يحيى بركات - من القمقم إلى الإمارة: حين تُدار القضية بدل أن تُحرَّر

لم يحدث الأمر فجأة.
لم يكن انفجارًا في الشارع،
ولا بيانًا صاخبًا،
ولا لحظة غضب عابرة.
كان أشبه بحركة بطيئة في فيلم طويل…
لقطة تتسع فيها الدائرة،
بينما الصوت يخرج همسًا.



أناس بدأوا يسألون.
ثم آخرون بدأوا يشيرون.
ثم من تجرأوا أخيرًا على وضع النقاط على الحروف،
دون استعجال،
ودون ادّعاء بطولة.
لم يكن السؤال: من أخطأ؟
بل: كيف وصلنا إلى هنا؟
ومن يملك القرار؟
وأين غاب الشعب بينما تُدار قضيته باسمه؟
ما يحدث اليوم لا يشبه صحوة متأخرة،
بل يشبه وعيًا كان حاضرًا دائمًا،
مكبوتًا،
مؤجَّلًا،
محاصرًا داخل قمقم سياسي محكم الإغلاق،
صيغ باسم “الواقعية”،
ورُوّج له باسم “الاستقرار”.



شعبنا لم يكن غافلًا.
كان يرى،
ويحسب،
ويقارن،
لكن المسافة بين الرؤية والفعل كانت تُدار بعناية:
سلطة تُمسك بالإيقاع،
وتفتح نافذة صغيرة للتنفس،
ثم تغلق الباب
حين يقترب السؤال من الجوهر.
اليوم، لا ينكسر القمقم دفعة واحدة.
يتصدّع.
تخرج منه الأسئلة أولًا،
ثم الشكوك،
ثم ذلك الصوت الهادئ
الذي لا يطلب إذنًا
ولا يرفع شعارًا:
هذا ليس ما نريده…
وهذا ليس ما ناضلنا من أجله.
في هذه اللحظة بالذات،
لا يتقدم الوعي على شكل هتاف،
بل على شكل فهم.
فهمٌ بأن المشكلة لم تكن في غياب الشعب،
بل في تغييب دوره،
وليس في ضعف الوعي،
بل في حصره داخل إدارة
لا تسمح له بأن يصبح سياسة.
وهكذا يبدأ المشهد الحقيقي:
شعب مستوى وعيه أعلى مما يُراد له،
وقضية تُدار وكأن أصحابها خارج الكادر،
وسلطة تخشى السؤال
أكثر مما تخشى الخصم.
من هنا يبدأ الفيلم…
لا من خطاب ترامب،
ولا من مجلس السلام،
بل من هذه اللحظة الصامتة
التي يقرر فيها الناس
أن القمقم لم يعد يتسع للمعنى.
لكن بينما كانت الأسئلة تتسلّل
من تحت باب القمقم في الداخل،
كانت “النسخة الأخرى” من الحكاية
تُكتب في الخارج
على شاشاتٍ عملاقة.
لغة جديدة تُقدَّم باعتبارها حلًّا:
ليست لغة التحرّر،
بل لغة الإدارة.
ليست لغة الحقوق،
بل لغة “الملفات”.
ليست لغة الشعب،
بل لغة الأرقام والخرائط واللجان.
في دافوس،
حيث يلتقي أصحاب النفوذ والمال والسياسة،
لا تُقدَّم المآسي كما هي،
بل تُعاد صياغتها
كي تصبح قابلة للتسويق.
“إعادة إعمار”…
“استقرار”…
“ممرات”…
“مناطق اقتصادية”…
“مجالس إدارة”…
“شراكات”…
مصطلحات تلمع،
وأوراق مرتبة،
ووعود تُقدَّم
كما تُقدَّم خطط الاستثمار.
ومع هذا اللمعان،
يحدث التبديل الأخطر:
يتحوّل سؤال
كيف ننهي الاحتلال؟
إلى سؤال
كيف ندير ما بعد الحرب؟
ويصبح معيار النجاح
ليس استعادة الحق،
بل “استقرار الإدارة”.
إعادة إعمار تتحدث عن الماء والكهرباء والميناء والطرق،
لكنها لا تقول بوضوح:
من يملك الأرض؟
ومن يملك القرار؟
ومن يملك حق الموافقة
على شكل الحياة الجديدة؟
السياسة تُسحب من يد الفلسطيني،
