في الأخبار، تبدو الأشياء مرتّبة: بيانٌ أبيض اللغة صادر عن البيت الأبيض، قرارٌ لمجلس الأمن يُشار إليه كغطاء شرعي، أسماءٌ لامعة تُصفّق لها الشاشات:
مجلسٌ يُسمّى “السلام” يرأسه ترامب، لجنةٌ تُسمّى “تكنوقراط فلسطينية” لإدارة اليوميّات،
وقوة “استقرار دولية”
تُقدَّم كما لو كانت شرطة مرور في مدينة منكوبة، لا قوة عسكرية فوق شعبٍ جريح.
تبدو الكلمات كأنها تسير على عكاز العقلانية: انتقال، إعمار، حوكمة، محاسبة، استثمار، تمويل، تنمية، مستقبل.
لكن فلسطين لا تُقاس بالمفردات، بل بما تُخفيه المفردات حين تبتسم.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي، السؤال الذي لا تحبه البيانات الرسمية:
من الذي يملك المفتاح؟
من الذي يحدّد الزمن؟
من الذي يختار الأشخاص؟
ومن الذي يملك حق الإقالة والتعليق، وفتح المعابر وإغلاقها؟
حين يقول البيت الأبيض إن “المجلس” سيشرف على تنفيذ خطة من عشرين نقطة، وسيعبّئ الموارد ويضمن “المحاسبة”، فهو لا يصف لجنة خدمات، بل يصف مركز قرار. وحين يُقال إن هذا كله “يتوافق” مع قرار مجلس الأمن، فالمعنى ليس أن السياسة استعادت نفسها، بل أن السياسة أُعيدت صياغتها في قالبٍ قانوني يشرعن إدارة ما بعد الكارثة بدل أن يحاكم أصل الكارثة.
في التغطيات الدولية، تتضح الصورة أكثر، لأن التفاصيل حين تُذكر تصبح مثل إضاءة مفاجئة في لقطة مظلمة: ترامب يترأس مجلسًا، أسماء أمريكية ودولية تُعيَّن، “ممثّل رفيع لغزة” يُشرف، لجنة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة اليوميّات، وقوة استقرار دولية بقيادة عسكرية.
هذا ليس دعمًا للفلسطينيين بقدر ما هو إعادة هندسة لدورهم: من شعب يخوض صراع تحرّر، إلى جهاز إدارة يتلقى تعليمات مباشرة أو غير مباشرة من فوقه ومن خارجه، فيما مفاتيح الحياة
— التمويل، المعابر، الأمن، الزمن — تبقى في يد من صاغ المشهد.
ومن زاوية أخرى، حين يُضغط على ملف “نزع سلاح حماس” ويُقدَّم بوصفه جوهر المرحلة التالية، يصبح الأمن ليس ملفًا فلسطينيًا، بل شرطًا سياسيًا تُقاس به “أهلية” الفلسطيني للحياة الطبيعية. هنا تكتمل الحلقة: الواقعية تُعرَّف بوصفها قبولًا بالشروط، ومن يرفض الشروط يُجرَّم، ومن يقبل بها يُكافأ بفتات حياة قابلة للسحب في أي لحظة.
لا تعود السياسة تنظيمًا للصراع، بل تنظيمًا للقيد.
ولأن العالم يحبّ الأقنعة القانونية، تُستدعى الأمم المتحدة إلى المشهد. بيانات الترحيب لا تقول إن الاحتلال مسؤول عن تدمير غزة، بقدر ما تقول إن الجهود “يجب أن تُوجَّه” وفق القرار والمسار. وحتى الترحيب الأوروبي، وهو مهمّ في الشكل، يأتي ضمن لغة تُثبّت أن “اللجنة” مدعومة من السلطة، أي تُعاد صياغة الشرعية عبر مسار إداري، لا عبر استعادة تمثيل تحرّري جامع.
كأن المطلوب أن تكون السلطة مظلّة إدارية، لا أن تكون منظمة التحرير
— بفعلها التحرّري —
مرجعية سياسية فوق السلطة، فوق الإدارة، وفوق مفهوم “اليوم التالي”.
