الرواية حينما تكتب نفسها

الرواية حينما تكتب نفسها

أحمد رجب شلتوت

تبدو رواية «الرواية قدّس الله سرّها» منذ عتبة العنوان عملاً يشتغل على سؤال السرد من داخله: ما الرواية؟ من يكتبها؟ ولماذا يكتبها؟ وهل يحقّ للجميع الدخول إلى قُدس أقداسها؟

يقدّم الدكتور أبو بكر العيادي، نصًا يضرب بعيدًا في تقاليد الميتاسرد، كوسيلة للكشف عن أزمة عميقة: أزمة الكتابة، أزمة القيمة، أزمة الثقافة، وأزمة الذات نفسها.

البطل "فخر الدين عبد التواب" أستاذ جامعي متقاعد، قارئ نهم، لكنه لا يسمّي نفسه «كاتبًا». فجأة، يجد نفسه محاصرًا بأحلام، وكوابيس، وخيالات، وضغوط عائلية ومجتمعية، كلها تدفعه دفعًا لكتابة رواية، عندئذ يتداخل الواقع بالوهم، الثقافة بالهوس، الدين بالسرد، ويصبح «ترك الرواية» خطيئة كبرى يعاقَب مرتكبها بالسحق الجماعي، هكذا، يقدّم العيادي رواية عن الرواية، دفاعًا عنها، وهجومًا عليها، وسخرية من محيطها، وتحليلًا لبنيتها، وتفكيكًا لطقوس كتابتها، ثم إعادة تركيبها من جديد.

بنية ميتاسردية

أهم ما يميّز النص هو اعتماده الميتاسرد بوصفه هيكلاً بنائيًا، فالرواية تصنع طبقات من الحكي: الراوي/الكاتب الحقيقي، الشخصية الرئيسية التي تريد أن تكتب، الرواية التي تحاول أن تُكتب داخل الرواية، الخطاب الخارجي (النقدي/الثقافي/الاجتماعي) الذي يُعلّق على المشروع الروائي.

هذه الدوائر المتوازية تجعل القارئ دائمًا في موقع الكاتب المراقب، أي أنّه شريك في العملية التخيلية

كلّ حدث في الرواية قابل لأن يُفهم كجزء من الواقع داخل النص، أو كاستعارة عن حال الكتابة، أو كتجسيد لوعي البطل بذاته، أو كجزء من لعبة زئبقية يضعها المؤلف لإرباك المعنى، وكلما تعمقنا في الرواية، نكتشف أنّ «الميتاسرد» يطرح سؤال فلسفي حول أصل الحكاية، هل الرواية فعلٌ إراديّ؟ أم أنّ الكاتب هو الذي يُكتَب؟ هذه الفكرة، تظهر في النص عبر شخصية البطل الذي يريد أن يكتب، لكنه محاصر بنصّ يكتبه هو، كأنّ السرد صار قوة خارقة، لا يملك الإنسان أمامها إلا الخضوع.

بطل لا يريد البطولة

يمزج العيادي في بناء شخصية فخر الدين عبد التواب بين السخرية والجدّ، بين العقل الصارم والعجز الطفولي، هو ليس كاتبًا، ولا يحلم بأن يكون كذلك، وفجأة يجد نفسه متَّهماً بأنه فاشل لأنه لم يكتب رواية، هو أستاذ جامعي، عاش حياته بين الكتب والمراجع، يكره التفاهة والمظاهر، يبتعد عن الضجيج الثقافي في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، ثم فجأة يُلقى به في قلب هذا الضجيج عبر سلسلة من الأوهام، وهو برغم ثقافته الواسعة، يبدو جاهلاً تمامًا بسؤال جوهري: ماذا يريد؟ هنا تعرّيه الرواية، وتكشف هشاشته، فهو لا تكتب لأنه خائف، ولأنه ليس واثقًا من نفسه.

تأتيه الكوابيس على شكل طيف يزوره ليلاً (جدّه المتوفّى) يجثم على صدره ويذكّره بفشله، ويتحوّل الطيف من صوت عتاب إلى سلطة إلهية، ثم إلى جهاز مراقبة ثقافي، ثم إلى ممثل للمجتمع كلّه، هنا يأتي المؤلف بالكوابيس كتقنية لإظهار عُقدة الذنب لدى المثقف العربي، قرون الاستشعار المرهفة تجاه نظرة المجتمع للنجاح، الهوس بالرواية كعلامة على القيمة، وفي الكابوس الأكبر، يخطب الإمام في الجامع عن ترك الرواية، والشوارع تمتلئ بالروائيين، الباعة الجائلون يبيعون روايات نجيب محفوظ بدلا من اللؤلؤ والمرجان، والناس يهتفون ضد تارك الرواية.

