عبدالرحيم التدلاوي - قراءة تحليلية لمجموعة "جفاء" لعبدالسلام بوكورات

سررت باكتشاف الوجه الثاني والمخفي للمبدع عبد السلام بوكورات؛ فخلف المترجم الفنان يكمن القاص البارع. والاكيد أن ترجماته سيكون لها الأثر البالغ في كتاباته القصصية؛ وسيستفيد من شكل بنائها ومن تقنياتها.
ولن يكون وكدنا في الاشتباك مع مجموعته القصصية ؛جفاء؛ إبراز هذه العناصر بل تحليل قصصها.

تمهيد:
تمثل مجموعة "جفاء" للقاص عبد السلام نموذجاً متميزاً للأدب القصصي المعاصر، حيث تبرز براعة الكاتب في توظيف تقنيات سردية متطورة لمعالجة قضايا إنسانية معاصرة. من خلال مزج الواقعي بالفانتاستيكي، واستخدام المفارقة والسخرية السوداء، يقدم الكاتب رؤية نقدية عميقة للواقع الاجتماعي والسياسي. هذه المجموعة تستحق الدراسة والتحليل لما تقدمه من رؤى فنية وفكرية تستحق التأمل.
داخل أروقة المجموعة:
يَبني عبد السلام عوالمه التخييلية باعتماد المفارقة والسخرية السوداء في قراءة واقع لا يني يفاجئنا بتناقضاته المثيرة للدهشة. وللقبض على بعض جوانبه، نراه يوظف التناص بشكل ذكي لتشييد دلالاته المتعددة، فضلاً عن الفانطاستيك الذي يضع القارئ في حيرة من أمره. وتلك التقنيات جميعها ترمي إلى إخراج المتلقي من كهف الظلال إلى نور الوعي ليفهم واقعها المر بما يشتمل عليه من أحداث لاواقعية تتجاوز كل القوانين العقلية المعروفة.
وقبل تناول العمل، نشير إلى بعض الأمور؛ ومنها حضور كلمة "جفاء" بكل مشمولاتها الدالة على النفور والابتعاد واليبوسة في آخر قصة بالمجموعة، لتكون رأس العمل وأطرافه السفلية، بل لتكون محور كل القصص بشكل من الأشكال، لقد جعلنا المبدع نتخيل الجفاء انسانا يمشي بيننا عارضا علينا الجفاء الذي استحوذ على حياتنا بمختلف تجلياتها، وتشتمل كلمة الجفاء على كلمة الجفاف العاطفي والنفسي والاجتماعي... الأمر الثاني أن التجنيس أشار إلى أن النصوص عبارة عن قصص دون تحديد للخانة التي تنتمي إليها بالضبط، وبتفحص سريع يتبين لنا أن العمل يجمع بين القصة القصيرة والقصيرة جدا. الأمر الثالث أن القصص تتفاوت في ما يخص الحجم؛ فهناك التي تكتفي بالصفحة الواحدة، وهناك من تمتد إلى أكثر من أربع صفحات لتبلغ اثنتي عشرة صفحة، كمثل قصة المبتدأ أو الافتتاح "الحافلة اللعينة".
تعالج المجموعة العديد من القضايا ذات الطابع السياسي والاجتماعي والنفسي، وتعرضها بأسلوبها الخاص الذي يميزها عن غيرها. فنرى السارد يعرض علينا قضية التسلط الإداري من خلال خليفة يعاني من اهتزاز نفسي يسعى إلى إخفائه من خلال تسلطه، والفساد السياسي مع تركيز على القضايا الاجتماعية وبخاصة قضية المرأة سواء تلك الحانية أو المقهورة دون ميل لجانب على حساب جانب آخر، فضلاً عن قضية الهجرة السرية، والتفكك الأسري وانعكاسه على نفسية الأبناء.
ونحن نستعرض تقنيات الكتابة في مجموعة "جفاء"، نجد أن القصة التي منحت اسمها لكامل العمل تنطوي على مجموعة من العناصر التي تجعلنا نطرح قضية العلاقة بين الأزواج. وقد تم تناولها من منظور واقعي، إلا أن تقنية السرد جعلتها تختلف عن طريقة معالجة غيرها للموضوع نفسه، ذلك أن السارد يكاد يشبه كاهناً ينصت لمعاناة الزوج عبر المونولوج وحوار تخييلي بينه وبين زوجته وبينه وبين السارد الذي صار طرفاً في القصة.
