لم تعد القضية الفلسطينية مهددة فقط بالاختزال في توصيفات من قبيل “نزاع سياسي” أو “صراع أمني”، بل بات الخطر الأكبر هو إعادة إدراجها خارج سياقها البنيوي والتاريخي، بوصفها حدثًا استثنائيًا أو انفجارًا معزولًا للعنف. غير أن ما يجري اليوم، خصوصًا في غزة، لا يمكن فهمه إلا باعتباره ذروة مسار تاريخي طويل، تتقاطع فيه بنية الاستعمار الاستيطاني، وانهيار المشروع الوطني الفلسطيني، وانحياز النظام الدولي، مع تحولات عميقة في الخطاب العالمي حول العدالة والإنسانية.
أولًا: التسمية بوصفها فعلًا سياسيًا
ما يجري في فلسطين ليس “حربًا” بالمعنى الكلاسيكي، ولا “اشتباكًا” بين طرفين متكافئين، بل ممارسة عنف بنيوي من طرف يمتلك السيادة الكاملة، ضد شعب واقع تحت الاستعمار. هذا النمط ليس جديدًا في التاريخ؛ فقد استخدمت القوى الاستعمارية اللغة نفسها لتبرير أفعالها. في الجزائر، لم تكن فرنسا تخوض حرب إبادة، بل “عملية أمنية”. وفي كينيا خلال خمسينيات القرن الماضي، جرى توصيف قمع ثورة الماو ماو باعتباره “إعادة للنظام”.
اللغة هنا ليست أداة وصف، بل أداة سيطرة، تُحدِّد ما يمكن قوله، وما يجب إنكاره، وما يُسمح بتطبيعه.
بهذا المعنى، فإن الإبادة الجارية اليوم ليست انحرافًا طارئًا، بل التعبير الأقصى عن منطق استعماري يرى في السكان الأصليين عائقًا ديمغرافيًا وأخلاقيًا ينبغي كسره أو إزالته.
ثانيًا: المسار التاريخي – من النكبة إلى الإبادة
لفهم اللحظة الراهنة، لا بد من النظر إلى المسار لا إلى الحدث. النكبة عام 1948 لم تكن فقط تهجيرًا جماعيًا، بل تأسيسًا لمنطق: اقتلاع شعب وإحلال آخر. بعد 1967، تحوّل الاحتلال إلى نظام إدارة دائمة. ومع اتفاق أوسلو، لم يُنهَ الاحتلال، بل أُعيد تنظيمه عبر سلطة بلا سيادة، تتولى إدارة السكان بينما يحتفظ المستعمر بالتحكم بالأرض والحدود والموارد.
هذا النمط ليس استثناءً فلسطينيًا. في جنوب إفريقيا، أُنشئت “البانتوستانات” لتكريس إدارة ذاتية شكلية للسود دون أي سيادة حقيقية، بهدف تخفيف كلفة الحكم العنصري المباشر. وفي فلسطين، أدت البنية نفسها إلى تفكيك المشروع الوطني وتحويل الصراع من قضية تحرر إلى ملف تفاوضي–إداري.
الإبادة الحالية ليست قطيعة مع هذا المسار، بل نتيجته المنطقية حين تفشل أدوات الإدارة في ضبط المجتمع.
ثالثًا: ميزان القوة والواقع غير الأخلاقي
رغم انكشاف الجرائم على نطاق عالمي غير مسبوق، يبقى ميزان القوة مختلًا بصورة فادحة. التاريخ يُظهر أن انكشاف الجريمة لا يؤدي بالضرورة إلى وقفها. إبادة السكان الأصليين في الأميركيتين جرت على مرأى من العالم الناشئ آنذاك، ولم يمنعها وعي أخلاقي متأخر. كثير من الجرائم الكبرى اكتملت قبل أن تُدان، وبعضها استمر رغم الإدانة.
هذا لا يعني أن الأخلاق بلا قيمة، بل يعني أن التاريخ لا يعمل وفق منطق العدالة وحده. تجاهل هذه الحقيقة يحوّل التحليل السياسي إلى وعظ، ويُنتج أملًا غير مسنود بقراءة واقعية لموازين القوة.
رابعًا: من الإبادة إلى الوصاية – انتقال أدوات السيطرة
في هذا السياق، لا يمكن فصل المستجدات السياسية الأخيرة عن هذا المسار البنيوي. فالحديث عن لجان سلام دولية، وهيئات لإدارة مرحلة “ما بعد الحرب”، ومقترحات إدارة تكنوقراطية لغزة، بل واستدعاء صيغ الوصاية والمندوب السامي، لا تمثل انعطافة إنسانية بقدر ما تمثل انتقالًا مدروسًا في أدوات السيطرة.
