سعيد حجي - ما نراه اليوم غير مألوف في التداول

ما نراه اليوم غير مألوف في التداول، غير مُستساغ في السمع، يولد في الهامش، في الزوايا التي لا يلتفت إليها أحد، في المساحات التي تُحسب على الصدفة أو على الاستثناء، ثم يبدأ في التمدد ببطء، تمدد الرطوبة في الجدران القديمة، لا صوت له، لا إعلان، فقط أثر يتسع…
العيب حين يروى كحادث منفرد، يتلقى أول الأمر بنوع من الاستغراب، ثم بشيء من الفضول، ثم بابتسامة ساخرة ، ثم بتسامح كسول، ثم بتبرير ثقيل، ثم يصير مألوفا كأي خبر ، كأي كلمة لا تثير الانتباه...
إلى وقت قريب، كانت الكلمات الخادشة للحياء تقال همسا، تُسرق سرقة من العتمة، تُخفى خلف الضحك المتكلف، تُحمّل شعورا بالحرج، بالذنب، بالانكشاف…
ثم بدأ الأمر من فرد واحد، من صوت شاذ، من نبرة نشاز، من فم لا يخجل، ثم تكاثر الصوت، ثم صار جماعة صغيرة، ثم تحوّل إلى نغمة، ثم إلى قاموس، ثم إلى لغة متداولة في الشارع، في الحافلة، في المدرسة، في الهاتف، تقال بلا ارتباك، بلا تردد، كأن الحياء كان خطأ لغويا تم تصحيحه....
ما نسمعه اليوم في بعض المقاطع المصورة من ألفاظ مُخلة، صادرة عن أشخاص يُعدّون على الأصابع، يُقرأ عادة بوصفه انحرافا معزولا، زلة، خروجا عن الذوق العام… غير أن الاجتماع البشري لا يحاكم الظواهر بنيّاتها، بل بقابليتها للانتقال....
الثقافة لا تبنى بالأغلبية، تُبنى بالتكرار… ومع التكرار تصاب الحساسية الأخلاقية بالتبلد، ويصاب الوعي الجمعي بما يشبه التخدير الرمزي، فتسقط الكلمات من خانة الصدمة إلى خانة الاعتياد.
سيأتي زمن يتكلم فيه الطفل مع من يكبره سنا بلغة "تحت الحزام" بلا شعور بالتجاوز، بلا إحساس بحدود العمر، بلا وعي بمسافة الرمزية التي كانت تفصل الأجيال.
سيغدو الجسد موضوعا لغويا عاديا، وستتحول الإيحاءات إلى مفردات يومية، وستفقد اللغة وظيفتها التربوية، وتتحول إلى أداة استهلاك لفظي سريع، خالية من الحشمة، خالية من الوقار....
المرأة والرجل معا، دون تمييز، سينزلقان إلى قاموس واحد، قاموس مفرغ من الحياء، منزوع الرهبة، يُستعمل فيه الابتذال كما تُستعمل التحية، ليس لأن الفطرة تغيرت، إنما لأن المعايير تآكلت...
حين تُهدم الحدود اللغوية، تهدم الحدود النفسية، وحين تُهدم الحدود النفسية، يتغير شكل الإنسان من الداخل، وتعاد صياغة الحس الأخلاقي وفق منطق السوق، منطق الانتشار، منطق المشاهدة...
ما يُنظر إليه الآن باعتباره مصطلحات صادرة عن أفراد معزولين، سيغدو يوما ما لغة الجماعة، تردد دون مركب نقص، دون إحساس بالانحدار، دون سؤال عن المعنى أو العاقبة.
التحول هنا لا يحدث قفزا، يحدث بالتراكم، بالاعتياد، بتعوّد العين على القبح حتى تفقد قدرتها على النفور، بتعوّد الأذن على الفحش حتى تفقد قدرتها على الاشمئزاز...
في عمق هذه الظاهرة، تعمل آليات التطبيع، والتعويم القيمي، وإعادة تشكيل الذوق العام، حيث يعاد تعريف المقبول والمرفوض، الجميل والقبيح، الراقي والمبتذل، وفق إيقاع الاستهلاك الرقمي، لا وفق حكمة التجربة الإنسانية.
وهنا يصبح الكلام عن الأخلاق كلاما عن البنية، عن اللغة بوصفها حاملة للقيم، عن اللفظ بوصفه ممارسة اجتماعية لا تفريغا صوتيا...
في هذا السياق، يمرّ خاطر ثقيل… ذلك الذي تركه مالك بن نبي عالقا في الذاكرة، حين أشار إلى أن المجتمع حين يفقد منظومته القيمية لا ينهار دفعة واحدة، بل يتحلل، يتفسخ، يُصاب بما يشبه العطب الداخلي الذي يجعل كل شيء قائما في الظاهر، منهارا في الجوهر...
لذلك، اختيار الذوق ليس ترفا، اختيار اللغة ليس مسألة شكل، اختيار المفردة فعل أخلاقي طويل الأثر.
ما نزرعه اليوم في ألسنتنا، نحصد نتائجه في أبنائنا، في مدارسهم، في شوارعهم، في طريقة فهمهم لذواتهم وللآخر.
وحين تُرفع الأخلاق عن المجتمع، لا تختفي الحياة، تستمر، تمشي، تضحك، تستهلك، غير أن المعنى يغيب، والإنذار يصبح متأخرا، ويقترب المصير الذي أنذر به النص القرآني حين ترتفع القيم، ويُترك الإنسان لفراغه، لغرائزه، لانفلاته…
هناك، حيث لا حدود، لا حواجز، لا حياء… يصبح السقوط جماعيا، صامتا، عاديا… تماما كما بدأت الحكاية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...