وعندما نلتفت إلى الكتابات الإسرائيلية والبحثية، يتضح أن “اللجنة الإدارية” ليست فكرة فطرية وُلدت من رحم الحاجة الإنسانية، بل بند حاضر في تصوّرات “اليوم التالي” منذ وقت، بوصفها جسرًا مدنيًا/أمنيًا إلى ترتيب يضمن هدوءًا طويلًا، ويُمهّد — وفق هذا المنطق —
لعودة السلطة بوظيفة محددة لا تُهدّد البنية الاستعمارية.
هذا يعني أن اللجنة ليست محايدة، بل جزء من هندسة سياسية سابقة على إعلان ترامب، وترامب هنا ليس مؤلفًا منفردًا، بل مخرجًا يضع توقيعه على سيناريو متعدد الكتّاب.
وفي الطرف المقابل، لا يتصرّف قادة كيان الاحتلال كمن يبحث عن حلول مؤقتة، بل كمن يبني حاملًا سياسيًا واضحًا ومتماسكًا. مؤتمر عُقد في إسرائيل لم يناقش غزة بوصفها ملفًا إنسانيًا أو عبئًا أمنيًا، بل بوصفها أرضًا يجب أن تعود إليها المستوطنات.
الخطاب كان صريحًا: الاستيطان هو الحل، والضفة الغربية هي المثال الذي يُقدَّم بلا مواربة، لأنها عبر الاستيطان أنهت
— من وجهة نظرهم —
إمكانية قيام دولة فلسطينية. هكذا يعلن الاحتلال مشروعه بلا أقنعة: أرض تُبتلع، ووقائع تُراكم، وزمن طويل لا ينتظر تسوية ولا قرارًا دوليًا.
في المقابل، بينما يوسّع الاحتلال حامله السياسي بالاستيطان والفرض على الأرض،
يجري تفكيك الحامل السياسي الفلسطيني. تُستبدل السياسة بالإدارة، والتحرر بالوظيفة، والتمثيل باللجان، ويتحوّل الانقسام من أزمة طارئة إلى بنية حكم.
وبينما يلتقي قادة الاحتلال حول مشروع واحد، نغرق نحن في إدارة خلافاتنا، ونوسّع شقوق الجغرافيا والتمثيل، ونُسَلِّم ما تبقّى من السياسة لأطر مؤقتة بلا أفق وطني جامع.
أمّا الإقليم، فتعقيداته لا تقل قسوة عن النصوص.
مصر وقطر وتركيا ليست أسماء على الهامش؛ هي مفاتيح وسيطة، وهي أيضًا موضع ضغط، لأن من يُمسك بالوساطة يُمسك ببوابة “الشرعية العملية” أمام العالم.
هناك حديث دولي عن دعم وترحيب بلجنة تكنوقراط انتقالية، وعن مظلّة للسلطة الفلسطينية. في ظاهره حماية لوحدة الجغرافيا، وفي باطنه قابل لأن يتحوّل إلى آلية تمرير: تُثبّت الإدارة، وتؤجّل السياسة، وتُحسّن شروط العيش، وتُبهت شروط التحرّر.
هنا يبرز السؤال الوطني والشخصي في آن:
أين أقف من هذه اللجنة؟
لست ضد أن يأكل الناس، ولا ضد أن يُفتح باب الدواء، ولا ضد أن ينام طفل في خيمة بلا ماء. لكنني ضد أن يُقدَّم ذلك بوصفه السياسة نفسها.
ضد أن يُستبدل حق التحرّر بحقّ المساعدات.
ضد أن تتحوّل غزة إلى ملف تشغيل تحت إشراف مجلس يرأسه ترامب، وتحت شرعية قرار يُستعمل كغطاء، فيما سؤال السيادة والتمثيل والمحاسبة على الإبادة يُدفع إلى الهامش.
حين صدر قرار مجلس الأمن، وطُرحت خطة ترامب، كان ممكنًا
— نظريًا — أن يُؤخذ منها ما يفيد الفلسطيني ويُبنى عليه، وأن تُستعمل كأدوات ضغط لا كأقفاص. لكن الوقائع المتاحة حتى الآن تشير إلى العكس:
تم تمرير ما يخدم تثبيت الخطة في بنيتها الإدارية والأمنية والمالية، بينما تراجع الحضور الفلسطيني بوصفه مرجعية للمعنى.