وهم جماعي

المكان المركزي في الرواية هو مقهى باريس، حيث تجتمع نخبة من الأكاديميين المتقاعدين، عالم اجتماع، مؤرخ، لسانّي، مسرحي، هذه الجماعة مختارة بدقة حتى تصبح مرآة للبطل وللكاتب معًا، والمقهى هنا استعادة رمزية لجلسات المثقفين في عواصم الشتات، وهو المكان الذي يكشف الوهم الأكبر

كلّهم يكتبون أو يريدون الكتابة، وكلّهم يعتقدون أنهم في طريقهم إلى رواية عظيمة، لكن لا أحد منهم يكتب فعلاً.

ولا تكتفي الرواية بفضح وهم الكتابة، بل تكشف أيضًا انهيار المكانة التقليدية للمثقف الأكاديمي،

وسطوة الإعلام، واختلاط القيمة بالاستعراض، وفي واحدة من أكثر الوقائع سخريةً ومرارة، يتخيّل البطل رُتَبًا عسكرية للروائيين، هكذا يعرّي النص ألعاب الثقافة الجديدة، حيث تتحول وسائل التواصل إلى مصنع ألقاب، ويتحوّل الإيهام بالموهبة إلى صناعة قائمة بذاتها، وتسود التفاهةـ.

وحين يسعى فخر الدين أخيرًا إلى كتابة روايته، تختار الرواية مسارًا آخر، تذهب به إلى محرّرَيْن أدبِيَّيْن



الأوّل تقليدي، مرتبك، سطحيّ، والثاني مُنظِّر، واثق، صارم، لكنه يعترف بأنه كاتب فاشل

هنا يطرح النص سؤالاً عمن يصنع القيمة في الأدب؟ الكاتب؟ الناقد؟ السوق؟ أم الوهم الجماعي؟

يلجأ فخر الدين إلى المشرفين على ورش الكتابة، فيجهض حلمه لأن تلك الورشات لا تريد كاتبًا فوق الخمسين، بل مشروع نجم، مراهقًا، قابلاً للتسويق، المحرّر الثاني، جميل مزهود، يصارحه بالحقيقة المرعبة، "أنا أعرف قواعد الرواية لكني بلا موهبة. لذلك لم أكتب"، هذه الجملة المفتاحية تختصر ثيمة مركزية، فالرواية ليست صناعة، وليست تعليمًا، بل هي موهبة، وهذا ما يُرعب فخر الدين، فهل يعترف بأنه قد يكون بلا موهبة؟ أم يهرب؟ في هذه اللحظة، تتحوّل الرواية إلى سيرة نفسية لكاتب لم يولد بعد.

السرد واللغة

الرواية مكتوبة بلغةٍ أنيقة، جمل طويلة، محكمة، متوازنة، وصف دقيق للأمكنة، خاصة تونس القديمة،

قدرة على مزج السخرية بالفلسفة، اقتصاد لغوي حيث يجب، وإطناب محسوب حيث يليق، ولا وصف مجاني، ولا ثرثرة؛ كل شيء موشوم بغاية، المفارقة أنّ هذه الحِرَفية اللغوية هي نفسها ما يربك البطل.

فالكاتب داخل النص (فخر الدين) عاجز عن صياغة جملة واحدة، فيما المؤلف الحقيقي يقيم أمامه درسًا في الصنعة، هذا التناقض جزء من لعبة الميتاسرد، فالعجز جزء من الفعل الروائي، والكتابة تتحقق بقدر ما يتعثر البطل في الوصول إليها.

وفي نهاية القراءة، ندرك أن «الرواية» في هذا النص ليست مشروع فخر الدين، بل مشروع الرواية نفسها، إنها نصّ يريد أن يقول إنّ الكتابة ليست ملكًا لأحد، وإنّ الموهبة ليست هبة مقدسة،

وإنّ المجتمع يمارس عنفًا على الكاتب كما يمارس الكاتب عنفًا على نفسه، وإنّ الرواية، مثل الحياة، تكتب نفسها بقدر ما نكتبها، وليس المهم أن تكتب رواية، بل أن تحيا السؤال الذي يسبق الرواية.

أما «قداسة السر»، فسرّها أنها لا تمنح نفسها إلا لمن لا يسعى إليها بوصفها لقبًا، أو رتبة، أو وسامًا، بل لمن يذهب إليها خائفًا، صادقًا، هشًا، بلا موضة ولا مراوغة،

بهذا المعنى، تعلن «الرواية قدّس الله سرّها» أن الرواية ليست ترفًا، بل هي امتحان وجود.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...