لم يكن كسرُ الصمت فعلًا ثقافيًا فقط.
لم تبدأ الحكاية من مسرح، ولا من فيلم، ولا من بيان فنان.
الحكاية، في لحظتها الأخطر، جاءت من أكبر فعالية بشرية متكرّرة على سطح الأرض:
كرة القدم.
نحن لا نتحدث عن لعبة،
ولا عن جمهورٍ محدود،
بل عن منظومة تُشاهَد من مليارات البشر،
تدخل كل بيت،
وتُشكّل وعيًا جمعيًا عابرًا للغات، والأديان، والحدود.
ولهذا، حين تتحرك كرة القدم، لا تتحرك الرياضة فقط…
يتحرّك العالم.
في هذا السياق، يصبح ظهور بيب غوارديولا في فعالية داعمة لفلسطين حدثًا مفصليًا، لا لأنه “تضامن”، بل لأنه تكلم من مركز الثقل داخل اللعبة.
غوارديولا ليس صوتًا هامشيًا، ولا مدربًا عابرًا في سجل البطولات.
هو أحد العقول التي أعادت تعريف كرة القدم الحديثة.
وحين وقف وتكلم عن طفلٍ يبحث عن أمه تحت الأنقاض،
لم يكن صوته منفصلًا عن المدرّج.
كان امتدادًا لما كان يحدث هناك، بالفعل.
في ليالي دوري الأبطال،
لم تعد المدرّجات كما كانت.
في غلاسكو، رفعت جماهير سيلتيك أعلام فلسطين بكثافة،
حتى تحوّل الأخضر والأبيض إلى بحرٍ آخر،
بحرٍ يعرف أن الغرامة قادمة،
ومع ذلك لا يتراجع.
في باريس،
على مدرجات باريس سان جيرمان،
ارتفعت لافتة واحدة، بسيطة، مباشرة:
Free Palestine.
لم تكن شتيمة،
ولا تحريضًا،
بل جملةً تعرف طريقها.
الكاميرا التقطتها،
والعالم قرأها،
والمؤسسة ارتبكت:
هل تعاقب الصورة… أم تعاقب نفسها؟
في إسبانيا،
لم يكن المشهد أقل وضوحًا.
على مدرجات برشلونة،
وفي مباريات عادية لا تحمل عنوان “التضامن”،
ظهرت الأعلام الفلسطينية بين الجماهير،
ليس بوصفها حدثًا منظّمًا،
بل بوصفها وعيًا شعبيًا خرج من الصمت.
حتى ريال مدريد،
ذلك النادي المرتبط تاريخيًا بالمؤسسة الإسبانية،
لم يستطع منع الصورة من التسلّل:
علم هنا،
كوفية هناك،
وهتافٌ يخرج ثم يعود إلى الصدر،
لكنه يكون قد وصل.
ولم يكن الجمهور وحده من تحرّك.
لاعبون عالميون،
يعرفون تمامًا ثمن الإشارة،
لم يستطيعوا الادّعاء بأنهم لا يرون.
ليونيل ميسي،
سفير النوايا الحسنة السابق،
لم يخرج ببيان سياسي،
لكنه حافظ على صمته خارج الضجيج الدعائي،
واختار أن تبقى فلسطين في مساحات العمل الإنساني لا في بازار المواقف.
كريستيانو رونالدو،
الاسم الذي يتابعه مئات الملايين،
كان قد ربط اسمه بالقضية الفلسطينية قبل الطوفان بسنوات،
عبر إهداءات، ومواقف إنسانية،
وعبر رفض تحويل فلسطين إلى “خبر موسمي”.
وهنا بالضبط تكمن الدلالة:
ليس كل موقف يحتاج صورة في الملعب،
لكن كل صمت بعد الإبادة صار موقفًا بحد ذاته.
ثم جاء المشهد الذي لا يمكن تجاهله:
إسبانيا.
