تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة رواية "سنوات المغر" لمريم الزرعوني من زاوية تمثلات الغربة وبناء الوعي السردي، بوصفهما مبدأين حاكمين لتشكّل الخطاب الروائي. وتنشغل الدراسة بتحليل الرواية بوصفها خطاب وعي، لا مجرد بناء حكائي قائم على تسلسل الأحداث، وتنطلق من فرضية مفادها أن الغربة في النص ليست ثيمة موضوعية معزولة، بل بنية دلالية وسردية تتجلّى في اختيار الراوي، وفي طبيعة الزمن، وفي اللغة، والمكان، وبناء الشخصية، وقد اعتمدت الدراسة مقاربة سردية تحليلية ذات طابع تركيبي، تهدف إلى اختصار نتائج قراءة موسّعة للرواية، والكشف عن الكيفية التي تتحوّل بها التقنيات السردية إلى حوامل للغربة والاغتراب الوجودي، وبذلك، تسعى الدراسة إلى الإسهام في تعميق النقاش النقدي حول سرد الوعي، والرواية التأملية، وتمثلات الذات والهامش في السرد العربي المعاصر.
يتأسس التحليل الإجمالي لرواية "سنوات المغر" على اعتبارها نصًا سرديًا يشتغل على الوعي لا على الحدث، ويعيد تعريف وظيفة الرواية بوصفها فضاءً للتفكير لا للحكي الخطي؛ فالنص لا يسعى إلى بناء حبكة تقليدية تقوم على التطور الدرامي، بل يعتمد صوتًا داخليًا يتأمل ذاته والعالم من موقع الغربة والانكسار، ومن خلال هذا الخيار تتحول الكتابة إلى ممارسة معرفية تحاول فهم التجربة بدل إعادة تمثيلها سرديًا، وتغدو الغربة هنا ليست موضوعًا حكائيًا يمكن فصله عن البنية، بل مبدأً حاكمًا يتسرّب إلى كل مكونات الخطاب السردي، وبذلك يتقدّم الوعي بوصفه مركز الإنتاج الدلالي، ويتراجع الخارج بوصفه مادة ثانوية، ويكشف هذا المنظور أن الرواية تنتمي إلى سرد الوعي؛ حيث تُبنى الدلالة عبر التوتر النفسي، والتأمل، وتراكم الأسئلة، لا عبر تسلسل الوقائع، ومن ثم تصبح التجربة الفردية مدخلًا لطرح أسئلة وجودية أوسع تتصل بالهوية والانتماء والمعنى، ويكتسب النص طابعه التأملي العميق.
وتكشف القراءة التركيبية أن الراوي في الرواية ليس أداة نقل محايدة، بل هو ذات واعية بفعل الكتابة وبحدودها، تكتب من موقع الهامش لا من مركز اليقين، فالراوي المتكلم لا يقدّم سردًا اعترافيًا مباشرًا، ولا يسعى إلى تبرير التجربة أو تبرئة الذات، بل يكتب من موقع الشك والتردد، ويؤدي هذا إلى بناء خطاب سردي يقوم على التبئير الداخلي شبه المطلق، حيث لا يُرى العالم إلا عبر وعي مأزوم ومتشظٍّ، ومن خلال هذا التبئير، تتحول الرواية إلى مساحة اعتراف غير مكتمل، لا ينشد الكشف بقدر ما ينشد الفهم، كما أن هذا الصوت السردي يرفض الحسم، ويُبقي الأسئلة مفتوحة، مما يمنح النص بعده الوجودي، وبذلك لا تُبنى الشخصية السردية عبر الفعل، بل عبر الوعي بالفعل والعجز عنه، ويتحوّل السرد إلى تسجيل لحركة التفكير لا لحركة الحدث، وهو ما يرسّخ انتماء الرواية إلى سرد التأمل والوعي.
ويبيّن التحليل المجمل أن الغربة في الرواية لا تُقدَّم بوصفها حالة انتقال مكاني أو عزلة اجتماعية فقط، بل بوصفها اغترابًا وجوديًا يتسلل إلى علاقة الذات بذاتها وبالعالم؛ فالشخصية الرئيسية لا تشعر بالغربة لأنها خارج المكان، بل لأنها خارج المعنى، وخارج الانتماء الداخلي، وتتجلّى هذه الغربة في تشظي الهوية، وفي فقدان القدرة على تعريف الذات تعريفًا مستقرًا، وبذلك لا تصبح الغربة نتيجة ظرف، بل شرطًا بنيويًا للوجود داخل النص، كما أن الرواية لا تقدّم الغربة بوصفها أزمة قابلة للحل، بل بوصفها حالة مستمرة، تتجدد مع اللغة والزمن والمكان، ويؤدي هذا إلى بناء شخصية "الغريب" بوصفها شخصية وعي، لا شخصية حدث، تعيش التوتر بدل تجاوزه، وتختبر الوجود بوصفه عبئًا معرفيًا لا تجربة مكتملة، وهو ما يمنح النص عمقه الإنساني.
