أسعد سليم - زيارة جديدة لحرب أكتوبر 1973 (2) خطة تطوير الهجوم

2- خطة تطوير الهجوم


كان عبور قناة السويس في حرب أكتوبر 1973 عملية عسكرية نفذت ببراعة مذهلة، حققت كل أهدافها الاستراتيجية والتكتيكية بنجاح كامل. انتقلت القوات المصرية إلى الضفة الشرقية بقوة هائلة: نحو 100 ألف ضابط وجندي، وأكثر من 1200 دبابة، إلى جانب المدرعات والأسلحة الثقيلة الأخرى، وكل ذلك بخسائر زهيدة جدًا بالنسبة لحجم المعركة. تمركزت قواتنا في عمق يتراوح بين 12 و15 كيلومترًا شرق القناة، واتخذت مواقع دفاعية قوية، نجحت في صد الهجمات المضادة الإسرائيلية بكفاءة مذهلة.

كان هذا الإنجاز هو جوهر خطة "المآذن العالية" التي وضعها الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة آنذاك. لكن لفهم قصة تطوير الهجوم، يجب أن نعود قليلاً إلى الوراء.

في أبريل 1973، طلب المشير أحمد إسماعيل علي، وزير الحربية، من الفريق الشاذلي تعديل الخطة لتشمل التقدم حتى مضايق سيناء (حوالي 50 كيلومترًا شرق القناة). اعترض الشاذلي بشدة، موضحًا أن مظلة الدفاع الجوي المصري لا تتجاوز 15 كيلومترًا شرق القناة، وأن أي تقدم أبعد من ذلك سيعرض القوات لتدمير مباشر من سلاح الجو الإسرائيلي المتفوق. لكن المشير أحمد إسماعيل أصر على إدراج هذا الهدف، ليس لأسباب عسكرية بحتة، بل سياسية: كان يريد إقناع سوريا بالانضمام إلى الحرب إلى جانب مصر. فالسوريون لن يقتنعوا بالتنسيق إلا إذا شعروا أن مصر جادة في مواصلة الهجوم حتى المضايق، وليس التوقف عند خط الـ15 كيلومترًا. وطلب إضافتها بشكل رمزي فقط لأغراض الإقناع.

هكذا تحولت الخطة من "المآذن العالية" إلى "بدر"، وأُدرجت فيها عبارة مرنة تقول إن تطوير الهجوم سيتم بعد "وقفة تعبوية".

لكن ما معنى "الوقفة التعبوية"؟ كانت عبارة مفتوحة لتفسيرات عديدة. بالنسبة للشاذلي، قد تمتد أيامًا أو أسابيع أو حتى أشهر، حسب تطورات الموقف العسكرى وتوافر الإمكانيات. أما المشير محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة العمليات، فرآها توقفًا قصيرًا لساعات فقط لإعادة تنظيم القوات ثم مواصلة الهجوم فورًا. وبالنسبة للمشير أحمد إسماعيل، كانت مجرد ورقة سياسية لإقناع السوريين.

في الواقع، لم يحدث أي شيء يتعلق بتطوير الهجوم منذ لحظة العبور يوم 6 أكتوبر وحتى 14 أكتوبر. هذا التأخير أقلق الجمسي كثيرًا، إذ كان يرى أن الفرصة سانحة للتقدم نحو المضايق ابتداءً من 8 أكتوبر، مستغلاً ارتباك القوات الإسرائيلية بعد الصدمة الأولى. نفس الرأي شاركه الجانب السوفييتي؛ فقد أعرب السفير السوفييتي في القاهرة، فلاديمير فينوجرادوف، عن دهشته للأستاذ محمد حسنين هيكل ثم للرئيس السادات مباشرة، متعجبًا من توقف مصر عند خط الـ15 كيلومترًا دون استكمال الهجوم.

في تلك الأثناء، ركزت إسرائيل جهودها على الجبهة السورية، وحققت مكاسب كبيرة، واستعادت مرتفعات الجولان التي سيطر عليها السوريون في البداية. هنا بدأ الرئيس حافظ الأسد يضغط بشدة على الرئيس السادات لتنفيذ الجزء المصري من الخطة المشتركة، حتى يُخفف الضغط عن الجبهة السورية.

