يحيى بركات - قراءة في مقال د. غانية ملحيس: «من إدارة الكارثة إلى استعادة السياسة.

قراءة في مقال د. غانية ملحيس: «من إدارة الكارثة إلى استعادة السياسة. كيف نمنع تفريغ التحرر الفلسطيني دون الوقوع في وهم الإصلاح أو عجز القطيعة؟


هذا ليس مقالًا يُقرأ على عجل، ولا نصًا يُلتقط منه اقتباس ويُترك.

نحن أمام كتابة تعرف أن أخطر ما يجري لا يُدار بالصوت العالي، بل بالهدوء، لا بالقذيفة، بل بالمسار، لا بالقتل المباشر، بل بإعادة ترتيب الحياة تحت شروط لا يُعلن سقفها، لكنه يُفرض يومًا بعد يوم.
تنطلق د. غانية ملحيس من سؤال لا يُطرح كثيرًا بصيغته الحقيقية:
متى ولماذا تحوّل الفلسطيني، في الخطاب والممارسة، من شعب يخوض صراع تحرر، إلى جماعة سكانية تُدار، وتُغاث، وتُعاد هندسة شروط وجودها خارج القرار والسيادة؟
السؤال هنا ليس لغويًا ولا نظريًا، بل وجودي. لأن إعادة التعريف هي دائمًا أخطر من القمع. القمع يواجه، أما التعريف فيُطبّع، يُقنِع، ويُمرَّر بوصفه واقعية.
في هذا النص، لا تُعامَل الكارثة كحدث طارئ، بل كذروة مسار طويل بدأ حين أُفرغت السياسة من معناها التحرري، واستُبدلت بإدارة الأزمة، ثم بإدارة السكان، وصولًا إلى إدارة ما بعد الكارثة. وهنا تكمن الخطورة: ليست في إدارة الحياة بعد الدمار، بل في اليد التي تُدير، وفي السقف الذي لا يُقال لكنه يُفرض، وفي اللغة التي تُخدّر الوعي بدل أن تُوقظه.
حين تتحدث الكاتبة عن التكنوقراط، فهي لا تُدين الكفاءة ولا التخصص، ولا تُسفّه الحاجة إلى إدارة شؤون الحياة لشعب محاصر ومنكوب. لكنها تضع الإصبع على الجرح الحقيقي: اللحظة التي يتحول فيها التكنوقراطي من أداة مساعدة إلى بديل عن القرار السياسي. حين يُستدعى كحلّ لأن الإرادة عُطّلت، ولأن المؤسسات أُفرغت، ولأن الصراع أُعيد تعريفه كملف تقني قابل للإدارة. في هذه اللحظة، لا يعود السؤال: من يجلس في اللجنة؟ بل من يختار؟ من يموّل؟ من يملك حق الإقالة؟ ومن يحدّد الزمن؟
الإدارة، كما تكشف غانية، لا تُمارَس عبر القوانين فقط، بل عبر الاقتصاد والزمن. الرواتب، فرص العمل، المساعدات، العلاج، إعادة الإعمار. كل ما يُبقي الإنسان حيًا يتحوّل إلى أداة ضبط. وحين تصبح الحياة نفسها مشروطة، تتحول الإدارة إلى وصاية، لا خدمة، ويغدو “تحسين شروط العيش” شكلاً مهذبًا من أشكال السيطرة. ليس لأن النوايا سيئة، بل لأن البنية التي تعمل فيها أي إدارة تجعلها جزءًا من منظومة ضغط أكبر منها.
ثم نصل إلى واحدة من أكثر لحظات المقال حساسية وعمقًا: غزة.
ليست غزة في هذا النص جسدًا منكوبًا فقط، ولا مساحة دمار تُدار، بل كيان حيّ، فاعل، يبتكر أشكالًا من التنظيم تحت النار. شبكات تكافل، مبادرات محلية، لجان أحياء، قرارات يومية جماعية للبقاء. هذه الفاعلية لا تُرى لأنها لا تمر عبر القنوات “المعترف بها”، ولهذا تُوصَف بالفوضى. لكن المقال يقلب الصورة: ما يُراد ضبطه ليس الفوضى، بل الإرادة. المرحلة الثانية لا تأتي لملء فراغ، بل لتفكيك هذه القدرة المحلية على الفعل، وفصل الإدارة عن المجتمع، وتجريد الناس من أدوات الفرض.
وفي الداخل الفلسطيني، تحذير آخر لا يقل خطورة: اللغة.
