المستشار بهاء المري - غياب الحضور...

في غرفة المداولة، كان الصمت محبوسا كأنه سجينٌ مُدان، لم تكن ‏الجدران وحدها صماء؛ بل حتى الأنفاس التي تكاد تنكسر قبل أن تخرج من ‏صدور الحاضرين، خجِلةً من أن تُسمَع. وكان الأب واقفًا، رأسُه منحنٍّ ‏كغصنٍ تحت ثقل الثلج، عيناه تهربان من كل نظرة، حتى من عيني القاضي، ‏كأن الحقيقة أمامه ليست كلماتٍ تُقال، بل جدارٌ من لهيبٍ يلتف حول جسده ‏الهزيل.‏[/HEADING]
أقسم اليمين، فارتعشت شفتاه كورقةٍ في مهبّ ريحٍ عاتية. حاول ‏الكلام، فاختنق لسانه بعقدٍ من الندم والخوف، ثم انفجر باكيًا بكاءً مرًّا، كأن ‏سدًّا قديمًا قد انهار فجأةً أمام طوفانٍ من السنين الضائعة.‏
أمهله القاضي، بصبرٍ لا يخلو من وجعٍ دفين. ثم سأله مجددًا. ‏فرفع الرجل عينين غائمتين بالدموع، لكنه أسرع بإغراقهما في الأرض، وكأن ‏التراب أرحم من النظر إليه. مدّ يده المرتعشة، وأخرج من جيبه أوراقًا ‏مطويّة، كأنها جثثٌ صغيرة تحمل آثار جريمةٍ لا تُغتفر.‏
كانت محادثات "واتساب"، لكنها لم تكن مجرد كلمات. كانت ‏شهادةً صامتةً تصرخ بصوتٍ أعلى من كل صراخ:‏
‏- لا أتزوج عاهرة.‏
توسّل الأب، صوته يذوب بين الخجل والرجاء:‏
‏- وماذا تريد منّا يا ولدي؟
فجاء الردّ كالثلج على الجرح:‏
‏- تعود لي كما كانت، ولن أتزوجها.‏
ولما ألحّ، هدّد ببرودٍ يقطع الأوصال: "إن لم تُرسلها إليّ غدًا، نشرتُ ‏ما بيدي على الملأ."‏
لم يُفلح التوسل. ففي اليوم التالي، انفجرت الفضيحة كقنبلةٍ ‏رقمية: صورٌ، مقاطعُ، كلماتٌ عارية، فيديوهات للقاءات جنسية، تتدحرج ‏عبر الشاشات كالأفاعي، تلسع هنا، وتلدغ هناك، حتى صارت الفتاة اسما ‏يُهمس به في زوايا الجامعة المرموقة، ويُتناقل في صالونات النادي الراقي ‏كوشاية ساخنةٍ من العار.‏
سقطت الأم فجأة، كطائرٍ أصابه الرصاص في منتصف طيرانه ‏وخَرَّ الأب صريع ضغطٍ مفاجئ، يُحمل إلى المستشفى، لا بجسده فقط، بل ‏بروحٍ قد تفتّتت إلى شظايا.‏
أثبت القاضي ما جاء في الأوراق. لم يطلب إعادة شيءٍ مما لا ‏يُعاد. فالكلمات المكتوبة لا تكذب، لكنها لا ترحم أيضًا.‏
أما الفتاة، فلم تكن سوى ثمرةٍ تساقطت من شجرةٍ مشغولةٍ ‏بالعطاء عن نفسها. ابنة أستاذين جامعيين، يمضيان أيامهما بين قاعات ‏الدرس وصيدلياتٍ تتفرّع كالأوهام، حتى صار لقاؤهما بها حدثًا عابرًا في ‏المصعد، إن حدث. لياليها كانت تُبتلع في صمتٍ عميق، لا يوقظها إلا طَرْق ‏الفجر على بابٍ لم يعد يعرف من يسكن خلفه.‏
في فراغها، وجدت شابًّا طائشًا مثلها تمامًا، يتيمَ عنايةٍ، والداه ‏بالخارج، ويعيش مع جدّةٍ لا تراه إلا حين يعود آخر الليل، إن عاد. ثلاث ‏سنواتٍ من الحرية الزائفة، يخرجان بلا سؤال، يعودان بلا مساءلة. ثم ‏انزلقت الغريزة، كسيلٍ بلا سدّ، وصارت اللقاءات تُوثّق بكاميراتٍ لا ‏تعرف الرحمة، كأنهما يبنيان سجنًا من الذكريات، لا يعلمان أنه سيُستخدم ‏يومًا كدليل إدانة.‏
وحين دخلت الجامعة، استيقظت فجأةً، كمن يفيق من حلمٍ ‏طويل. حاولت القطع، لكن الوحش إذا جاع... افترس. فانقلب عليها ‏طوفانٌ أعمى، يجرف آخر ذرّةٍ من سترها.‏
انفضّت الجلسة. بدأ الحاضرون يغادرون، كأنهم يهربون من ظلّ ‏الحكاية. لكن القاضي استوقف الأب، وسأله بصوتٍ باردٍ، نافذٍ كالسكين:‏
‏- أين كنتما أنت وأمّها؟
انحنى الرجل، شفتاه ترتعشان، وعيناه غائرتان في صمتٍ أبدي. ‏ثم همس، كأن الكلمة نفسها تخجل من أن تُقال:‏
‏- المشاغل...‏
ومضى، متعثّر الخطى، تاركًا وراءه صدى الكلمة يتردد في أرجاء ‏القاعة، كأنها حكمٌ أبديّ اختزل كل الحكاية في مفردةٍ واحدة "المشاغل" ‏التي تأكل الأبناء، وتصنع من الحبّ غربةً، ومن البيت سجنًا بلا قضبان.‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...