في مساء 11 أكتوبر، فاتح المشير أحمد إسماعيل الفريق الشاذلي في ضرورة البدء بتطوير الهجوم. رفض الشاذلي رفضًا باتًا، مؤكدًا عدم توافر الإمكانيات. في اليوم التالي، 12 أكتوبر، أبلغه إسماعيل أن قرارًا سياسيًا صدر من الرئيس السادات بتنفيذ الخطة صباح 13 أكتوبر، ولا خيار سوى الامتثال للأوامر.

عندما علم قائدا الجيشين الميدانيين – اللواء سعد مأمون (الجيش الثاني) واللواء عبد المنعم واصل (الجيش الثالث) – اعترضا بشدة، فاستُدعيا إلى مركز القيادة العامة (مركز 10) مساء 12 أكتوبر. في الاجتماع مع إسماعيل والشاذلي والجمسي، شرحا أن القوات المتقدمة ستفتقر إلى غطاء جوي، وستُباد بسهولة من الطيران الإسرائيلي. لكن الأوامر السياسية كانت حاسمة، والمشير أحمد إسماعيل – المعروف بطاعته المطلقة للسادات – لم يناقشها. تم الاتفاق فقط على تأجيل التنفيذ إلى صباح 14 أكتوبر لإتاحة وقت للإعداد.

لا تزال الآراء العسكرية متضاربة حول هذا القرار. فريق يرى أن التأخير المطول أعطى إسرائيل فرصة ذهبية لإعادة تجميع قواتها، والاستعداد لصد أي هجوم مصري، كما سمح لأمريكا بفتح جسر جوي ضخم لتعويض الخسائر الإسرائيلية، مما كان له أكبر الأثر في مسار الصراع لاحقًا. فريق آخر يعتقد أن التطوير نفسه كان غير ضروري وغير مجدٍ أصلاً، بسبب قصر مدى الدفاع الجوي، وبأنه لن يُخفف فعليًا الضغط عن سوريا، خاصة بعد أن استدعت إسرائيل احتياطيها الكامل وأصبحت قادرة على مواجهة الجبهتين معًا. هذا الفريق كان يفضل إطالة أمد الحرب داخل المظلة الدفاعية لتكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة، وهو ما لا تتحمله إسرائيل على المدى الطويل.

لتنفيذ التطوير، كان الجيش الثاني (من بورسعيد شمالًا إلى الإسماعيلية جنوبًا) يحمي مؤخرته بفرقة مدرعة في الغرب هي الفرقة 21، بينما تحمي الفرقة المدرعة 4 مؤخرة الجيش الثالث (من جنوب الإسماعيلية إلى السويس). لكن لأغراض خطة تطوير الهجوم، دُفعت الفرقتان إلى الشرق، مما ترك المؤخرة مكشوفة في حال عبور إسرائيلي محتمل إلى الغرب.

اعترض الشاذلي بقوة على سحب الفرقتين، محذرًا من أن أي اختراق إسرائيلي للقناة سيفتح الطريق مباشرة إلى القاهرة دون مقاومة تذكر. لكن اعتراضه لم يُؤخذ بعين الاعتبار، وتم الزج بالفرقتين في الشرق.

اعتمدت خطة التطوير على دفع أربعة ألوية مدرعة ولواء مشاة ميكانيكي: لواء مدرع شمالًا نحو بالوظة، لواءان في الوسط نحو الطاسة، ولواء مدرع ولواء مشاة ميكانيكي جنوبًا نحو ممري متلا والجدي. في ذلك الوقت، كانت إسرائيل تملك نحو 900 دبابة، بينما واجهتها مصر بـ400 دبابة فقط.

كانت النتيجة كارثية. في يوم 14 أكتوبر 1973، وخلال ساعات قليلة، خسرت مصر حوالي 250 دبابة – أكثر مما خسرته طوال الأيام الثمانية السابقة مجتمعة.

بعد تأكد حجم الخسائر، انسحبت القوات المصرية وعادت إلى مواقعها الأولى ضمن الـ15 كيلومترًا شرق القناة ظهر نفس اليوم 14 أكتوبر. لكن الفرقتين المدرعتين 21 و4 لم تعودا إلى مواقعهما الأصلية غرب القناة لحماية المؤخرات، وبقيتا في الشرق. وكان لهذا القرار أثر حاسم في نشوء ثغرة الدفرسوار وتوسعها لاحقًا – وتلك قصة أخرى تستحق أن تُروى بالتفصيل في مقال آخر.



أ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...