بعد اثني عشر عامًا فقط على اغتصاب فلسطين، وقف بنيامين فريدمن في واشنطن، لا ليصرخ، بل ليضع مرآة.
لم يتحدث كخصم، بل كمن يعرف المشروع من داخله.
يهوديٌّ أمريكي يقول للأمريكيين: انتبهوا… ما يُصاغ باسم حماية اليهود، سيقودكم إلى حرب لا تشبه ما عرفتم.
لم يقل إن الحرب ستقع غدًا.
قال إن الزمن نفسه سيتحوّل إلى أداة.
وأن فلسطين لن تكون ساحة معركة فقط،
بل مفتاح انزلاق.
بنيامين فريدمن لم يكن طارئًا على المشهد.
كان قريبًا من دوائر النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة،
ثم ابتعد عنها،
لا أخلاقيًا فقط،
بل معرفيًا.
فصل بين اليهودية كديانة وهوية،
وبين الصهيونية كمشروع سياسي استعماري حديث.
ومنذ تلك اللحظة،
بدأ يُوصَف بما يُوصَف به كل من يكشف البنية:
معادٍ للسامية.
لم يكن عداءً لليهود،
بل رفضًا لاستخدامهم.
رفضًا لتحويلهم إلى درع أخلاقي
لمشروع لا يحميهم،
بل يزجّهم في صراعات لا تنتهي.
فريدمن لم ينظر إلى عام 1948 كنهاية،
بل كبداية لمسار طويل.
مسار تُستعمل فيه فلسطين كأرض،
واليهود كغطاء،
والولايات المتحدة كقوة تنفيذ.
شرح كيف لم يكن وعد بلفور وعدًا،
بل صفقة.
وكيف لم تكن فلسطين هبة تاريخية،
بل مقايضة نفوذ.
وحين ورثت واشنطن الدور من لندن،
ورثت الوهم ذاته:
أن القوة قادرة على إدارة العالم بلا كلفة.
وهنا جاءت تحذيراته الأخطر.
قال إن الولايات المتحدة،
حين تربط مصيرها بحماية هذا الكيان،
ستُستدرج إلى حروب لا تخص شعبها.
وأن أبناء الأمريكيين
سيُزجّ بهم في صراعات الشرق الأوسط
دفاعًا عن مشروع
ليس أمريكيًا،
ولا يحقق السلام،
ولا يعرف التوقف.
لم يكن يتنبأ.
كان يقرأ البنية.
اليوم، بعد أكثر من ستة عقود،
نقف داخل المشهد ذاته وقد تضخّم.
ما يجري في غزة
ليس حدثًا منفصلًا،
بل نتيجة منطقية.
الإبادة ليست انحرافًا،
بل التطبيق العاري لمنطق
حين تصبح القوة اللغة الوحيدة،
تسقط القوانين التي صاغتها تلك القوة نفسها.
الولايات المتحدة،
التي قامت على فكرة القانون،
وجدت نفسها شريكة في إبادة جماعية.
ليس لأنها لا ترى،
بل لأنها رأت
واستمرت.
ومن هنا يبدأ الانزلاق الأكبر.
الحرب التي تُلوَّح في الأفق
ليست حربًا بلا اسم.
اسمها غير المعلن هو إيران.
لا لأنها تبحث عن حرب،
بل لأنها صارت العقدة التي لا يمكن تجاوزها
في مشروع يريد إعادة رسم المنطقة بالقوة.
إيران ليست هدفًا معزولًا،
بل نقطة توازن.
كسرها يعني فتح السلسلة كاملة،
وتركها واقفة يعني استنزافًا طويلًا
لا يحتمله من اعتاد الحسم السريع.
لم يقل هذا المقال إن الحرب ستقع.
لكنه لم يستبعدها أيضًا.
قال فقط إن الحرب، إن جاءت،
لن تأتي كما يتخيلها من يلوّح بها.
إن وقعت،
فلن تكون حرب ضربة تنهي المشهد،
بل حرب زمن.