حين يفشل العنف العسكري في كسر إرادة شعب، يُستبدل بالعنف السياسي–الإداري، لا بمنطق التحرر.
اليوم، يُعاد إنتاج المنطق ذاته في فلسطين: فصل الإدارة اليومية عن القرار السياسي، وتحويل الحكم إلى شأن تقني “محايد”، بينما تبقى السيطرة الفعلية على الأرض والحدود والموارد خارج أي تفويض وطني.
خامسًا: التكنوقراط والوصاية كنموذج سياسي
لا تكمن خطورة الطروحات التكنوقراطية لإدارة غزة في الأشخاص أو الكفاءات، بل في النموذج السياسي الذي تمثّله. فالتكنوقراط ليست حيادًا، بل صيغة حكم تفترض أن المشكلة ليست سياسية في جوهرها، بل تقنية يمكن حلّها عبر إدارة “فعّالة”.
هذا المنطق، الذي يفصل بين الحياة اليومية والقرار السيادي، هو أحد أعمدة الحكم الاستعماري الحديث.
الوصاية، في هذا السياق، ليست إجراءً استثنائيًا بل امتدادًا منطقيًا للتكنوقراط. فهي تفترض أن الشعب غير مؤهل لإدارة شؤونه السياسية، وأن الحل يكمن في إشراف خارجي “مؤقت” سرعان ما يتحول إلى بنية دائمة.
بهذا المعنى، لا تمثل التكنوقراط حلًا بعد الإبادة، بل آلية لاستكمال نتائجها سياسيًا: القبول بالإدارة بدل التحرر، وبالوصاية بدل السيادة، وبالعيش المُدار بدل الحق في تقرير المصير.
سادسًا: البعد الأخلاقي – لماذا ما يجري غير قابل للتطبيع
ما يحدث اليوم يتجاوز حدود “العنف المفرط” إلى نزع إنسانية منهجي: تجويع جماعي، تدمير منظومات صحية، قتل الصحفيين، وتبرير ذلك بلغة تقنية باردة.
الخطورة ليست فقط في القتل، بل في تطبيع فكرة أن بعض البشر قابلون للإبادة. من هذه الزاوية، تصبح فلسطين اختبارًا أخلاقيًا عالميًا، لا لأنها القضية الوحيدة العادلة، بل لأنها تكشف حدود النظام الدولي حين تتعارض المصالح مع الإنسانية.
لكن هذه الحقيقة الأخلاقية، ما لم تتحول إلى قوة سياسية منظمة، تبقى عرضة للاستثمار الخطابي لا للتغيير الفعلي.
سابعًا: البعد الذاتي الفلسطيني – السؤال المؤجَّل
لا يمكن الاكتفاء بإدانة الخارج. فالحالة الفلسطينية تعاني أزمة داخلية عميقة: غياب تمثيل وطني جامع، تآكل الشرعية، انقسام القرار، وتحول الفلسطيني في كثير من الأحيان إلى موضوع تضامن لا فاعل سياسي.
العدالة وحدها لا تكفي؛ التاريخ يُظهر أن القضايا العادلة تحتاج حاملًا سياسيًا قادرًا على تحويل الأخلاق إلى ضغط، والغضب إلى تنظيم، والتعاطف إلى مسار.
المعضلة هنا ليست من يدير غزة، بل غياب حامل فلسطيني جامع يعيد وصل السياسة بالتحرر، لا بالخدمة، ولا بالإدارة، ولا بالوصاية مهما تلونت أسماؤها.
لحظة مفتوحة لا وعدًا جاهزًا
تقف فلسطين اليوم عند تقاطع خطير: إبادة مادية، وانكشاف أخلاقي للنظام العالمي، وفرصة خطابية غير مسبوقة، يقابلها فراغ سياسي فلسطيني واحتمالات تاريخية غير مضمونة.
لا التاريخ عادل بطبيعته، ولا الشر يسقط تلقائيًا، ولا التعاطف يتحول وحده إلى تغيير.
ما يمكن قوله بقدر من الصدق هو أن هذه اللحظة تفرض سؤالًا مفتوحًا:
هل يستطيع الفلسطينيون، ومعهم القوى المتضامنة عالميًا، تحويل الحقيقة الأخلاقية إلى قوة سياسية، والذاكرة إلى مشروع، والغضب إلى تنظيم؟
الأخطر في هذه اللحظة ليس أن نخسر، بل أن نُدار بعد الخسارة بوصفها قدرًا.