ويُظهر التحليل أن اللغة في الرواية تؤدي دورًا مركزيًا في بناء هذا الوعي، حيث تعتمد التكثيف، والاقتصاد، والصمت، والانزياح الدلالي، بدل الشرح والتفصيل؛ فاللغة لا تسعى إلى الإيضاح، بل إلى الإيحاء، ولا تدّعي احتواء التجربة، بل تعترف بعجزها عن ذلك، وتتحول الكلمات القليلة، والتوقفات، والمساحات البيضاء، إلى عناصر دلالية قائمة بذاتها، وبذلك تصبح اللغة أداة تفكير لا أداة نقل، وتعكس حدود الوعي بقدر ما تعبّر عنه، كما أن الصورة السردية تحلّ محل التحليل المباشر، فتُجسَّد الحالات النفسية عبر مشاهد رمزية مكثفة، ويكشف هذا الخيار الأسلوبي أن الرواية تنتمي إلى سرد تأملي يرى أن المعنى لا يُقال كاملًا، بل يُلمَس عبر اللغة، وهو ما ينسجم مع طبيعة الغربة بوصفها تجربة عصية على التعبير المباشر.
كما يبيّن التحليل التركيبي أن المكان في الرواية لا يُقدَّم بوصفه إطارًا جغرافيًا محايدًا، بل بوصفه فضاءً رمزيًا وذاكريًا يتداخل مع الوعي والهوية؛ فالأمكنة لا تُستعاد بمعالمها، بل بأثرها النفسي، وتغدو مرآة لحالة الذات الداخلية، ويتحوّل المكان إلى خزان للذاكرة، يحمل ما تعجز الذات عن احتماله، وتصبح الذاكرة موزعة في الفضاءات بقدر ما هي مستقرة في الوعي، وبذلك لا يحرّر الانتقال المكاني الشخصية من الغربة؛ لأن المكان الحقيقي يسكن الداخل، ويؤدي هذا إلى إلغاء فكرة الخلاص المكاني، وترسيخ رؤية ترى أن الأزمة وجودية لا جغرافية، ومن ثم يغدو المكان عنصرًا دلاليًا فاعلًا في إنتاج المعنى، ويكتمل عبره بناء الغربة بوصفها بنية شاملة تحكم النص.
ويكشف التحليل المجمل أن الزمن السردي في الرواية لا يعمل بوصفه إطارًا خطيًا للأحداث، بل بوصفه زمنًا نفسيًا يتشكّل وفق منطق الذاكرة والوعي؛ فالماضي لا يُستعاد بوصفه مرحلة منتهية، بل بوصفه أثرًا مستمرًا يتداخل مع الحاضر ويعيد تشكيله، ويؤدي هذا إلى تفكيك التسلسل الزمني التقليدي، حيث تتجاور الأزمنة وتتداخل دون فواصل واضحة، وبذلك، يتحول الاسترجاع من تقنية حكائية إلى بنية وجودية تعبّر عن عجز الذات عن تجاوز تجربتها، كما أن تعليق الزمن أو توقّفه عند لحظات بعينها، يعكس انسداد الأفق الوجودي، ويجعل السرد أقرب إلى إقامة طويلة في لحظة مأزومة، ويكشف هذا البناء الزمني أن الرواية لا تحكي ما حدث، بل تحكي كيف يستمر الحدث في الوعي، وهو ما يعمّق الطابع التأملي للنص، ويجعل الزمن عنصرًا دلاليًا فاعلًا في إنتاج المعنى.
وتؤكد القراءة التركيبية أن بناء الشخصية في الرواية لا يقوم على التحول الدرامي أو النمو السلوكي، بل على تكثيف الإحساس الداخلي بالغربة والتشظي؛ فشخصية "الغريب" لا تتطوّر بقدر ما تنكشف، ولا تتغيّر بقدر ما تتعرّى، ويُبنى حضورها السردي عبر وعيها بذاتها وبعجزها عن الاندماج في العالم، ومن ثم تصبح الشخصية مركزًا تأمليًا تتقاطع فيه الأسئلة الوجودية حول الهوية والمعنى والانتماء، كما أن غياب الفعل الحاسم لا يُعدُّ نقصًا بنيويًا، بل خيارًا جماليًا يعكس رؤية ترى أن الأزمة الحقيقية ليست في الخارج، بل في الداخل، وبذلك تتحول الشخصية إلى تمثيل إنساني عام، لا حالة فردية معزولة، ويكتسب النص بعده الإنساني الواسع.
ويُظهر التحليل أن الغربة الاجتماعية في الرواية لا تُقدَّم عبر صدامات واضحة أو إقصاء مباشر، بل عبر مسافات صامتة وحواجز غير مرئية؛ فالذات تعيش بين الآخرين دون أن تكون جزءًا منهم، وتختبر العزلة داخل الحضور لا خارجه، ويؤدي هذا إلى تعميق الإحساس بالوحدة؛ لأن الغربة هنا لا تسمح بالانسحاب الكامل ولا بالاندماج الحقيقي، وبذلك تتخذ الغربة طابعًا هادئًا لكنه عميق الأثر، يتسلل إلى العلاقات اليومية ويعيد تشكيلها من الداخل، ويكشف هذا التمثيل أن الرواية لا تبحث عن دراما اجتماعية، بل عن تشريح دقيق لتجربة الإقصاء الصامت، وهو ما يعزّز بعدها الواقعي والوجودي في آن واحد.