حرب تُدار بالاستنزاف،
بإطالة النفس،
وبمنع الحسم،
كما لو أن العالم قرر أن يختبر نفسه طويلًا داخل الكارثة.
في مثل هذه الحرب،
قد تبدو الولايات المتحدة الأقوى عسكريًا،
لكنها قد تجد نفسها وحيدة سياسيًا،
ومكشوفة أخلاقيًا،
تدافع عن كيان صار عبئًا على روايته
قبل أن يكون حليفًا في معركته.
روسيا والصين لن ترفعا أعلام الحرب،
لكنّهما لن ترفعا الراية البيضاء.
منع الهزيمة السريعة يكفي
لتحويل أي مواجهة
إلى مأزق طويل.
ودول أخرى، من آسيا إلى أميركا اللاتينية،
لن تدخل بالصواريخ،
بل بالموقف،
وبكسر الإجماع،
وبالوقوف خارج السردية الأميركية المعتادة.
حتى الغرب نفسه،
لن يكون كتلة واحدة.
غزة كسرت الصورة.
وإيران عمّقت الشرخ.
في حرب طويلة،
قد لا يقاتل الجميع،
لكن كثيرين سيتوقفون عن التصديق.
هنا يصبح ما قاله فريدمن مفهومًا.
ليس كنبوءة،
بل كقراءة لمسار لم يُغلَق.
وحين تُربط قوة عظمى
بمشروع لا يعيش إلا بالحرب،
تصبح العزلة احتمالًا واقعيًا،
حتى لو لم تقع الهزيمة العسكرية.
ومن هذا الموضع بالذات،
يتحوّل السؤال من: هل ستقع الحرب؟
إلى: من يستطيع تحمّل شكلها إن وقعت؟
الطوفان لم يكن حدثًا.
كان حدًّا فاصلًا.
ما قبله ليس كما بعده.
وغزة، بما جرى فيها من إبادة مفتوحة،
لم تعد مكانًا على الخريطة،
بل لحظة كاشفة.
ما قبلها ليس كما بعدها،
لا في السياسة،
ولا في الأخلاق،
ولا في طريقة نظر العالم إلى نفسه.
منذ تلك اللحظة،
لم يعد يكفي أن نرى بالبصر.
البصيرة وحدها ما يبقى.
أن يرى الفلسطيني ما يجري
لا كما يُعرَض عليه،
بل كما يُدبَّر له.
أن يفهم أن وحدته ليست شعارًا،
بل شرط وجود.
وأن الحامل السياسي
ليس تفصيلًا تنظيميًا،
بل المسافة الوحيدة
بينه وبين أن يُدار من خارج إرادته.
في هذا الزمن،
يصبح بقاء الحامل السياسي فوق السلطة
ضرورة لا ترفًا،
لأن السلطة، حين تنفصل عن الحامل،
تتحول إلى أداة ضبط،
لا إلى تعبير عن إرادة شعب.
وفي الجهة الأخرى من المشهد،
سقط الغرب أخلاقيًا وإنسانيًا
سقوطًا مدوّيًا،
لا لأن أحدًا فضحه،
بل لأنه كشف نفسه بنفسه.
وحين انكشف كيان الاحتلال،
لم ينكشف أمام خصومه فقط،
بل أمام كثيرين من اليهود أنفسهم،
فاكتشفوا أن هذا الكيان
لا يحميهم،
بل يدمّرهم،
ويحملهم وزر بنية صهيونية
عنصرية فاشية
لم يعد ممكنًا إخفاؤها.
وما يقوله مؤرخو كيان الاحتلال اليوم
ليس نبوءة،
بل قراءة داخلية لانهيار بدأ.
كيان لا يستطيع العيش بلا حرب،
ولا بلا حماية خارجية،
ولا بلا تزوير دائم للواقع،
هو كيان يسير،
بثبات بطيء،
نحو نهايته.
في هذا المشهد المتحوّل،
المستقبل لا يُمنَح،
بل يُستعاد.