ليس كل نقد خيانة، وليس كل حديث عن الشرعية تحريضًا. لكن حين تتحول اللغة إلى أداة لإغلاق الأسئلة، وحين يُعاد تعريف المشكلة بعيدًا عن الاحتلال ليصبح “الداخل” هو العائق الوحيد، تبدأ الفتنة عملها البطيء. الفتنة، كما يذكّرنا النص، لا تبدأ بالرصاصة، بل بالكلمة، حين تتحول الخصومة السياسية إلى تهديد وجودي داخلي يفتح الطريق أمام حكم بلا مساءلة.
أما الانقسام، فلا يُقدَّم هنا كخلاف سياسي يمكن حله بنداء، بل كنظام حكم مستقر. بنية تنتج مصالح، وشرعيات متوازية، وتمنح الخارج ذريعة دائمة لتجاوز الفلسطيني كفاعل موحد. الأخطر أن هذا النظام لم يعد يُدار كأزمة يجب إنهاؤها، بل كواقع يجب التعايش معه، بحيث يصبح أي مسار وحدوي تهديدًا للبنى القائمة، لا أفقًا وطنيًا جامعًا.
وفي قلب النص، تحذير صامت لكنه حاسم:
التحول من “الشعب” إلى “السكان”.
حين يُفصل الإعمار عن السيادة، والإغاثة عن السياسة، والإدارة عن التمثيل، لا تُحل المشكلة، بل تُعاد صياغتها. يصبح الفلسطيني حالة إنسانية قابلة للتحسين، لا صاحب حق تاريخي. هذا التحول لا يُفرض بلغة عدائية، بل بمصطلحات ناعمة: اليوم التالي، التهدئة الطويلة، الإدارة الرشيدة. لغة تُخفي نزع الطابع التحرري عن الصراع.
وحين تصل الكاتبة إلى مفهوم الواقعية، تضع حدًا فاصلًا لا لبس فيه. الواقعية ليست استسلامًا، وليست إدارة نتائج الهزيمة، بل إدارة الصراع دون إعادة تعريف الحقوق. تغيير الأدوات لا يعني تغيير الأهداف. ومن يخلط بين الأمرين، لا يمارس واقعية، بل يطلب التكيّف مع الهزيمة بلغة عقلانية.
استعادة منظمة التحرير، في هذا السياق، لا تُطرح كشعار حنين، بل كشرط. لا كإدارة، ولا كغطاء شرعي فارغ، بل كإطار تحرري وتمثيلي ومساءلة. من دون ذلك، تبقى كل اللجان، مهما حسنت نواياها، تعمل في فراغ سياسي قاتل.
الإغاثة، كما يشدد النص، واجب أخلاقي لا نقاش فيه. لكن تحويلها إلى بديل عن التحرر جريمة سياسية. الإعمار يجب أن يبقى فعل مساءلة لا إحسان، وربطه بمسؤولية الاحتلال عن الدمار هو الحد الأدنى من الفعل السيادي الرمزي، حتى في غياب السيادة الفعلية.
قيمة هذا المقال لا تكمن في أنه يقدّم حلولًا جاهزة، بل في أنه يرسم بوصلة. يقول لنا بوضوح ما لا يجوز أن نصبحه: مجتمعًا يُدار بدل أن يقرّر، وعيًا يُعاد تشكيله بدل أن يُنتج، وقضية تُختزل في إدارة الحياة تحت شروط الاحتلال.
من هنا، جاءت قراءة المتوكل طه للمقال في موقعها الطبيعي، لا بوصفها ثناء، بل بوصفها شراكة في الهمّ. حين وصف النص بأنه خارطة تمنع الانزلاق، كان يلتقط وظيفته العميقة: حماية المعنى قبل المواقع. وحين أشار في ختام مداخلته إلى الحاجة لرؤية فلسطينية جامعة، جاءت الإشارة امتدادًا منطقيًا لهذا التفكيك، لا بديلًا عنه. فالرؤية لا تُكتب قبل تسمية الخطر، ولا تُبنى في فراغ، ولا تُنجز ما لم تُستعد السياسة أولًا من موقع غيابها.
هذا النص، وهذه القراءة، يذكّراننا بأن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على المعنى. وأن أخطر أشكال الهزيمة ليست تلك التي تُفرض بالقوة، بل تلك التي تُدار بهدوء، وتُقنِعنا أن التكيّف معها هو الحكمة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي


رابط مقال د.غانيه

https://www.facebook.com/share/p/1N9tgF2tj2/

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...