وما يثير الانتباه أن القصة بنيت من وجهة شخصية الزوج وتم تغييب وجهة نظر الزوجة، وكان هذا التغييب نوعاً من انتقام الزوج منها، هي المستحوذة على الكلام خارج القصة. ومما تضمنته القصة أيضاً التناص بطريقة خفيفة وبإشارة سريعة تعبر عن حالة الجفاء، فلم يكن استدعاء الآية للزينة وهو أمر غير مستبعد، ولكن كان لتقوية دلالة الجفاء التي يعاني منها الزوج.
تحضر الشعوذة والاعتقاد بالخرافة والكائنات الخفية واللامرئية في مجموعة من القصص، ومنها قصة "العودة" و"اعويشة" التي تجمع بين الشخصية الواقعية والخرافية. واستحضار هذا المكون الشعبي كان من أجل قراءة الواقع الاجتماعي والسياسي بطريقة فنية جذابة. ومن الأمثلة الدالة على ذلك قضية سلب أراضي الناس وتوتر العلاقة بين الرجل والمرأة.
وفي ما يخص قصة "صاحبة الهاتف الرنان"، فهي مبنية كلها على الافتراض، فصاحبة الهاتف كما السارد، كل واحد منهما يتخيل الآخر كما يتصوره في ذهنه ويتخيله وفق رغباته لا كما هو حقيقة. لكننا نجد أن تخيلات صاحبة الهاتف يمر من خلال مصفاة السارد، وتنتهي القصة واقعياً، أي بواقع لقاء سريع بين الطرفين على عتبة بوابة الخروج.
لعل من بين أهم القضايا التي استأثرت باهتمام المبدع قضية الإيمان بالخرافات والاهتمام بالشعوذة، وهي مسألة تمس مختلف شرائح المجتمع ومنها طبقة السياسيين الذين يبحثون عن كل السبل للبقاء متحكمين في رقاب العباد ويستفيدون من الريع السياسي.
يقدم السارد في قصة "الرجل والمرآة" حالة رجل بلغ سن التقاعد وما يعانيه جراء تقدمه في السن. تعالج القصة أثر الزمن في نفسية الإنسان الطامح دائماً في شباب لا يزول ولا ينقضي. وهي قصة ذات طابع نفسي تشي بما يعانيه الكثيرون ممن يرفضون تقدمهم في العمر ويسعون جاهدين إلى تبطيئه ما أمكن.
والأمر نفسه نجده في قصة "علي والملاك" التي اعتمدت في مقام مهم على تقنية المونولوج لطرح المعاناة النفسية لعلي جراء تنمر أصدقائه به. لم يكن استدعاء علي للملاك إلا من أجل التعويض عن حرمانه من الدفء الأسري وعن عجزه عن رد الإساءة بمثلها.
كان الملاك "هو الوحيد الذي ينصت اليه ويرتاح لحضوره. في غيابه يفقد توازنه ويشعر بانه متروك لقدر مجهول.. ص 83. يمكن اعتبار الملاك بمثابة أبيه الثاني بعد أن غاب أبوه الحقيقي، وبعودته سيختفي الملاك ويشعر بدفء أبيه الذي سيتزوج من خالته التي أضمرت حبا له رغم أنه كان سببا في وفاة أختها..
على سبيل الختم:
تمثل مجموعة "جفاء" لعبد السلام إضافة نوعية للأدب القصصي المعاصر، حيث تمكن الكاتب من خلال توظيفه الذكي للتقنيات السردية المتنوعة من تقديم رؤية نقدية عميقة للواقع الإنساني. استطاع الكاتب أن يدمج بين الواقعي والفانتاستيكي، وأن يستخدم التناص والمونولوج والسخرية السوداء لتقديم تحليل نفسي واجتماعي وسياسي للمجتمع المعاصر. تبقى هذه المجموعة نموذجاً متميزاً للأدب الهادف الذي يلامس هموم الإنسان المعاصر ويقدمها في قالب فني مبدع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...