هناك،
حيث يرى الشعب بالبصيرة،
ويختار أن يكون فاعلًا،
لا مادة خام
في سيناريو الآخرين.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
27 / 1 /
2026
لم يتحدث كخصم، بل كمن يعرف المشروع من داخله.
يهوديٌّ أمريكي يقول للأمريكيين: انتبهوا… ما يُصاغ باسم حماية اليهود، سيقودكم إلى حرب لا تشبه ما عرفتم.
لم يقل إن الحرب ستقع غدًا.
قال إن الزمن نفسه سيتحوّل إلى أداة.
وأن فلسطين لن تكون ساحة معركة فقط،
بل مفتاح انزلاق.
بنيامين فريدمن لم يكن طارئًا على المشهد.
كان قريبًا من دوائر النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة،
ثم ابتعد عنها،
لا أخلاقيًا فقط،
بل معرفيًا.
فصل بين اليهودية كديانة وهوية،
وبين الصهيونية كمشروع سياسي استعماري حديث.
ومنذ تلك اللحظة،
بدأ يُوصَف بما يُوصَف به كل من يكشف البنية:
معادٍ للسامية.
لم يكن عداءً لليهود،
بل رفضًا لاستخدامهم.
رفضًا لتحويلهم إلى درع أخلاقي
لمشروع لا يحميهم،
بل يزجّهم في صراعات لا تنتهي.
فريدمن لم ينظر إلى عام 1948 كنهاية،
بل كبداية لمسار طويل.
مسار تُستعمل فيه فلسطين كأرض،
واليهود كغطاء،
والولايات المتحدة كقوة تنفيذ.
شرح كيف لم يكن وعد بلفور وعدًا،
بل صفقة.
وكيف لم تكن فلسطين هبة تاريخية،
بل مقايضة نفوذ.
وحين ورثت واشنطن الدور من لندن،
ورثت الوهم ذاته:
أن القوة قادرة على إدارة العالم بلا كلفة.
وهنا جاءت تحذيراته الأخطر.
قال إن الولايات المتحدة،
حين تربط مصيرها بحماية هذا الكيان،
ستُستدرج إلى حروب لا تخص شعبها.
وأن أبناء الأمريكيين
سيُزجّ بهم في صراعات الشرق الأوسط
دفاعًا عن مشروع
ليس أمريكيًا،
ولا يحقق السلام،
ولا يعرف التوقف.
لم يكن يتنبأ.
كان يقرأ البنية.
اليوم، بعد أكثر من ستة عقود،
نقف داخل المشهد ذاته وقد تضخّم.
ما يجري في غزة
ليس حدثًا منفصلًا،
بل نتيجة منطقية.
الإبادة ليست انحرافًا،
بل التطبيق العاري لمنطق
حين تصبح القوة اللغة الوحيدة،
تسقط القوانين التي صاغتها تلك القوة نفسها.
الولايات المتحدة،
التي قامت على فكرة القانون،
وجدت نفسها شريكة في إبادة جماعية.
ليس لأنها لا ترى،
بل لأنها رأت
واستمرت.
ومن هنا يبدأ الانزلاق الأكبر.
الحرب التي تُلوَّح في الأفق
ليست حربًا بلا اسم.
اسمها غير المعلن هو إيران.
لا لأنها تبحث عن حرب،
بل لأنها صارت العقدة التي لا يمكن تجاوزها
في مشروع يريد إعادة رسم المنطقة بالقوة.
إيران ليست هدفًا معزولًا،
بل نقطة توازن.
كسرها يعني فتح السلسلة كاملة،
وتركها واقفة يعني استنزافًا طويلًا
لا يحتمله من اعتاد الحسم السريع.
لم يقل هذا المقال إن الحرب ستقع.
لكنه لم يستبعدها أيضًا.
قال فقط إن الحرب، إن جاءت،
لن تأتي كما يتخيلها من يلوّح بها.
إن وقعت،
فلن تكون حرب ضربة تنهي المشهد،
بل حرب زمن.
حرب تُدار بالاستنزاف،
بإطالة النفس،
وبمنع الحسم،
كما لو أن العالم قرر أن يختبر نفسه طويلًا داخل الكارثة.