كما يبيّن التحليل التركيبي أن الاغتراب الوجودي يمثّل ذروة تمثلات الغربة في النص، حيث لا تعود الأزمة مرتبطة بالمكان أو المجتمع فقط، بل بمعنى الوجود ذاته؛ فالذات تفقد يقينها بهويتها، وتشعر بانفصالها عن حياتها، وتعيش وجودها بوصفه عبئًا يُحتمل لا تجربة تُختار، ويؤدي هذا إلى تفكك العلاقة بين الوعي والفعل، حيث تتحول الذات إلى مراقب سلبي لمسارها، وبذلك تغدو الرواية تأملًا في حدود المعنى، وفي عجز الإنسان المعاصر عن إنتاج يقين ثابت في عالم متغير، ويكشف هذا البعد أن النص لا يقدّم حلولًا أو خلاصات، بل يترك الذات داخل سؤال مفتوح، وهو ما يمنحه عمقه الفلسفي.
وتؤكد القراءة الشاملة أن العلاقة بين الشكل السردي والدلالة في الرواية علاقة عضوية، حيث لا يمكن فصل التقنية عن المعنى؛ فالتبئير الداخلي، والتشظي الزمني، واللغة المكثفة، والصورة السردية، وتمثيل المكان، كلها عناصر تتكامل لإنتاج خطاب الغربة، وبذلك لا تُفهم الغربة بوصفها ثيمة تُضاف إلى النص، بل بوصفها منطقًا بنيويًا ينظّم الكتابة من الداخل، ويكشف هذا التكامل أن الرواية تكتب الغربة بوصفها طريقة في الرؤية والوجود، لا بوصفها حالة طارئة أو موضوعًا سرديًا محدودًا.
ويكشف التحليل كذلك أن الرواية تعتمد وعيًا أجناسيًا واضحًا، يتجلّى في تذبذب النص بين السيرة والرواية دون استقرار نهائي في أيٍّ منهما؛ فالنص لا يقدّم نفسه بوصفه سيرة ذاتية مكتملة، ولا يتخفّى كليًا خلف التخييل الروائي، بل يكتب ذاته من موقع الهامش، حيث تتداخل التجربة الشخصية مع البناء الفني، ويؤدي هذا الوعي الأجناسي إلى تحرير السرد من سلطة القالب الجاهز، ويمنحه قدرة على التجريب في الشكل والصوت والزمن، وبذلك تصبح "الهوامش" استراتيجية سردية واعية، لا توصيفًا شكليًا، تُستخدم لتفكيك مركزية الحكاية وإعادة توزيع المعنى، ويكشف هذا الخيار أن الرواية ترفض الاكتمال الأجناسي كما ترفض الاكتمال الوجودي، وتبني خطابها على النقص بوصفه قيمة تعبيرية.
كما يبيّن التحليل أن التقطيع والتشظي في بنية النص لا يمثلان ضعفًا في التنظيم، بل انعكاسًا صادقًا لتجربة وعي غير متماسكة؛ فاستقلال المقاطع، وغياب الترابط السببي الصارم يتيحان للنص أن يتحرك وفق منطق التداعي لا منطق الحبكة، ويؤدي هذا إلى تحويل القراءة من تتبع للحكاية إلى مرافقة لحالات الوعي المتعاقبة، وبذلك يصبح التفكك البنيوي وسيلة لتمثيل التفكك الداخلي، ويتحوّل التشظي إلى أداة جمالية تعبّر عن طبيعة التجربة، لا عن عجز تقني في الكتابة.
ويُظهر التحليل أن اللغة في الرواية لا تؤدي وظيفة تمثيلية فحسب، بل تقوم بدور معرفي يعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم؛ فاللغة لا تصف الواقع كما هو، بل كما يُرى من داخل وعي مأزوم، وهو ما يجعلها لغة منحازة للتجربة لا للموضوعية، ويؤدي هذا الانحياز إلى بناء خطاب لغوي يرفض البلاغة الزخرفية، ويعتمد البساطة المشحونة، حيث تحمل الكلمة القليلة دلالة مضاعفة، وبذلك تصبح اللغة أداة مقاومة للتبسيط، وتغدو الكتابة فعل وعي بالحدود لا ادعاءً بتجاوزها.
وتشكل الصورة السردية والانزياح الدلالي بديلًا عن التحليل النفسي المباشر؛ إذ تُجسَّد الحالات الداخلية عبر مشاهد رمزية مكثفة، فالخوف، والذاكرة، والغربة، تُحوَّل إلى فضاءات وكائنات وحركات، مما يجعل التجربة قابلة للتخيّل لا للتقرير، ويؤدي هذا إلى إشراك القارئ في إنتاج المعنى؛ إذ لا يُقدَّم له التفسير جاهزًا، بل يُدعى إلى استشعاره عبر الصورة، وبذلك يتحول السرد إلى تجربة حسية وفكرية في آن واحد، ويكتسب النص كثافة دلالية تتجاوز حدود القول المباشر.