وتُعاد إليه كتعليمات:
افعل كذا…
تُكافأ.
تنازل…
تُمنَح “فرصة”.
ليست صيغة سيادة،
بل صيغة امتثال.
وفي الخلفية،
يعود شبح قديم بصوت جديد:
التهجير.
تهجير بلا شاحنات عسكرية في الصورة،
بل بخطاب إنساني ناعم،
يجعل الجريمة
تبدو كخدمة.
وما دام هذا المنطق
قابلًا للتجريب في غزة،
فهو قابل للتكرار.
الضفة الغربية
لا تُدمَّر بالقصف كما غزة،
بل تُدمَّر بفعل بطيء:
الاستيطان اليومي
الذي يبتلع الأرض قطعةً قطعة.
وحين يُقال إن غزة “نموذج”،
يتسع الكادر:
إدارة لغزة،
ثم إدارة للضفة،
تحت العنوان نفسه:
تنمية، استقرار، إعمار.
لكن في العمق:
تنمية بلا سيادة…
إعمار بلا أرض…
إدارة بلا قرار.
والأخطر أن هذا النموذج
لا يحتاج إلى إسقاط السلطة الفلسطينية.
يمكن أن تبقى السلطة
كجهاز خدمات:
رواتب، معاملات، تفاصيل يومية.
لكن ما يجب أن يُسحب بهدوء
هو ما يُقلق المشروع فعلًا:
التمثيل.
الحامل السياسي.
الشرعية.
منظمة التحرير موجودة…
لكن بالاسم.
وهذا أخطر أشكال الغياب.
الاسم الذي لا يتحول إلى قرار،
ولا يستند إلى مؤسسات حيّة،
ولا يُجدّد شرعيته من الشعب،
يصبح واجهة صامتة
يسهل الالتفاف عليها.
المجلس الوطني لم يُنتخب،
المجلس المركزي مُعيَّن،
اللجنة التنفيذية تُشكَّل داخل دائرة مغلقة.
وهكذا تصبح “اللاشرعية”
توصيفًا سياسيًا باردًا،
لا شتيمة ولا انفعالًا.
وعندما يُطرح السؤال لاحقًا:
مع من نتعامل؟
ومن يمثل الشعب فعلًا؟
يكون الفراغ جاهزًا للاستخدام.
ليست المشكلة في لجنة هنا أو إدارة هناك،
بل في أن يتحول هذا كله إلى قدر.
وفي أن يُطلب من الناس
التكيّف مع وطن يُدار
بدل أن يُحرَّر.
لا تُنتج الشرعية
من يرفع الراية فوق المبنى،
ولا من يدير الإمارة باسم هذا التنظيم أو ذاك.
الإمارات لا تصبح أوطانًا
لأن فصيلًا يديرها،
ولا تكتسب معنى
لأن لجنة تُسيّر شؤونها.
حين يُباع الوطن ويُشترى،
وحين يقف الشعب
على حافة الإبادة والتهجير،
يسقط كل ادّعاء شرعية
لا يستند إلى تمثيل جامع.
لهذا،
لم يعد الحامل السياسي
خيارًا يُناقَش،
ولا اقتراحًا يُؤجَّل.
صار مطلبًا شعبيًا،
وفرضَ حقٍّ
في مواجهة فرض الباطل
الذي يُسمّى “إدارة الممكن”.
الوقت ليس مفتوحًا.
الوعي يتّسع.
السؤال دخل البيوت.
والجواب
بدأ يتردّد بوضوح:
ما يُنقذ لا يُدار…
ما يُنقذ يُمثَّل.
انتهى زمن انتظار المعجزات.
التاريخ لا يهب دروسه مرتين.
ما لم يُستعاد اليوم
كحامل سياسي فلسطيني جامع،
تحرري، ديمقراطي،
ممثل للداخل والشتات،
سيعود غدًا
على هيئة لجان أكثر،
وإمارات أصغر،
ووطن أقل.
هذه ليست نبوءة.
هذا ما تقوله التجربة
حين تُقرأ بلا أقنعة.
وهذا ما يجعل الحامل السياسي
ليس شعار المرحلة،
بل شرط البقاء.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
23 كانون الثاني / يناير 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...