في مثل هذه الحرب،
قد تبدو الولايات المتحدة الأقوى عسكريًا،
لكنها قد تجد نفسها وحيدة سياسيًا،
ومكشوفة أخلاقيًا،
تدافع عن كيان صار عبئًا على روايته
قبل أن يكون حليفًا في معركته.
روسيا والصين لن ترفعا أعلام الحرب،
لكنّهما لن ترفعا الراية البيضاء.
منع الهزيمة السريعة يكفي
لتحويل أي مواجهة
إلى مأزق طويل.
ودول أخرى، من آسيا إلى أميركا اللاتينية،
لن تدخل بالصواريخ،
بل بالموقف،
وبكسر الإجماع،
وبالوقوف خارج السردية الأميركية المعتادة.
حتى الغرب نفسه،
لن يكون كتلة واحدة.
غزة كسرت الصورة.
وإيران عمّقت الشرخ.
في حرب طويلة،
قد لا يقاتل الجميع،
لكن كثيرين سيتوقفون عن التصديق.
هنا يصبح ما قاله فريدمن مفهومًا.
ليس كنبوءة،
بل كقراءة لمسار لم يُغلَق.
وحين تُربط قوة عظمى
بمشروع لا يعيش إلا بالحرب،
تصبح العزلة احتمالًا واقعيًا،
حتى لو لم تقع الهزيمة العسكرية.
ومن هذا الموضع بالذات،
يتحوّل السؤال من: هل ستقع الحرب؟
إلى: من يستطيع تحمّل شكلها إن وقعت؟
الطوفان لم يكن حدثًا.
كان حدًّا فاصلًا.
ما قبله ليس كما بعده.
وغزة، بما جرى فيها من إبادة مفتوحة،
لم تعد مكانًا على الخريطة،
بل لحظة كاشفة.
ما قبلها ليس كما بعدها،
لا في السياسة،
ولا في الأخلاق،
ولا في طريقة نظر العالم إلى نفسه.
منذ تلك اللحظة،
لم يعد يكفي أن نرى بالبصر.
البصيرة وحدها ما يبقى.
أن يرى الفلسطيني ما يجري
لا كما يُعرَض عليه،
بل كما يُدبَّر له.
أن يفهم أن وحدته ليست شعارًا،
بل شرط وجود.
وأن الحامل السياسي
ليس تفصيلًا تنظيميًا،
بل المسافة الوحيدة
بينه وبين أن يُدار من خارج إرادته.
في هذا الزمن،
يصبح بقاء الحامل السياسي فوق السلطة
ضرورة لا ترفًا،
لأن السلطة، حين تنفصل عن الحامل،
تتحول إلى أداة ضبط،
لا إلى تعبير عن إرادة شعب.
وفي الجهة الأخرى من المشهد،
سقط الغرب أخلاقيًا وإنسانيًا
سقوطًا مدوّيًا،
لا لأن أحدًا فضحه،
بل لأنه كشف نفسه بنفسه.
وحين انكشف كيان الاحتلال،
لم ينكشف أمام خصومه فقط،
بل أمام كثيرين من اليهود أنفسهم،
فاكتشفوا أن هذا الكيان
لا يحميهم،
بل يدمّرهم،
ويحملهم وزر بنية صهيونية
عنصرية فاشية
لم يعد ممكنًا إخفاؤها.
وما يقوله مؤرخو كيان الاحتلال اليوم
ليس نبوءة،
بل قراءة داخلية لانهيار بدأ.
كيان لا يستطيع العيش بلا حرب،
ولا بلا حماية خارجية،
ولا بلا تزوير دائم للواقع،
هو كيان يسير،
بثبات بطيء،
نحو نهايته.
في هذا المشهد المتحوّل،
المستقبل لا يُمنَح،
بل يُستعاد.
هناك،
حيث يرى الشعب بالبصيرة،
ويختار أن يكون فاعلًا،
لا مادة خام
في سيناريو الآخرين.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
27 / 1 /
2026