عبدالواسع طه محمد السقاف - الزِّحاف والعِلّة والكَسْر الشعري (مفاهيم عَروضية أساسية في ميزان الشعر العربي)

يُعَدّ علمُ العَروض من أدقّ العلوم اللغوية التي ابتكرها العقل العربي؛ إذ يُعنى بضبط الإيقاع الشعري وتقنين موسيقاه وفق نظامٍ محكم وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي. غير أنّ هذا النظام، على صرامته الظاهرة، لا يخلو من قدرٍ محسوب من المرونة، تتجلّى فيما عُرف بالزِّحافات والعِلل المقبولة، كما حدّد ما يُعَدّ خروجًا غيرَ مقبولٍ عن الوزن، وهو ما يُسمّى بالكَسْر الشعري.
ويهدف هذا المقال إلى تقديم تعريفٍ مُيسَّر لهذه المفاهيم، مع بيان أنواعها وأشهر صورها، مقرونةً بأمثلة من الشعر العربي، ليستفيد منها القارئ غير المتخصص.

أولًا: الزِّحاف
الزِّحاف هو ببساطة تخفيفٌ إيقاعيّ جزئي في التفعيلات يسمح به العَروض لإضفاء تنويع موسيقي داخل البيت الشعري، ويكون هذا التغيير غير لازم؛ لكن يجوز للشاعر استعماله أو تركه دون إخلال بصحة الوزن.
وينقسم الزحاف إلى قسمين رئيسين:
1. الزحاف المفرد
وهو ما يصيب سببًا واحدًا. (والسبب في علم العروض هو مقطع صوتي يتألف من حرفين اثنين فقط وينقسم إلى خفيف وثقيل. الخفيف يتألف من حرفين؛ الأول متحرك والثاني ساكن (مثل: لَمْ، قَدْ، عَنْ) ورمزه العروضي هو (◡ ـ)، والثقيل يتألف من حرفين؛ كلاهما متحرك (مثل: لَكَ، بِكَ، لِمَ). ورمزه العروضي هو (◡ ◡).
ومن أشهر أنواع الزحاف المفرد:
•الخَبْن: وهو حذف الثاني الساكن من السبب الخفيف (فاعلن ← فَعِلن)
مثال شعري (من البحر الخفيف) قول البحتري: صُنْتُ نَفْسِي عَمَّا يُدَنِّسُ نَفْسِي
التقطيع: فاعلاتن مستفعلن فعلاتن (حيث دخل الخبن على (فاعلاتن) فصارت (فعلاتن)) ويقع الخبن هنا في الحشو، وهو موضع جوازه.

•الطَّيّ: وهو حذف الرابع الساكن (مستفعلن ← مستعلن)
مثال شعري (من البسيط) قول سنان ابن أبي حارثة المري: ثُمَّتَ أَطعَمتُ زادي غَيرَ مُدَّخِرٍ
التقطيع: مستعلن فعلن مستفعلن فعلن، والأصل (مستفعلن)، فدخل الطيّ.

•القبض: حذف الخامس الساكن (فعولن ← فعول)
مثال شعري (من الطويل) قول المتنبي: أَقَلُّ فَعَالِ الرَّأْيِ مَا هُوَ جَائِرُ .. وَأَزْيَدُ شَيْءٍ نَيْلُ مَا هُوَ قَاصِرُ

التقطيع: فعول مفاعيلن فعول مفاعلن، وقد دخل القبض على (فعولن) فصارت (فعول).
وهناك أنواع أخرى من الزحافات المفردة تتلخص في:
الكف (ك): حذف السابع الساكن (مثل: مُفَاعِيلُنْ -> مُفَاعِيلُ، فَاعِلاتُنْ -> فَاعِلاتُ).
الإضمار (ض): تسكين الثاني المتحرك (مثل: مُتَفاعِلُنْ -> مُتْفاعِلُنْ).
العَصْب (ع): تسكين الخامس المتحرك (مثل: مُفَاعَلَتُنْ -> مُفَاعَلْتُنْ).
الوقص (و): حذف الثاني المتحرك (مثل: مُتَفاعِلُنْ -> مُفَاعِلُنْ).