ومن الملاحظ أن الرواية تعيد التفكير في العلاقة بين الذات والعالم من خلال تفكيك مفاهيم الاستقرار والانتماء والمعنى؛ فالعالم لا يُقدَّم بوصفه فضاءً معاديًا صريحًا، بل بوصفه فضاءً لا يحتضن، والذات لا تُقدَّم بوصفها ضحية مطلقة، بل بوصفها وعيًا مأزومًا يدرك هشاشته، ويؤدي هذا التوازن إلى تجنّب الخطاب الشَّكَويِّ، وإلى بناء سرد هادئ لكنه عميق، يجعل الغربة حالة تفكير لا حالة احتجاج، وهو ما يمنح النص نضجه الفني والفكري.
وتنزع الرواية إلى تفكيك فكرة الخلاص السردي؛ إذ لا تقدّم مسارًا ينتهي بتجاوز الغربة أو ترميم الهوية، بل تُبقي الذات داخل حالة توتر مفتوحة، فغياب الحل ليس نقصًا بنيويًا، بل هو خيار دلالي يعكس رؤية ترى أن الأسئلة الوجودية لا تُحسم سرديًا، وبذلك لا تُستخدم الرواية لتقديم أجوبة، بل لإدامة التفكير، ويغدو النص مساحة لإقامة السؤال لا لإغلاقه، ويمنح هذا الخيار السرد طابعه التأملي، ويُبعده عن المنحى التعليمي أو التقريري، ويجعل القراءة تجربة فكرية ممتدة لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة.
وتقوم العلاقة بين الذاكرة والزمن في الرواية على الاستمرار لا على الانقضاء؛ حيث لا يُغلق الماضي داخل إطار تاريخي، بل يظل فاعلًا في تشكيل الحاضر، ويؤدي هذا إلى بناء وعي زمني يرى أن التجربة لا تُستنفد بمرور الوقت، بل تتراكم وتعيد إنتاج ذاتها داخل الوعي، وبذلك، تتحول الذاكرة إلى قوة حاضرة، لا مخزونًا خامدًا، ويصبح الزمن النفسي هو الحاكم الفعلي للسرد، لا الزمن الكرونولوجي.
وتكتب الرواية الذات من موقع الهشاشة، لا من موقع البطولة أو التماسك؛ فالذات لا تدّعي امتلاك الحقيقة، ولا تسعى إلى فرض رؤيتها، بل تعترف بحدودها وتردّدها وعجزها، ويمنح هذا الاعتراف النص صدقه الإنساني، ويحوّل الضعف إلى قيمة دلالية، لا إلى علامة نقص، وبذلك تتقدّم الرواية بوصفها كتابة وعي نقدي بالذات، لا كتابة تمجيد لها، وهو ما ينسجم مع روح السرد المعاصر الذي يفضّل الاعتراف على الادّعاء.
وتنتمي الرواية إلى نمط سردي عربي معاصر يشتغل على السيرة الذاتية المؤجَّلة، حيث لا تُروى الحياة بوصفها قصة مكتملة، بل بوصفها شذرات وتأملات وهوامش، ويؤدي هذا إلى إعادة تعريف وظيفة السرد، من تمثيل الحياة إلى التفكير فيها، وبذلك تسهم الرواية في توسيع أفق السرد العربي، وتقدّم نموذجًا لكتابة الذات من موقع الهامش، بعيدًا عن البطولات والسير المنجزة.
وأخيرًا، يمكن القول إن التحليل الكلي يكشف أن رواية "سنوات المغر" رواية تكتب الغربة بوصفها طريقة في الرؤية والوجود، لا بوصفها موضوعًا سرديًا محدودًا؛ فالغربة تتجلّى في الراوي، وفي الزمن، وفي اللغة، وفي المكان، وفي بنية النص ذاتها، وبذلك تتحول الرواية إلى خطاب وعي يعيد مساءلة معنى الانتماء والهوية في عالم متحوّل، ويشكّل هذا التماسك بين الشكل والدلالة جوهر القيمة الفنية والفكرية للنص، ويؤكد أن بناء الوعي السردي هو الأداة الأساسية التي تنتج عبرها تمثلات الغربة داخل الرواية.
يخلص هذه الدراسة إلى أن رواية "سنوات المغر" تُعيد صياغة مفهوم الغربة بوصفه طريقة في الرؤية والكتابة والوجود، لا بوصفه حالة ظرفية أو تجربة انتقال مكاني؛ فقد أظهرت القراءة التركيبية أن الوعي السردي هو الأداة المركزية التي تتشكّل عبرها تمثلات الغربة، وأن تماسك الرواية لا يقوم على الحبكة، بل على انسجام الشكل السردي مع الدلالة الوجودية التي ينتجها، كما تبيّن أن اللغة المكثفة، والزمن النفسي، والمكان الرمزي، وتشظي الهوية، تشكّل منظومة واحدة تعبّر عن وعي مأزوم يكتب ذاته من موقع الهامش، وبذلك تندرج الرواية ضمن نمط سردي عربي معاصر يفضّل التأمل على الحسم، والسؤال على الجواب، والوعي على الحدث، ويسهم هذه الدراسة في إبراز القيمة السردية والفكرية للنص، وتفتح أفقًا لقراءات لاحقة تتناول الغربة والذات في الرواية العربية بوصفهما بنيتين سرديتين لا موضوعين حكائيين فحسب.