صار المطلوب إثبات “الأهلية” للإدارة، لا فرض الحق في السياسة. صار معيار الشرعية هو الانضباط داخل المسار، لا تمثيل الشعب داخل مشروع التحرّر.
هنا يصبح “الحامل السياسي” ضرورة لا شعارًا.
لأن اللجنة — مهما تغيّر اسمها —
لا يمكن أن تكون حاملًا سياسيًا.
اللجنة وظيفة، لا رواية وطنية.
اللجنة دفتر حسابات، لا كتاب حق.
اللجنة قد تُنقذ يومًا، لكنها لا تُنقذ معنى، والمعنى إذا سُحب، لن تعيده كل مشاريع الإعمار.
الحامل السياسي هو استعادة منظمة التحرير بوصفها فعل تحرّر ومقاومة وتمثيلًا شرعيًا للشعب الفلسطيني، فوق السلطة لا داخلها، وفوق الإدارة لا تحتها. منظمة تُعيد تعريف المرحلة: لا “اليوم التالي” بوصفه نهاية الصراع، بل بوصفه ساحة جديدة للصراع على الشرعية والمعنى والحقوق.
الخطر ليس في اللجنة كأسماء، بل في اللجنة كمنطق:
منطق تحويل السياسة إلى إدارة،
والتحرّر إلى وظيفة،
والشعب إلى سكان.
والردّ ليس في شتيمة الواقعية، بل في إنقاذ الواقعية من أن تكون اسمًا مستعارًا للاستسلام:
واقعية تُدير الصراع لا نتائج الهزيمة،
وتمنع المؤقت من أن يصبح دائمًا،
وتربط الإغاثة بالحق،
والإعمار بالمحاسبة،
والإدارة بالشرعية التحرّرية، لا بالمظلّة الخارجية.
هذا ليس نصّ رفض فقط، بل تحديد لما لا يجوز أن نصبحه:
مجتمعًا يُدار بدل أن يقرّر،
وعيًا يُعاد تشكيله بدل أن يُنتج،
وقضيةً تُختزل في تحسين شروط الحياة داخل قفصٍ يُمسك مفتاحه الآخرون.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
17/1/2026
مجلسٌ يُسمّى “السلام” يرأسه ترامب، لجنةٌ تُسمّى “تكنوقراط فلسطينية” لإدارة اليوميّات،
وقوة “استقرار دولية”
تُقدَّم كما لو كانت شرطة مرور في مدينة منكوبة، لا قوة عسكرية فوق شعبٍ جريح.
تبدو الكلمات كأنها تسير على عكاز العقلانية: انتقال، إعمار، حوكمة، محاسبة، استثمار، تمويل، تنمية، مستقبل.
لكن فلسطين لا تُقاس بالمفردات، بل بما تُخفيه المفردات حين تبتسم.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي، السؤال الذي لا تحبه البيانات الرسمية:
من الذي يملك المفتاح؟
من الذي يحدّد الزمن؟
من الذي يختار الأشخاص؟
ومن الذي يملك حق الإقالة والتعليق، وفتح المعابر وإغلاقها؟
حين يقول البيت الأبيض إن “المجلس” سيشرف على تنفيذ خطة من عشرين نقطة، وسيعبّئ الموارد ويضمن “المحاسبة”، فهو لا يصف لجنة خدمات، بل يصف مركز قرار. وحين يُقال إن هذا كله “يتوافق” مع قرار مجلس الأمن، فالمعنى ليس أن السياسة استعادت نفسها، بل أن السياسة أُعيدت صياغتها في قالبٍ قانوني يشرعن إدارة ما بعد الكارثة بدل أن يحاكم أصل الكارثة.
في التغطيات الدولية، تتضح الصورة أكثر، لأن التفاصيل حين تُذكر تصبح مثل إضاءة مفاجئة في لقطة مظلمة: ترامب يترأس مجلسًا، أسماء أمريكية ودولية تُعيَّن، “ممثّل رفيع لغزة” يُشرف، لجنة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة اليوميّات، وقوة استقرار دولية بقيادة عسكرية.