2. الزحاف المركّب: وهو اجتماع زحافين في تفعيلة واحدة، مثل:
• الخَبْل: خبن + طي (مستفعلن ← متعلن)
مثال شعري (من الرجز): وهذا بيت تعليمي من كتب العروض نظرا لصعوبة وجود بيت حقيقي في الشعر العربي لأن الشعراء ينفرون من استعمال هذا الزحاف:
وَلَكَأَنْ قَدْ حُمَّ مَا هُوَ قَاد
التقطيع: متعلن مستفعلن متفعل، وقد وقعت (مستفعلن) على صورة (متعلن)
وهناك أنواع أخرى من الزحافات المركبة تتلخص في:
الخَزْل (ض + ط): اجتماع الإضمار والطي (مثل: مُتَفاعِلُنْ -> مُتْفَعِلُنْ).
الشَّكْل (خ + ك): اجتماع الخبن والكف (مثل: فَاعِلاتُنْ -> فَعِلاتُ).
النَّقص (ع + ك): اجتماع العصب والكف (مثل: مُفَاعَلَتُنْ -> مُفَاعَلْتُ).

وقبل أن نمضي في فقرة العلل علينا أن نفهم أنّ علم العَروض يعتمد على السماع والقياس معًا:
السماع: ما ثبت استعماله في الشعر العربي الموثوق عن فحول الشعراء، ولو خالف بعض القواعد النظرية.
القياس: ما استنبطه العَروضيّون من قواعد عامة تُقاس عليها الأوزان والزحافات.
فكل ما سُمِع جاز، وإن قلّ، وليس كل ما قيس يُستحسن استعماله، ولذلك نفَر الشعراء من بعض الزحافات وإن كانت صحيحة قياسًا.

ثانيًا: العِلّة
العِلّة هي تغييرٌ عروضيّ يلحق أواخر التفاعيل في العَروض أو الضرب (نهاية الشطر)، ويكون غالبًا لازمًا إذا استُعمل؛ أي يلتزم به الشاعر في سائر أبيات القصيدة.
والفرق الجوهري بينها وبين الزحاف أن:
• الزحاف اختياري وغير لازم ويمكن أن يتغير من بيت لأخر.
• العلّة بنيوية وغالبًا لازمة في كافة الأبيات.

وتنقسم العلل إلى نوعين رئيسين:
1. عِلل بالنقص
ومنها: الحذف: حذف سبب خفيف من آخر التفعيلة(فاعلن ← فاعل)
مثال شعري (من المتقارب) قول الشابي:
إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ ** فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القَدَرْ
وهنا ضرب المتقارب أصله (فعولن فعولن فعولن فعولن)لكنه هنا أصبح (فعولن ← فعل)، وهذا هو المتقارب المحذوف الضرب.

• القصر: حذف ساكن السبب الأخير وإسكان ما قبله(فعولن ← فعَلْ)
مثال شعري (من المتقارب) ذكره الخليل الفراهيدي:
وَيَأْوِي إِلَى نِسْوَةٍ عُطَّلِ ** وشعثاً مراضيع مثل السعالي
ضرب المتقارب أصله (فعولن فعولن فعولن فعولن) لكنه هنا صار (فعولن فعولن فعولن فعل) وهذا يُسمّى: القصر.

وهناك علل نقصٍ أخرى نلخصها في:
القطف: هو اجتماع (الحذف + العصب)؛ أي حذف السبب الخفيف وتسكين ما قبله (مثل: مفاعلتن ← مفاعلْ)
القطع: حذف ساكن الوتد المجموع وتسكين ما قبله (مثل: فاعلن ← فاعلْ)
البتر: هو اجتماع (الحذف + القطع) (مثل: فعولن ← فـعْ).
الحذذ: حذف الوتد المجموع كاملاً من آخر التفعيلة (مثل: متفاعلن ← متفا).
الصلم: حذف الوتد المفروق من آخر التفعيلة (مثل: مفعولاتُ ← مفعو)
(و الوتد هو مقطع صوتي يتألف من ثلاثة أحرف، وهو الوحدة البنائية الثانية للتفاعيل العروضية بعد "الأسباب").

2. عِلل بالزيادة
ومنها التذييل: وهو زيادة حرف ساكن في آخر التفعيلة (متفاعلن ← متفاعلان)
مثال شعري (من الكامل) قول الحطيئة:
شَايَعْتُ حِلْمِي فِي الشَّبَابِ وَأَنْورَتْ ... لِيَ مِـنْ هَـوَاكِ مَـنَـاكِـبٌ وَطِـرَاقُـبَانْ
جاء الضرب مُذَيَّلًا، فالأصل هو (متفاعلن | متفاعلن | متفاعلن) لكنه هنا صار (متفاعلن | متفاعلن | متفاعلان) ويسمّى: الكامل المذيَّل.

