خالد صالح عطية - حين يتحوّل التحليل إلى إدارة للهزيمة قراءة في خطاب ما بعد الإبادة

يأتي هذا النص بوصفه محاولة لتفكيك منطقٍ آخذٍ في التحوّل إلى خطابٍ سائد في مقاربة لحظة ما بعد الإبادة .
ليس كل خطاب يبدو واقعيًا واقعيًا فعلًا، ولا كل تحليل يعلن قسوته يلامس جوهر ما يجري. أحيانًا، تكون أخطر النصوص هي تلك التي تبدو متوازنة، عقلانية، ومليئة بالتحذير، لكنها تنتهي – من حيث لا تعلن – إلى إعادة إنتاج المنطق ذاته الذي يفترض أنها تحلّله. ففي لحظات الكسر التاريخي، لا يكون السؤال: هل الوصف دقيق؟ بل: إلى أي أفق يقود هذا الوصف؟ وهل يفتح إمكانًا سياسيًا، أم يغلقه باسم “العقلانية” و”تفادي الأسوأ”؟

ينطلق الخطاب الذي يتناول “المرحلة الثانية” الإسرائيلية من افتراض يبدو بديهيًا: إسرائيل لا تلتزم بالاتفاقات، وتجزّئها، وتستثمر قوتها لفرض وقائع جديدة. هذا توصيف صحيح. غير أن الإشكال لا يكمن هنا، بل في القفزة التالية: تحميل الفاعل الفلسطيني مسؤولية فشل مسار لم يكن، بنيويًا، مطروحًا أصلًا بوصفه مسارًا سياسيًا قابلًا للتحقق.

فالحديث عن “مرحلة ثانية” يُفترض فيه وجود تماثل تفاوضي، أو على الأقل نية إسرائيلية مؤجلة للانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية. لكن الوقائع التي يُسردها الخطاب ذاته تنقض هذا الافتراض: أنفاق حدودية تُحوَّل إلى خطوط دائمة، مدن ذكية مغلقة في رفح، رفض ربط الإعمار بأي انسحاب، وإصرار معلن على السيطرة الكاملة. هذه ليست مؤشرات تعثّر مرحلة، بل دلائل على غيابها من الأساس.

هنا تظهر أولى المغالطات : مساءلة الفلسطيني عن فشل مسار لم يكن مطروحًا إلا كأداة ضغط. فحين تُغلق السياسة من طرف القوة المهيمنة، لا يصبح بطء الضحية أو سوء إدارتها تفسيرًا كافيًا، بل يتحول إلى ذريعة لإزاحة مركز التحليل من بنية السيطرة إلى سلوك الواقع تحتها.

الأخطر من ذلك هو الانزلاق من التشخيص إلى الحكم النهائي. إعلان “الهزيمة” بوصفها حقيقة مكتملة لا يُستخدم هنا كمدخل لإعادة التفكير في شروط الصراع، بل كأداة لإغلاق أفق السياسة. فالهزيمة، في التحليل التاريخي، ليست لحظة أخلاقية ولا توصيفًا نفسيًا، بل وضع قابل للتحول، مرتبط بتغير السياقات، وتبدّل موازين القوى، وقدرة المجتمع على إعادة تنظيم ذاته. أما تحويلها إلى نتيجة نهائية، فهو انتقال صريح من منطق الصراع إلى منطق الإدارة.

وحين يُقال إن الإبادة توقفت فقط لأن الفلسطيني “سلّم”، فإن هذا يغفل، عمدًا أو سهوًا، شبكة العوامل التي فرضت على إسرائيل إعادة التموضع: ضغط الرأي العام العالمي، التهديد القانوني، الكلفة العسكرية، الانكشاف الأخلاقي، وتصدعات الدعم الغربي. اختزال كل ذلك في “قرار فلسطيني” لا يُبسط الواقع، بل يسطّحه، ويعيد إنتاج سردية ترى الفلسطيني مجرد متلقٍّ لا فاعلًا، حتى في صموده.

كما أن المقارنات التي تُساق لتبرير منطق السيطرة – كتشبيه إسرائيل بالولايات المتحدة في ألمانيا واليابان – تعاني من خلل بنيوي. فالولايات المتحدة، مهما كان تاريخها الإمبريالي، احتلت دولًا ثم أعادت بناء كيانات سيادية. أما إسرائيل، فهي مشروع استعماري إحلالي لا يسعى لإدارة شعب آخر، بل لإزاحته أو تفريغه من معناه السياسي. تشبيه النموذجين لا يفسر الواقع، بل يطبّعه.

وفي هذا السياق، يصبح اختزال المجتمع الفلسطيني في فصيل مسلح اختزالًا خطيرًا. ليس لأن الفصائل خارج النقد، بل لأن هذا الاختزال ينسجم تمامًا مع المنطق الإسرائيلي: لا شعب، بل تنظيم. لا مجتمع، بل “مشكلة أمنية”. وهو ما يُغفل حقيقة أثبتها التاريخ الفلسطيني مرارًا: أن القدرة على الصمود والابتكار لم تكن يومًا حكرًا على بنية فصائلية، بل نتاج مجتمع حي أعاد إنتاج ذاته من النكبة إلى المخيم، ومن الحصار إلى الإبادة.

السؤال الحقيقي، الذي يجري القفز عنه، ليس: ماذا يمكن للفلسطينيين أن يفعلوا لتفادي ذرائع إسرائيل؟ بل: كيف نمنع تحويل الإبادة إلى نظام إدارة دائم؟ كيف نمنع أن تتحول “المدينة الذكية” إلى غيتو حديث؟ كيف نفصل بين إدارة الحياة – كضرورة أخلاقية – وبين مصادرة السياسة باسم الاستقرار؟

الخطاب الذي ينتهي عند نصيحة “تقليل الخسائر” دون مساءلة بنية الخسارة ذاتها، يتحول – مهما كانت نواياه – إلى جزء من هندسة ما بعد الإبادة. فإدارة الألم ليست سياسة، وضبط المجتمع ليس مشروعًا وطنيًا، وتفادي الأسوأ لا يبني أفقًا.

النقد الحقيقي لا يبدأ من سؤال: كيف نُرضي ميزان القوى؟ بل من سؤال أكثر إزعاجًا: كيف نمنع ميزان القوى من أن يصبح قدرًا تاريخيًا؟
وحين يغيب هذا السؤال، يتحول التحليل – مهما بدا واقعيًا – إلى خطاب عقلاني لتطبيع الهزيمة، لا إلى أداة لفهمها وتجاوزها .
فهنا تحديدًا تصبح الإجابة السهلة، لا بوصفها خطأً سياسيًا فحسب، بل شكلًا من أشكال إعادة إنتاج الإبادة بلغة ناعمة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...