د. سيد شعبان - رجال الزراعية ودار فضة!

سيرة وأنا راويها ؛يسكن كفر المنسي أبوقتب أناس طيبون؛ تعددت مناحي الحياة وتوزعت بهم؛ كنا صغارا نرى الخالة فضة تتوكأ على عصاها؛ ينير وجهها كالقمر، طيبة القلب توزع حبات النعناع والسكر النبات؛ يجلس عمنا رمضان بجواره أخيه "القاعود" يصنعان من البوص "السلال" أشبه بيد فنان ماهر؛ لايحملان هم الغد؛ فما يمتلكون غير قوت يومهم يحمدون الله على نعمة الستر؛ لايحركهم طمع ولايردي بهم حسد؛ إذا ماانتهوا من كدهم يضرب أحدهم بموال الصبر!
يلتحفون السماء حتى منتصف الليل، قريبا منهم عمنا عبدالفتاح سلطان؛ جاويش المولد يرتدي صداره علته الرتب والنياشين من أغطية الكولا!
يأتي العيد فما يغادرهم إلا سعداء بما وهبوا من رضا.
كنا نلعب ماوسعنا الليل من حارة لأخرى؛ نتعب فنستروح بحكايات الراحلين، يأتي الخال حمدي صالح فيوسعون له صدارة المجلس؛ يهب الجمع الحمص والفول السوداني مما جاد به من دكانته ذلك حين يضرب الشتاء بمعوله من ريح فيها صر !
ابن خالي زغلول البنا ذو الوجه المستدير يلاعب عصاه الخيزران؛ بسطاء تمتد أحلامهم أرغفة الخبز وقطعة الجبن؛ تسأل عنهم فتجد ملح الأرض مركوزا كما شجر الكافور العملاق أو انتماء كنخل دار هيكل؛ غير أن الزمن نال منه بعد رحيل الطيبين عمنا عتريس وعبد الونيس وعلي والحاج ذو الشارب يقف عليه الصقر !
لاتنكر لهم سمة من طيبة؛ يحتوش الآخرون الأرض؛ عراك هنا وبغضاء هناك وأولاد فضة يسلم نهارهم إلى ليل ما انطووا إلا على الرضا!
كما أسلفت ثمة من شاركوهم الحياة؛ عمك أبوطيفة يتهادى كأنما هو " ضو البيت " في سيرة الطيب صالح؛ يلتمسون البركة من مجاورة الشيخ سلامة!
يغني الصغار فيضرب الطرب مسامع الفتى إبراهيم فضة ذلكم الشاب ذو الوجه المشرب حمرة.
هل تركوا الذهب واكتفوا بالفضة؟
مضت الأيام وانتهت أيام حصاد القطن والأرز فما كان غير ذكرى أياديهم وعرق جبينهم!
بينما ينشغل قوم بالعراك حول العمودية تراهم صفر اليدين من بساطة دار فضة؛ أدركوا وهم الحكماء أن الدنيا زائلة؛ لم يسكنوا البيوت الممردة ولا ركبوا إلا أقدامهم يدبون بها فوق أرض الله!
قنعوا بما رزقوا من حياة بسيطة؛ امتلكوا عزة النفس وأنفة أن يروا موضع مسألة.
تحلو منهم طرفة وتستهويك منهم ملحة دعابة؛ كان أبي رحمه الله يحبهم جيران دار سلبت منا بخيانة أردت وجناية مضت مثلا لسارق يحسب نفسه آية وما كانت إلا في الشر!
تظل تلك المنمنمات لبنات سردي الذي وهبته؛ حكاية من كفر سكنته فترك بصمته فيما أسطر؛ أبكي داري وأنوح جذر أبي؛ ماكنت أحسبني أدون وقائع أيامي التي عشتها؛ كنت عاشقا للمكان أذرعه ليل نهار؛ أعلم أن قدر الله غالب؛ فما أبكي قصرا ولادوارا رفلت فيه بل مهد طفولتي ومسرح أيامي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...