هذا ليس دعمًا للفلسطينيين بقدر ما هو إعادة هندسة لدورهم: من شعب يخوض صراع تحرّر، إلى جهاز إدارة يتلقى تعليمات مباشرة أو غير مباشرة من فوقه ومن خارجه، فيما مفاتيح الحياة
— التمويل، المعابر، الأمن، الزمن — تبقى في يد من صاغ المشهد.
ومن زاوية أخرى، حين يُضغط على ملف “نزع سلاح حماس” ويُقدَّم بوصفه جوهر المرحلة التالية، يصبح الأمن ليس ملفًا فلسطينيًا، بل شرطًا سياسيًا تُقاس به “أهلية” الفلسطيني للحياة الطبيعية. هنا تكتمل الحلقة: الواقعية تُعرَّف بوصفها قبولًا بالشروط، ومن يرفض الشروط يُجرَّم، ومن يقبل بها يُكافأ بفتات حياة قابلة للسحب في أي لحظة.
لا تعود السياسة تنظيمًا للصراع، بل تنظيمًا للقيد.
ولأن العالم يحبّ الأقنعة القانونية، تُستدعى الأمم المتحدة إلى المشهد. بيانات الترحيب لا تقول إن الاحتلال مسؤول عن تدمير غزة، بقدر ما تقول إن الجهود “يجب أن تُوجَّه” وفق القرار والمسار. وحتى الترحيب الأوروبي، وهو مهمّ في الشكل، يأتي ضمن لغة تُثبّت أن “اللجنة” مدعومة من السلطة، أي تُعاد صياغة الشرعية عبر مسار إداري، لا عبر استعادة تمثيل تحرّري جامع.
كأن المطلوب أن تكون السلطة مظلّة إدارية، لا أن تكون منظمة التحرير
— بفعلها التحرّري —
مرجعية سياسية فوق السلطة، فوق الإدارة، وفوق مفهوم “اليوم التالي”.
وعندما نلتفت إلى الكتابات الإسرائيلية والبحثية، يتضح أن “اللجنة الإدارية” ليست فكرة فطرية وُلدت من رحم الحاجة الإنسانية، بل بند حاضر في تصوّرات “اليوم التالي” منذ وقت، بوصفها جسرًا مدنيًا/أمنيًا إلى ترتيب يضمن هدوءًا طويلًا، ويُمهّد — وفق هذا المنطق —
لعودة السلطة بوظيفة محددة لا تُهدّد البنية الاستعمارية.
هذا يعني أن اللجنة ليست محايدة، بل جزء من هندسة سياسية سابقة على إعلان ترامب، وترامب هنا ليس مؤلفًا منفردًا، بل مخرجًا يضع توقيعه على سيناريو متعدد الكتّاب.
وفي الطرف المقابل، لا يتصرّف قادة كيان الاحتلال كمن يبحث عن حلول مؤقتة، بل كمن يبني حاملًا سياسيًا واضحًا ومتماسكًا. مؤتمر عُقد في إسرائيل لم يناقش غزة بوصفها ملفًا إنسانيًا أو عبئًا أمنيًا، بل بوصفها أرضًا يجب أن تعود إليها المستوطنات.
الخطاب كان صريحًا: الاستيطان هو الحل، والضفة الغربية هي المثال الذي يُقدَّم بلا مواربة، لأنها عبر الاستيطان أنهت
— من وجهة نظرهم —
إمكانية قيام دولة فلسطينية. هكذا يعلن الاحتلال مشروعه بلا أقنعة: أرض تُبتلع، ووقائع تُراكم، وزمن طويل لا ينتظر تسوية ولا قرارًا دوليًا.
في المقابل، بينما يوسّع الاحتلال حامله السياسي بالاستيطان والفرض على الأرض،
يجري تفكيك الحامل السياسي الفلسطيني. تُستبدل السياسة بالإدارة، والتحرر بالوظيفة، والتمثيل باللجان، ويتحوّل الانقسام من أزمة طارئة إلى بنية حكم.
وبينما يلتقي قادة الاحتلال حول مشروع واحد، نغرق نحن في إدارة خلافاتنا، ونوسّع شقوق الجغرافيا والتمثيل، ونُسَلِّم ما تبقّى من السياسة لأطر مؤقتة بلا أفق وطني جامع.