* (هذه الدراسة تلخيص لدراسة مطولة عن الرواية)
يتأسس التحليل الإجمالي لرواية "سنوات المغر" على اعتبارها نصًا سرديًا يشتغل على الوعي لا على الحدث، ويعيد تعريف وظيفة الرواية بوصفها فضاءً للتفكير لا للحكي الخطي؛ فالنص لا يسعى إلى بناء حبكة تقليدية تقوم على التطور الدرامي، بل يعتمد صوتًا داخليًا يتأمل ذاته والعالم من موقع الغربة والانكسار، ومن خلال هذا الخيار تتحول الكتابة إلى ممارسة معرفية تحاول فهم التجربة بدل إعادة تمثيلها سرديًا، وتغدو الغربة هنا ليست موضوعًا حكائيًا يمكن فصله عن البنية، بل مبدأً حاكمًا يتسرّب إلى كل مكونات الخطاب السردي، وبذلك يتقدّم الوعي بوصفه مركز الإنتاج الدلالي، ويتراجع الخارج بوصفه مادة ثانوية، ويكشف هذا المنظور أن الرواية تنتمي إلى سرد الوعي؛ حيث تُبنى الدلالة عبر التوتر النفسي، والتأمل، وتراكم الأسئلة، لا عبر تسلسل الوقائع، ومن ثم تصبح التجربة الفردية مدخلًا لطرح أسئلة وجودية أوسع تتصل بالهوية والانتماء والمعنى، ويكتسب النص طابعه التأملي العميق.
وتكشف القراءة التركيبية أن الراوي في الرواية ليس أداة نقل محايدة، بل هو ذات واعية بفعل الكتابة وبحدودها، تكتب من موقع الهامش لا من مركز اليقين، فالراوي المتكلم لا يقدّم سردًا اعترافيًا مباشرًا، ولا يسعى إلى تبرير التجربة أو تبرئة الذات، بل يكتب من موقع الشك والتردد، ويؤدي هذا إلى بناء خطاب سردي يقوم على التبئير الداخلي شبه المطلق، حيث لا يُرى العالم إلا عبر وعي مأزوم ومتشظٍّ، ومن خلال هذا التبئير، تتحول الرواية إلى مساحة اعتراف غير مكتمل، لا ينشد الكشف بقدر ما ينشد الفهم، كما أن هذا الصوت السردي يرفض الحسم، ويُبقي الأسئلة مفتوحة، مما يمنح النص بعده الوجودي، وبذلك لا تُبنى الشخصية السردية عبر الفعل، بل عبر الوعي بالفعل والعجز عنه، ويتحوّل السرد إلى تسجيل لحركة التفكير لا لحركة الحدث، وهو ما يرسّخ انتماء الرواية إلى سرد التأمل والوعي.
ويبيّن التحليل المجمل أن الغربة في الرواية لا تُقدَّم بوصفها حالة انتقال مكاني أو عزلة اجتماعية فقط، بل بوصفها اغترابًا وجوديًا يتسلل إلى علاقة الذات بذاتها وبالعالم؛ فالشخصية الرئيسية لا تشعر بالغربة لأنها خارج المكان، بل لأنها خارج المعنى، وخارج الانتماء الداخلي، وتتجلّى هذه الغربة في تشظي الهوية، وفي فقدان القدرة على تعريف الذات تعريفًا مستقرًا، وبذلك لا تصبح الغربة نتيجة ظرف، بل شرطًا بنيويًا للوجود داخل النص، كما أن الرواية لا تقدّم الغربة بوصفها أزمة قابلة للحل، بل بوصفها حالة مستمرة، تتجدد مع اللغة والزمن والمكان، ويؤدي هذا إلى بناء شخصية "الغريب" بوصفها شخصية وعي، لا شخصية حدث، تعيش التوتر بدل تجاوزه، وتختبر الوجود بوصفه عبئًا معرفيًا لا تجربة مكتملة، وهو ما يمنح النص عمقه الإنساني.
ويُظهر التحليل أن اللغة في الرواية تؤدي دورًا مركزيًا في بناء هذا الوعي، حيث تعتمد التكثيف، والاقتصاد، والصمت، والانزياح الدلالي، بدل الشرح والتفصيل؛ فاللغة لا تسعى إلى الإيضاح، بل إلى الإيحاء، ولا تدّعي احتواء التجربة، بل تعترف بعجزها عن ذلك، وتتحول الكلمات القليلة، والتوقفات، والمساحات البيضاء، إلى عناصر دلالية قائمة بذاتها، وبذلك تصبح اللغة أداة تفكير لا أداة نقل، وتعكس حدود الوعي بقدر ما تعبّر عنه، كما أن الصورة السردية تحلّ محل التحليل المباشر، فتُجسَّد الحالات النفسية عبر مشاهد رمزية مكثفة، ويكشف هذا الخيار الأسلوبي أن الرواية تنتمي إلى سرد تأملي يرى أن المعنى لا يُقال كاملًا، بل يُلمَس عبر اللغة، وهو ما ينسجم مع طبيعة الغربة بوصفها تجربة عصية على التعبير المباشر.
