأُدين فقط، بل لأحذّر.
لأن الفن، حين يرى التاريخ وهو يعيد نفسه، ولا يتكلم، يفقد معناه.
إن استمرار هذا المسار، واستمرار الصمت، واستمرار ازدواجية المعايير، لا يقود إلا إلى حرب عالمية جديدة، حرب لا تُحمد عقباها، لا على الشرق ولا على الغرب، ولا على الأقوياء قبل الضعفاء.
هذه ليست نبوءة، بل قراءة.
قراءة لمنطق العالم حين يفقد بوصلته.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
14/1/2025

تعليقات

غانية ملحيس


شكرا لك يا يحيى على هذا المقال الثري، الذي يكشف بوضوح الدور الجوهري للفن في تعرية نظام عالمي تحكمه حداثة مادية عنصرية، ويقوده عقل أداتي أعمى، عقل لا يرى الإنسان إلا بوصفه وسيلة، ولا يرى القانون إلا أداة للسيطرة، ولا يرى الإبادة إلا “تكلفة” وخسائر جانبية قابلة للإدارة.
حين يكتشف الفنانون هذا الواقع، وينهار الوهم المؤسِّس للحداثة الغربية بوصفها مشروعا كونيا، ويتبيّن أنها لم تكن سوى مشروع قوة متخف خلف خطاب القيم. وحين ينكشف أن القانون الدولي يُعطَّل انتقائيا، وأن حقوق الإنسان تُجزّأ عرقيا، وأن حياة الفلسطيني أقل وزنا من خطاب “الأمن”، يتضح أن البنية العنصرية لهذه الحداثة ليست خللا أخلاقيا طارئا، بل بنية اشتغال أصيلة. وحين يعون أن هذه الحداثة رتبت البشر هرميا، وعرّفت “الإنسان الكامل” بوصفه أبيض، غربيا، مسيطرا، فيما جعلت الآخرين قابلين للتضحية متى تطلّبت السوق أو الأمن ذلك. عند هذه النقطة، لا يعود الفن الحقيقي قادرا على ادّعاء الحياد، ولا على الاكتفاء بجمال منفصل عن العدالة.
وحين يتكلم الفنانون، ليس بوصفهم مشاهير، بل بوصفهم شهودا على انهيار الأسطورة، فإن ذلك يعلن نهاية وظيفة الفن كزينة أخلاقية للنظام، وبداية وظيفته كأرشيف أخلاقي مضاد. وحين ينسحبون من المهرجانات والمنصات والشراكات المموّلة، فهم يعلنون بوضوح أن الثقافة ليست بريئة، وأن التمويل والمنصات والجوائز ليست محايدة، بل أدوات ضبط، وأن معركة الفن لم تعد مع الرقابة وحدها، بل مع السوق بوصفه سلطة.
وحين ينحاز الفنانون لغزة، فإنهم لا ينحازون لقضية خارجية، بل يدافعون عن معنى الإنسانية ذاته.
وعندما يضعون العقل الأداتي - الذي يكره السؤال لأنه يبطئ الآلة، ويربك القرار، ويفضح العنف - في قفص الاتهام، فإنهم يعيدون للفن وظيفته الوجودية. فالفن، بطبيعته، سؤال مفتوح، وحين يعاديه النظام، فهذا يعني أنه يخاف التفكير، لا الفوضى. وهنا يغدو الفن مقاومة للقتل المعنوي، وحفظا لإمكانية المعنى، ولجوهر الإنسان نفسه.
وربما الأهم في مقالك، يا يحيى، أنك - بتسليط الضوء على مواقف فنانين غربيين مرموقين - تطرح السؤال الأخطر: ماذا يعني كل هذا لنا، نحن الفلسطينيين والعرب، لا للغرب فقط؟
فحين يكشف الفنانون الغربيون الزيف، فإنهم يفضحون صمتنا أيضا. وهذا يضع أمامنا سؤالا ثقيلا: لماذا يسبقنا الآخر أحيانا في تسمية الجريمة، ونحن ضحاياها؟
مقالك ليس خطاب إدانة للحداثة الغربية المادية العنصرية فحسب، بل مرآة للثقافة الفلسطينية والعربية حين تنكفئ، أو تبرّر، أو تصمت.
 
يحيى بركات

العزيزة غانية،
قراءتك لم تكتفِ بتفكيك النص، بل ذهبت إلى طبقته العميقة التي لم أُصرّح بها مباشرة، وتركتها تعمل كتيارٍ تحت السطح. حين تتحدثين عن العقل الأداتي، وعن الحداثة الغربية بوصفها مشروع قوة متخفٍ خلف خطاب القيم، فأنت تسمّين الإطار النظري الذي يتحرك داخله النص، دون أن يحوّله إلى أطروحة أكاديمية.
ما قصدته تحديدًا هو هذه اللحظة التي يسقط فيها وهم الكونية، ويتكشف أن القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، لم تُصَغ باعتبارها حقوقًا متساوية، بل باعتبارها أدوات إدارة عالم غير متكافئ. فلسطين هنا ليست استثناءً، بل المكان الذي تُعرّى فيه البنية كلها، ويُختبر صدقها أو زيفها دفعة واحدة.
توصيفك للفن بوصفه انتقالًا من “زينة أخلاقية للنظام” إلى “أرشيف أخلاقي مضاد” هو، في رأيي، جوهر اللحظة الراهنة. لأن الفن، حين يفقد حياده، لا يفعل ذلك بدافع التسييس، بل بدافع استعادة وظيفته الوجودية: أن يكون سؤالًا يعرقل الآلة، لا صورة تزيّنها. وهذا بالضبط ما يخيف النظام، لا الفوضى كما يتوهم، بل التفكير الذي يفضح منطقه.
أما السؤال الذي تضعينه في الخاتمة — ماذا يعني كل هذا لنا نحن الفلسطينيين والعرب؟ — فهو السؤال الذي تعمّدت أن أتركه مفتوحًا، لا هروبًا، بل تحميلًا للمسؤولية. لأن انكشاف الزيف حين يأتي من داخل المركز، لا يعفينا من مساءلة صمتنا، ولا من مراجعة علاقتنا بالفن بوصفه فعلًا، لا خطابًا مرافقًا.
النص، كما تفضلتِ، ليس إدانة للآخر فقط، بل مرآة لنا أيضًا:
مرآة تسأل متى يصبح الصمت تبريرًا، ومتى يتحول الحذر إلى تكيّف، ومتى نفقد القدرة على تسمية الجريمة ونحن نعيشها.
أقدّر هذه القراءة كثيرًا، لأنها لم تُطمئن النص، بل وضعته في توتره الصحيح:
توتر السؤال الذي لا يريد أن يُغلق،
ولا أن يُريح أحدًا،
لأن الراحة، في هذا السياق، شكل آخر من أشكال العمى.
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...