أمّا الإقليم، فتعقيداته لا تقل قسوة عن النصوص.
مصر وقطر وتركيا ليست أسماء على الهامش؛ هي مفاتيح وسيطة، وهي أيضًا موضع ضغط، لأن من يُمسك بالوساطة يُمسك ببوابة “الشرعية العملية” أمام العالم.
هناك حديث دولي عن دعم وترحيب بلجنة تكنوقراط انتقالية، وعن مظلّة للسلطة الفلسطينية. في ظاهره حماية لوحدة الجغرافيا، وفي باطنه قابل لأن يتحوّل إلى آلية تمرير: تُثبّت الإدارة، وتؤجّل السياسة، وتُحسّن شروط العيش، وتُبهت شروط التحرّر.
هنا يبرز السؤال الوطني والشخصي في آن:
أين أقف من هذه اللجنة؟
لست ضد أن يأكل الناس، ولا ضد أن يُفتح باب الدواء، ولا ضد أن ينام طفل في خيمة بلا ماء. لكنني ضد أن يُقدَّم ذلك بوصفه السياسة نفسها.
ضد أن يُستبدل حق التحرّر بحقّ المساعدات.
ضد أن تتحوّل غزة إلى ملف تشغيل تحت إشراف مجلس يرأسه ترامب، وتحت شرعية قرار يُستعمل كغطاء، فيما سؤال السيادة والتمثيل والمحاسبة على الإبادة يُدفع إلى الهامش.
حين صدر قرار مجلس الأمن، وطُرحت خطة ترامب، كان ممكنًا
— نظريًا — أن يُؤخذ منها ما يفيد الفلسطيني ويُبنى عليه، وأن تُستعمل كأدوات ضغط لا كأقفاص. لكن الوقائع المتاحة حتى الآن تشير إلى العكس:
تم تمرير ما يخدم تثبيت الخطة في بنيتها الإدارية والأمنية والمالية، بينما تراجع الحضور الفلسطيني بوصفه مرجعية للمعنى.
صار المطلوب إثبات “الأهلية” للإدارة، لا فرض الحق في السياسة. صار معيار الشرعية هو الانضباط داخل المسار، لا تمثيل الشعب داخل مشروع التحرّر.
هنا يصبح “الحامل السياسي” ضرورة لا شعارًا.
لأن اللجنة — مهما تغيّر اسمها —
لا يمكن أن تكون حاملًا سياسيًا.
اللجنة وظيفة، لا رواية وطنية.
اللجنة دفتر حسابات، لا كتاب حق.
اللجنة قد تُنقذ يومًا، لكنها لا تُنقذ معنى، والمعنى إذا سُحب، لن تعيده كل مشاريع الإعمار.
الحامل السياسي هو استعادة منظمة التحرير بوصفها فعل تحرّر ومقاومة وتمثيلًا شرعيًا للشعب الفلسطيني، فوق السلطة لا داخلها، وفوق الإدارة لا تحتها. منظمة تُعيد تعريف المرحلة: لا “اليوم التالي” بوصفه نهاية الصراع، بل بوصفه ساحة جديدة للصراع على الشرعية والمعنى والحقوق.
الخطر ليس في اللجنة كأسماء، بل في اللجنة كمنطق:
منطق تحويل السياسة إلى إدارة،
والتحرّر إلى وظيفة،
والشعب إلى سكان.
والردّ ليس في شتيمة الواقعية، بل في إنقاذ الواقعية من أن تكون اسمًا مستعارًا للاستسلام:
واقعية تُدير الصراع لا نتائج الهزيمة،
وتمنع المؤقت من أن يصبح دائمًا،
وتربط الإغاثة بالحق،
والإعمار بالمحاسبة،
والإدارة بالشرعية التحرّرية، لا بالمظلّة الخارجية.
هذا ليس نصّ رفض فقط، بل تحديد لما لا يجوز أن نصبحه:
مجتمعًا يُدار بدل أن يقرّر،
وعيًا يُعاد تشكيله بدل أن يُنتج،
وقضيةً تُختزل في تحسين شروط الحياة داخل قفصٍ يُمسك مفتاحه الآخرون.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
17/1/2026