كما يبيّن التحليل التركيبي أن المكان في الرواية لا يُقدَّم بوصفه إطارًا جغرافيًا محايدًا، بل بوصفه فضاءً رمزيًا وذاكريًا يتداخل مع الوعي والهوية؛ فالأمكنة لا تُستعاد بمعالمها، بل بأثرها النفسي، وتغدو مرآة لحالة الذات الداخلية، ويتحوّل المكان إلى خزان للذاكرة، يحمل ما تعجز الذات عن احتماله، وتصبح الذاكرة موزعة في الفضاءات بقدر ما هي مستقرة في الوعي، وبذلك لا يحرّر الانتقال المكاني الشخصية من الغربة؛ لأن المكان الحقيقي يسكن الداخل، ويؤدي هذا إلى إلغاء فكرة الخلاص المكاني، وترسيخ رؤية ترى أن الأزمة وجودية لا جغرافية، ومن ثم يغدو المكان عنصرًا دلاليًا فاعلًا في إنتاج المعنى، ويكتمل عبره بناء الغربة بوصفها بنية شاملة تحكم النص.
ويكشف التحليل المجمل أن الزمن السردي في الرواية لا يعمل بوصفه إطارًا خطيًا للأحداث، بل بوصفه زمنًا نفسيًا يتشكّل وفق منطق الذاكرة والوعي؛ فالماضي لا يُستعاد بوصفه مرحلة منتهية، بل بوصفه أثرًا مستمرًا يتداخل مع الحاضر ويعيد تشكيله، ويؤدي هذا إلى تفكيك التسلسل الزمني التقليدي، حيث تتجاور الأزمنة وتتداخل دون فواصل واضحة، وبذلك، يتحول الاسترجاع من تقنية حكائية إلى بنية وجودية تعبّر عن عجز الذات عن تجاوز تجربتها، كما أن تعليق الزمن أو توقّفه عند لحظات بعينها، يعكس انسداد الأفق الوجودي، ويجعل السرد أقرب إلى إقامة طويلة في لحظة مأزومة، ويكشف هذا البناء الزمني أن الرواية لا تحكي ما حدث، بل تحكي كيف يستمر الحدث في الوعي، وهو ما يعمّق الطابع التأملي للنص، ويجعل الزمن عنصرًا دلاليًا فاعلًا في إنتاج المعنى.
وتؤكد القراءة التركيبية أن بناء الشخصية في الرواية لا يقوم على التحول الدرامي أو النمو السلوكي، بل على تكثيف الإحساس الداخلي بالغربة والتشظي؛ فشخصية "الغريب" لا تتطوّر بقدر ما تنكشف، ولا تتغيّر بقدر ما تتعرّى، ويُبنى حضورها السردي عبر وعيها بذاتها وبعجزها عن الاندماج في العالم، ومن ثم تصبح الشخصية مركزًا تأمليًا تتقاطع فيه الأسئلة الوجودية حول الهوية والمعنى والانتماء، كما أن غياب الفعل الحاسم لا يُعدُّ نقصًا بنيويًا، بل خيارًا جماليًا يعكس رؤية ترى أن الأزمة الحقيقية ليست في الخارج، بل في الداخل، وبذلك تتحول الشخصية إلى تمثيل إنساني عام، لا حالة فردية معزولة، ويكتسب النص بعده الإنساني الواسع.
ويُظهر التحليل أن الغربة الاجتماعية في الرواية لا تُقدَّم عبر صدامات واضحة أو إقصاء مباشر، بل عبر مسافات صامتة وحواجز غير مرئية؛ فالذات تعيش بين الآخرين دون أن تكون جزءًا منهم، وتختبر العزلة داخل الحضور لا خارجه، ويؤدي هذا إلى تعميق الإحساس بالوحدة؛ لأن الغربة هنا لا تسمح بالانسحاب الكامل ولا بالاندماج الحقيقي، وبذلك تتخذ الغربة طابعًا هادئًا لكنه عميق الأثر، يتسلل إلى العلاقات اليومية ويعيد تشكيلها من الداخل، ويكشف هذا التمثيل أن الرواية لا تبحث عن دراما اجتماعية، بل عن تشريح دقيق لتجربة الإقصاء الصامت، وهو ما يعزّز بعدها الواقعي والوجودي في آن واحد.