• التسبيغ: زيادة سبب خفيف في آخر التفعيلة
مثال شعري (من الرمل) قول عبيد الله بن قيس الرقيات:
يَا خَلِيلَيَّ ارْبَعَا وَاسْتَنْطِقَا ... رَسْمَ دَارٍ وَقَفَا بِي بِـالـمُـقَـامَانْ
جاء الضرب مسبوغًا، فالأصل هو (فاعلاتن | مستفعلن | فاعلاتن) فصار (فاعلاتن ← فاعلاتنْ ← فاعلاتان) ويسمّى: الخفيف المسبوغ.
ومن علل زيادة الزيادة أيضا: الترفيـل: زيادة سبب خفيف على ما آخره وتد مجموع (مثل: متفاعلن ← متفاعلاتن).

ثالثًا: الكَسْر الشعري
والكَسْر هو اختلال الوزن العروضي بسبب مخالفة القاعدة الوزنية دون مسوّغٍ عروضيّ (لا زحافًا ولا علّة)، وهو عيبٌ يُخرج الكلام من دائرة الشعر الموزون إلى النثر المكسور.

أنواعه:
1. كسر ظاهر: يُدركه السامع مباشرة لاختلال الإيقاع.
مثال للمتنبي: أنا الذي نَظَرَ الأعمى إلى أَدبي ... وأَسْمَعَتْ كَلِماتي مَنْ بهِ صَمَمُ

لو غيّرنا كلمة أدبي إلى شعري (أنا الذي نَظَرَ الأعمى إلى شِعري)
كلمة "شِعري" بدلاً من "أَدبي" كسرت الوزن تماماً في الشطر الأول، لأن "أَدبي" وزنها "فَعَلِي"، بينما "شِعري" وزنها "فِعْلِي"، وهذا التغيير أخلّ بتفعيلة "مستفعلن" في بحر البسيط).

2. كسر خفيّ
لا يظهر إلا بالتقطيع العروضي، وغالبًا يقع بسبب:
• زيادة حركة أو حذفها
• تسكين متحرّك دون مسوّغ
• إقحام لفظ لا يستقيم وزنيًا

أمثلة على الكسر الخفي:
الخرم (في بداية البيت) وهو حذف أول حرف متحرك في التفعيلة التي تبدأ بوتد مجموع (مثل حذف الميم من "مفاعيلن" لتصبح "فاعيلن" وهي مستقبحة عند كثير من العروضيين).
التداخل بين "مُتَفَاعِلُن" و"مُسْتَفْعِلُن" (في بحر الكامل) في بحر الكامل، يجوز إضمار التفعيلة (تسكين الثاني) لتصبح "مُتْفَاعِلُن". إذا أكثر الشاعر من هذا التسكين في قصيدة واحدة حتى تشابهت مع بحر "الرجز"، ثم جاء ببيت واحد متحرك، يسمى هذا "خللاً خفياً" في البناء الموسيقي للقصيدة.
المعاقبة والمراقبة (الزحافات المتجاورة) هناك قوانين تمنع حذف حرفين معينين متجاورين في بعض البحور. إذا حذف الشاعر أحدهما، وجب عليه إبقاء الآخر. مثال في بحر المديد: التفعيلة هي (فَاعِلَاتُنْ فَاْعِلُنْ فَاعِلَاتُنْ). قاعدة "المعاقبة" تقول: لا يجوز حذف نون (فاعلاتن) وألف (فاعلن) معاً. إذا حذفهما الشاعر معاً، يظل البيت "موزوناً" من حيث التفعيلات، لكنه مكسور خفياً عند العروضيين لأنه خالف قاعدة الجوار الموسيقي.

خاتمة
إن الزحاف والعِلّة مظهران من مظاهر المرونة المنضبطة في نظام العَروض العربي، يتيحان للشاعر مساحة فنية دون الإخلال بالميزان الموسيقي، في حين يمثّل الكسر الشعري الحدّ الفاصل بين الشعر والنثر. وفهم هذه المفاهيم لا يُعد ترفًا نظريًا، بل ضرورة لكل من يطمح إلى كتابة شعرٍ موزونٍ سليم، أو إلى تذوّق الشعر العربي على بصيرةٍ علمية.

(والمعذرة لو وجدتم أي تقصير).

مراجع مختصرة:
* الخليل بن أحمد الفراهيدي – كتاب العَروض
* الأخفش الأوسط – كتاب القوافي
* ابن جني – الخصائص
* أحمد الهاشمي - ميزان الذهب في صناعة شعر العرب
* عبد الله الطيب – المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها
* شوقي ضيف – العَروض تطوّر وتاريخ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...