الجواب لا يُمنَح من التاريخ، بل يُنتَج بالفعل.
بقلم : خالد صالح عطية
٢١-٠١-٢٠٢٦
أولًا: التسمية بوصفها فعلًا سياسيًا
ما يجري في فلسطين ليس “حربًا” بالمعنى الكلاسيكي، ولا “اشتباكًا” بين طرفين متكافئين، بل ممارسة عنف بنيوي من طرف يمتلك السيادة الكاملة، ضد شعب واقع تحت الاستعمار. هذا النمط ليس جديدًا في التاريخ؛ فقد استخدمت القوى الاستعمارية اللغة نفسها لتبرير أفعالها. في الجزائر، لم تكن فرنسا تخوض حرب إبادة، بل “عملية أمنية”. وفي كينيا خلال خمسينيات القرن الماضي، جرى توصيف قمع ثورة الماو ماو باعتباره “إعادة للنظام”.
اللغة هنا ليست أداة وصف، بل أداة سيطرة، تُحدِّد ما يمكن قوله، وما يجب إنكاره، وما يُسمح بتطبيعه.
بهذا المعنى، فإن الإبادة الجارية اليوم ليست انحرافًا طارئًا، بل التعبير الأقصى عن منطق استعماري يرى في السكان الأصليين عائقًا ديمغرافيًا وأخلاقيًا ينبغي كسره أو إزالته.
ثانيًا: المسار التاريخي – من النكبة إلى الإبادة
لفهم اللحظة الراهنة، لا بد من النظر إلى المسار لا إلى الحدث. النكبة عام 1948 لم تكن فقط تهجيرًا جماعيًا، بل تأسيسًا لمنطق: اقتلاع شعب وإحلال آخر. بعد 1967، تحوّل الاحتلال إلى نظام إدارة دائمة. ومع اتفاق أوسلو، لم يُنهَ الاحتلال، بل أُعيد تنظيمه عبر سلطة بلا سيادة، تتولى إدارة السكان بينما يحتفظ المستعمر بالتحكم بالأرض والحدود والموارد.
هذا النمط ليس استثناءً فلسطينيًا. في جنوب إفريقيا، أُنشئت “البانتوستانات” لتكريس إدارة ذاتية شكلية للسود دون أي سيادة حقيقية، بهدف تخفيف كلفة الحكم العنصري المباشر. وفي فلسطين، أدت البنية نفسها إلى تفكيك المشروع الوطني وتحويل الصراع من قضية تحرر إلى ملف تفاوضي–إداري.
الإبادة الحالية ليست قطيعة مع هذا المسار، بل نتيجته المنطقية حين تفشل أدوات الإدارة في ضبط المجتمع.
ثالثًا: ميزان القوة والواقع غير الأخلاقي
رغم انكشاف الجرائم على نطاق عالمي غير مسبوق، يبقى ميزان القوة مختلًا بصورة فادحة. التاريخ يُظهر أن انكشاف الجريمة لا يؤدي بالضرورة إلى وقفها. إبادة السكان الأصليين في الأميركيتين جرت على مرأى من العالم الناشئ آنذاك، ولم يمنعها وعي أخلاقي متأخر. كثير من الجرائم الكبرى اكتملت قبل أن تُدان، وبعضها استمر رغم الإدانة.
هذا لا يعني أن الأخلاق بلا قيمة، بل يعني أن التاريخ لا يعمل وفق منطق العدالة وحده. تجاهل هذه الحقيقة يحوّل التحليل السياسي إلى وعظ، ويُنتج أملًا غير مسنود بقراءة واقعية لموازين القوة.
رابعًا: من الإبادة إلى الوصاية – انتقال أدوات السيطرة
في هذا السياق، لا يمكن فصل المستجدات السياسية الأخيرة عن هذا المسار البنيوي. فالحديث عن لجان سلام دولية، وهيئات لإدارة مرحلة “ما بعد الحرب”، ومقترحات إدارة تكنوقراطية لغزة، بل واستدعاء صيغ الوصاية والمندوب السامي، لا تمثل انعطافة إنسانية بقدر ما تمثل انتقالًا مدروسًا في أدوات السيطرة.
حين يفشل العنف العسكري في كسر إرادة شعب، يُستبدل بالعنف السياسي–الإداري، لا بمنطق التحرر.
