طارق حنفي - (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ) [الأنفال: ٢٣] -

خواطر حول الآية ٢٣ من سورة الأنفال،



قالوا في تفسير الآية الكريمة:
"ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح، ولا قصد لهم صحيح، لو فرض أن لهم فهما، فقال: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم أي: لأفهمهم، وتقدير الكلام: ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم؛ لأنه يعلم أنه ولو أسمعهم أي: أفهمهم لتولوا عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك، وهم عنه معرضون."

ويقول الشعراوي - رحمه الله -:
"والله منزه عن الافتئات على بعض عباده، فلم يسمعهم سماع الاستجابة لنداء رسول الله ﷺ: {وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ}..
وعلم الله تعالى أزلي، لكنه لا يحاكم عباده بما علم عنهم أزلاً. بل ينزل لهم حق الاختيار في التجربة الحياتية العملية.

فسبحانه وتعالى العالم أزلاً، لكنه شاء أن يعلم أيضاً علم الإقرار من العبد نفسه؛ لأن الله لو حكم على العباد بما علم أزلاً، لقال العبد: كنت سأفعل ما يطلبه المنهج يا رب. لذلك يترك الحق الاختيار للبشر ليعلموا على ضوء اختياراتهم ويكون العمل إقراراً بما حدث منهم."

والله أعلم نقول:
هو - سبحانه - الذي يُيسِّر الفهم لخلقه، فلو علم فيهم خيرًا لهيّأ لهم أسباب الفهم والهداية، لكنه بعلمه الأزلي يعلم أنهم - ولو فُتح لهم باب الفهم - سيُعرضون عن الحق اختيارًا وعنادًا.

- سبحانه - يعلم بعلمه الذي أحاط بكل شيء مكنونات كل ذات، يعلم علم اليقين شرها وخيرها بما يُمكّنه - سبحانه - من فصل أهل الجنة عن أهل النار عدلًا..
لكنه الخير داخل الإنسان هو ما استدعى رحمة الله ﷻ وعطاءه، فيرسله الله ﷻ إلى الحياة بأقدار، ليس الهدف منها إلا إعانة ذلك الخير بداخله، لينتصر على شروره، عون فيه لطف وخفاء حتى إن لم يستطع أن ينتصر على الشر فلا ينتصر الشر عليه، لكي يبقى الخير فيه ولو بمثقال ذرة..
عن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي ﷺ قَالَ : (يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ).

كانت ولا تزال مسألة التسيير والتخيير من أعقد القضايا، لكن هذه الآية أعطتها بعدًا جديدًا، فهي كلها تدور بأقدار الله في إطار تعريف الله للإنسان بأسمائه - سبحانه - وصفاته، لكي تعين الخير داخل كل ذات إنسانية، في محاولة من ذلك الخير ليجر تلك الذات ناحية الجنة..
وتكون ذرة الخير في الإنسان هي سبب استدعاءه إلى الحياة الدنيا، ويعطي الله ﷻ العطايا بسبب هذه الذرة..
يفسح لها المجال لعلها تستطيع أن تصوب الانحراف والاعوجاج الذي يحمله كل إنسان داخل ذاته.

الله بعدله أفسح المجال للإنسان ليفعل ويعصي ويتوب ويعبد بكامل حريته، لكي تعرف كل ذات نفسها خبيثة كانت أم طيبة، حتى لا يجيء أحدهم يوم القيامة ويسأل الله (لماذا؟) فهو - سبحانه - (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)..
ولولا الخير فينا لأفنانا الله ﷻ، وما رحمنا ولا يسر لنا، وما استخلفنا ولا أعطانا؛ فكل عطايا الله وقضائه وقدره موجه لمساعدة خير الإنسان ليغلب شره..
وتكون أقدار التمحيص هنا لتكشف للخير داخل ذات الإنسان شروره، فتعين الخير على تفسير الشر وفهمه بغرض إصلاحه.

وصل اللهم وسلم وبارك على خير الخلائق أجمعين، محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.


طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...