كما يبيّن التحليل التركيبي أن الاغتراب الوجودي يمثّل ذروة تمثلات الغربة في النص، حيث لا تعود الأزمة مرتبطة بالمكان أو المجتمع فقط، بل بمعنى الوجود ذاته؛ فالذات تفقد يقينها بهويتها، وتشعر بانفصالها عن حياتها، وتعيش وجودها بوصفه عبئًا يُحتمل لا تجربة تُختار، ويؤدي هذا إلى تفكك العلاقة بين الوعي والفعل، حيث تتحول الذات إلى مراقب سلبي لمسارها، وبذلك تغدو الرواية تأملًا في حدود المعنى، وفي عجز الإنسان المعاصر عن إنتاج يقين ثابت في عالم متغير، ويكشف هذا البعد أن النص لا يقدّم حلولًا أو خلاصات، بل يترك الذات داخل سؤال مفتوح، وهو ما يمنحه عمقه الفلسفي.
وتؤكد القراءة الشاملة أن العلاقة بين الشكل السردي والدلالة في الرواية علاقة عضوية، حيث لا يمكن فصل التقنية عن المعنى؛ فالتبئير الداخلي، والتشظي الزمني، واللغة المكثفة، والصورة السردية، وتمثيل المكان، كلها عناصر تتكامل لإنتاج خطاب الغربة، وبذلك لا تُفهم الغربة بوصفها ثيمة تُضاف إلى النص، بل بوصفها منطقًا بنيويًا ينظّم الكتابة من الداخل، ويكشف هذا التكامل أن الرواية تكتب الغربة بوصفها طريقة في الرؤية والوجود، لا بوصفها حالة طارئة أو موضوعًا سرديًا محدودًا.
ويكشف التحليل كذلك أن الرواية تعتمد وعيًا أجناسيًا واضحًا، يتجلّى في تذبذب النص بين السيرة والرواية دون استقرار نهائي في أيٍّ منهما؛ فالنص لا يقدّم نفسه بوصفه سيرة ذاتية مكتملة، ولا يتخفّى كليًا خلف التخييل الروائي، بل يكتب ذاته من موقع الهامش، حيث تتداخل التجربة الشخصية مع البناء الفني، ويؤدي هذا الوعي الأجناسي إلى تحرير السرد من سلطة القالب الجاهز، ويمنحه قدرة على التجريب في الشكل والصوت والزمن، وبذلك تصبح "الهوامش" استراتيجية سردية واعية، لا توصيفًا شكليًا، تُستخدم لتفكيك مركزية الحكاية وإعادة توزيع المعنى، ويكشف هذا الخيار أن الرواية ترفض الاكتمال الأجناسي كما ترفض الاكتمال الوجودي، وتبني خطابها على النقص بوصفه قيمة تعبيرية.
كما يبيّن التحليل أن التقطيع والتشظي في بنية النص لا يمثلان ضعفًا في التنظيم، بل انعكاسًا صادقًا لتجربة وعي غير متماسكة؛ فاستقلال المقاطع، وغياب الترابط السببي الصارم يتيحان للنص أن يتحرك وفق منطق التداعي لا منطق الحبكة، ويؤدي هذا إلى تحويل القراءة من تتبع للحكاية إلى مرافقة لحالات الوعي المتعاقبة، وبذلك يصبح التفكك البنيوي وسيلة لتمثيل التفكك الداخلي، ويتحوّل التشظي إلى أداة جمالية تعبّر عن طبيعة التجربة، لا عن عجز تقني في الكتابة.
ويُظهر التحليل أن اللغة في الرواية لا تؤدي وظيفة تمثيلية فحسب، بل تقوم بدور معرفي يعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم؛ فاللغة لا تصف الواقع كما هو، بل كما يُرى من داخل وعي مأزوم، وهو ما يجعلها لغة منحازة للتجربة لا للموضوعية، ويؤدي هذا الانحياز إلى بناء خطاب لغوي يرفض البلاغة الزخرفية، ويعتمد البساطة المشحونة، حيث تحمل الكلمة القليلة دلالة مضاعفة، وبذلك تصبح اللغة أداة مقاومة للتبسيط، وتغدو الكتابة فعل وعي بالحدود لا ادعاءً بتجاوزها.
وتشكل الصورة السردية والانزياح الدلالي بديلًا عن التحليل النفسي المباشر؛ إذ تُجسَّد الحالات الداخلية عبر مشاهد رمزية مكثفة، فالخوف، والذاكرة، والغربة، تُحوَّل إلى فضاءات وكائنات وحركات، مما يجعل التجربة قابلة للتخيّل لا للتقرير، ويؤدي هذا إلى إشراك القارئ في إنتاج المعنى؛ إذ لا يُقدَّم له التفسير جاهزًا، بل يُدعى إلى استشعاره عبر الصورة، وبذلك يتحول السرد إلى تجربة حسية وفكرية في آن واحد، ويكتسب النص كثافة دلالية تتجاوز حدود القول المباشر.
ومن الملاحظ أن الرواية تعيد التفكير في العلاقة بين الذات والعالم من خلال تفكيك مفاهيم الاستقرار والانتماء والمعنى؛ فالعالم لا يُقدَّم بوصفه فضاءً معاديًا صريحًا، بل بوصفه فضاءً لا يحتضن، والذات لا تُقدَّم بوصفها ضحية مطلقة، بل بوصفها وعيًا مأزومًا يدرك هشاشته، ويؤدي هذا التوازن إلى تجنّب الخطاب الشَّكَويِّ، وإلى بناء سرد هادئ لكنه عميق، يجعل الغربة حالة تفكير لا حالة احتجاج، وهو ما يمنح النص نضجه الفني والفكري.