اليوم، يُعاد إنتاج المنطق ذاته في فلسطين: فصل الإدارة اليومية عن القرار السياسي، وتحويل الحكم إلى شأن تقني “محايد”، بينما تبقى السيطرة الفعلية على الأرض والحدود والموارد خارج أي تفويض وطني.
خامسًا: التكنوقراط والوصاية كنموذج سياسي
لا تكمن خطورة الطروحات التكنوقراطية لإدارة غزة في الأشخاص أو الكفاءات، بل في النموذج السياسي الذي تمثّله. فالتكنوقراط ليست حيادًا، بل صيغة حكم تفترض أن المشكلة ليست سياسية في جوهرها، بل تقنية يمكن حلّها عبر إدارة “فعّالة”.
هذا المنطق، الذي يفصل بين الحياة اليومية والقرار السيادي، هو أحد أعمدة الحكم الاستعماري الحديث.
الوصاية، في هذا السياق، ليست إجراءً استثنائيًا بل امتدادًا منطقيًا للتكنوقراط. فهي تفترض أن الشعب غير مؤهل لإدارة شؤونه السياسية، وأن الحل يكمن في إشراف خارجي “مؤقت” سرعان ما يتحول إلى بنية دائمة.
بهذا المعنى، لا تمثل التكنوقراط حلًا بعد الإبادة، بل آلية لاستكمال نتائجها سياسيًا: القبول بالإدارة بدل التحرر، وبالوصاية بدل السيادة، وبالعيش المُدار بدل الحق في تقرير المصير.
سادسًا: البعد الأخلاقي – لماذا ما يجري غير قابل للتطبيع
ما يحدث اليوم يتجاوز حدود “العنف المفرط” إلى نزع إنسانية منهجي: تجويع جماعي، تدمير منظومات صحية، قتل الصحفيين، وتبرير ذلك بلغة تقنية باردة.
الخطورة ليست فقط في القتل، بل في تطبيع فكرة أن بعض البشر قابلون للإبادة. من هذه الزاوية، تصبح فلسطين اختبارًا أخلاقيًا عالميًا، لا لأنها القضية الوحيدة العادلة، بل لأنها تكشف حدود النظام الدولي حين تتعارض المصالح مع الإنسانية.
لكن هذه الحقيقة الأخلاقية، ما لم تتحول إلى قوة سياسية منظمة، تبقى عرضة للاستثمار الخطابي لا للتغيير الفعلي.
سابعًا: البعد الذاتي الفلسطيني – السؤال المؤجَّل
لا يمكن الاكتفاء بإدانة الخارج. فالحالة الفلسطينية تعاني أزمة داخلية عميقة: غياب تمثيل وطني جامع، تآكل الشرعية، انقسام القرار، وتحول الفلسطيني في كثير من الأحيان إلى موضوع تضامن لا فاعل سياسي.
العدالة وحدها لا تكفي؛ التاريخ يُظهر أن القضايا العادلة تحتاج حاملًا سياسيًا قادرًا على تحويل الأخلاق إلى ضغط، والغضب إلى تنظيم، والتعاطف إلى مسار.
المعضلة هنا ليست من يدير غزة، بل غياب حامل فلسطيني جامع يعيد وصل السياسة بالتحرر، لا بالخدمة، ولا بالإدارة، ولا بالوصاية مهما تلونت أسماؤها.
لحظة مفتوحة لا وعدًا جاهزًا
تقف فلسطين اليوم عند تقاطع خطير: إبادة مادية، وانكشاف أخلاقي للنظام العالمي، وفرصة خطابية غير مسبوقة، يقابلها فراغ سياسي فلسطيني واحتمالات تاريخية غير مضمونة.
لا التاريخ عادل بطبيعته، ولا الشر يسقط تلقائيًا، ولا التعاطف يتحول وحده إلى تغيير.
ما يمكن قوله بقدر من الصدق هو أن هذه اللحظة تفرض سؤالًا مفتوحًا:
هل يستطيع الفلسطينيون، ومعهم القوى المتضامنة عالميًا، تحويل الحقيقة الأخلاقية إلى قوة سياسية، والذاكرة إلى مشروع، والغضب إلى تنظيم؟
الأخطر في هذه اللحظة ليس أن نخسر، بل أن نُدار بعد الخسارة بوصفها قدرًا.
الجواب لا يُمنَح من التاريخ، بل يُنتَج بالفعل.
بقلم : خالد صالح عطية
٢١-٠١-٢٠٢٦