وتنزع الرواية إلى تفكيك فكرة الخلاص السردي؛ إذ لا تقدّم مسارًا ينتهي بتجاوز الغربة أو ترميم الهوية، بل تُبقي الذات داخل حالة توتر مفتوحة، فغياب الحل ليس نقصًا بنيويًا، بل هو خيار دلالي يعكس رؤية ترى أن الأسئلة الوجودية لا تُحسم سرديًا، وبذلك لا تُستخدم الرواية لتقديم أجوبة، بل لإدامة التفكير، ويغدو النص مساحة لإقامة السؤال لا لإغلاقه، ويمنح هذا الخيار السرد طابعه التأملي، ويُبعده عن المنحى التعليمي أو التقريري، ويجعل القراءة تجربة فكرية ممتدة لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة.
وتقوم العلاقة بين الذاكرة والزمن في الرواية على الاستمرار لا على الانقضاء؛ حيث لا يُغلق الماضي داخل إطار تاريخي، بل يظل فاعلًا في تشكيل الحاضر، ويؤدي هذا إلى بناء وعي زمني يرى أن التجربة لا تُستنفد بمرور الوقت، بل تتراكم وتعيد إنتاج ذاتها داخل الوعي، وبذلك، تتحول الذاكرة إلى قوة حاضرة، لا مخزونًا خامدًا، ويصبح الزمن النفسي هو الحاكم الفعلي للسرد، لا الزمن الكرونولوجي.
وتكتب الرواية الذات من موقع الهشاشة، لا من موقع البطولة أو التماسك؛ فالذات لا تدّعي امتلاك الحقيقة، ولا تسعى إلى فرض رؤيتها، بل تعترف بحدودها وتردّدها وعجزها، ويمنح هذا الاعتراف النص صدقه الإنساني، ويحوّل الضعف إلى قيمة دلالية، لا إلى علامة نقص، وبذلك تتقدّم الرواية بوصفها كتابة وعي نقدي بالذات، لا كتابة تمجيد لها، وهو ما ينسجم مع روح السرد المعاصر الذي يفضّل الاعتراف على الادّعاء.
وتنتمي الرواية إلى نمط سردي عربي معاصر يشتغل على السيرة الذاتية المؤجَّلة، حيث لا تُروى الحياة بوصفها قصة مكتملة، بل بوصفها شذرات وتأملات وهوامش، ويؤدي هذا إلى إعادة تعريف وظيفة السرد، من تمثيل الحياة إلى التفكير فيها، وبذلك تسهم الرواية في توسيع أفق السرد العربي، وتقدّم نموذجًا لكتابة الذات من موقع الهامش، بعيدًا عن البطولات والسير المنجزة.
وأخيرًا، يمكن القول إن التحليل الكلي يكشف أن رواية "سنوات المغر" رواية تكتب الغربة بوصفها طريقة في الرؤية والوجود، لا بوصفها موضوعًا سرديًا محدودًا؛ فالغربة تتجلّى في الراوي، وفي الزمن، وفي اللغة، وفي المكان، وفي بنية النص ذاتها، وبذلك تتحول الرواية إلى خطاب وعي يعيد مساءلة معنى الانتماء والهوية في عالم متحوّل، ويشكّل هذا التماسك بين الشكل والدلالة جوهر القيمة الفنية والفكرية للنص، ويؤكد أن بناء الوعي السردي هو الأداة الأساسية التي تنتج عبرها تمثلات الغربة داخل الرواية.
يخلص هذه الدراسة إلى أن رواية "سنوات المغر" تُعيد صياغة مفهوم الغربة بوصفه طريقة في الرؤية والكتابة والوجود، لا بوصفه حالة ظرفية أو تجربة انتقال مكاني؛ فقد أظهرت القراءة التركيبية أن الوعي السردي هو الأداة المركزية التي تتشكّل عبرها تمثلات الغربة، وأن تماسك الرواية لا يقوم على الحبكة، بل على انسجام الشكل السردي مع الدلالة الوجودية التي ينتجها، كما تبيّن أن اللغة المكثفة، والزمن النفسي، والمكان الرمزي، وتشظي الهوية، تشكّل منظومة واحدة تعبّر عن وعي مأزوم يكتب ذاته من موقع الهامش، وبذلك تندرج الرواية ضمن نمط سردي عربي معاصر يفضّل التأمل على الحسم، والسؤال على الجواب، والوعي على الحدث، ويسهم هذه الدراسة في إبراز القيمة السردية والفكرية للنص، وتفتح أفقًا لقراءات لاحقة تتناول الغربة والذات في الرواية العربية بوصفهما بنيتين سرديتين لا موضوعين حكائيين فحسب.
* (هذه الدراسة تلخيص لدراسة مطولة عن الرواية)