لم يكن الأمر مقتصرًا على موقف سياسي رسمي،
بل على فتح الملاعب.
استُقبل المنتخب الفلسطيني على الأراضي الإسبانية،
ولُعبت مباريات ودّية أمام جمهورٍ حضر لا ليرى نتيجة،
بل ليقول:
نراكم.
في مدرجات بيلباو،
وقف عشرات الآلاف،
لا يعرفون أسماء اللاعبين الفلسطينيين،
لكنهم يعرفون القصة.
صفّقوا للنشيد،
ورفعوا الأعلام،
وحين تحرّكت الكرة،
كانت فلسطين داخل المباراة،
لا في هامشها.
هنا، لم تعد المقارنة مع الثقافة والفنون نظرية.
الفن قال كلمته، نعم.
لكن كرة القدم جسّدتها.
الفيلم يُشاهد،
لكن المباراة تُعاش.
القصيدة تُقرأ،
لكن الهدف يُصرخ.
والعلم في المدرّج،
يُرى في اللحظة نفسها من قِبل ملايين العيون.
ولهذا، حين استعادت المؤسسات عبارتها القديمة
“أبعدوا السياسة عن الرياضة”،
كانت تحاول إطفاء حريقٍ انتشر بالفعل.
وحين قارن العالم بين سرعة إقصاء روسيا رياضيًا،
وبين التردّد الطويل في التعامل مع كيان الاحتلال،
فهم الجمهور أن المشكلة ليست في السياسة…
بل في من يملك حق استخدامها.
من غوارديولا،
إلى مدرج سيلتيك،
إلى لافتة في باريس،
إلى علم في برشلونة،
إلى مباراة في إسبانيا،
تكوّنت سلسلة لا يمكن محوها.
ونحن اليوم، على أبواب كأس عالم سيُقام في الولايات المتحدة،
لا يعود السؤال:
هل ستظهر فلسطين في الملاعب؟
بل:
كيف ستتعامل المنظومة مع جمهورٍ تعلّم أن يرى،
ومع لعبةٍ لم تعد قادرة على إخفاء الحقيقة؟
هذا المقال لا يدّعي أن كرة القدم ستغيّر ميزان القوى.
لكنه يقول شيئًا أبسط وأخطر:
أن فلسطين دخلت قلب اللعبة،
وحين تدخل القضية إلى قلب أكبر فعالية شعبية في العالم،
فإن إخراجها منها…
لن يكون سهلًا.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
2026
لم تبدأ الحكاية من مسرح، ولا من فيلم، ولا من بيان فنان.
الحكاية، في لحظتها الأخطر، جاءت من أكبر فعالية بشرية متكرّرة على سطح الأرض:
كرة القدم.
نحن لا نتحدث عن لعبة،
ولا عن جمهورٍ محدود،
بل عن منظومة تُشاهَد من مليارات البشر،
تدخل كل بيت،
وتُشكّل وعيًا جمعيًا عابرًا للغات، والأديان، والحدود.
ولهذا، حين تتحرك كرة القدم، لا تتحرك الرياضة فقط…
يتحرّك العالم.
في هذا السياق، يصبح ظهور بيب غوارديولا في فعالية داعمة لفلسطين حدثًا مفصليًا، لا لأنه “تضامن”، بل لأنه تكلم من مركز الثقل داخل اللعبة.
غوارديولا ليس صوتًا هامشيًا، ولا مدربًا عابرًا في سجل البطولات.
هو أحد العقول التي أعادت تعريف كرة القدم الحديثة.
وحين وقف وتكلم عن طفلٍ يبحث عن أمه تحت الأنقاض،
لم يكن صوته منفصلًا عن المدرّج.
كان امتدادًا لما كان يحدث هناك، بالفعل.
في ليالي دوري الأبطال،
لم تعد المدرّجات كما كانت.
في غلاسكو، رفعت جماهير سيلتيك أعلام فلسطين بكثافة،
حتى تحوّل الأخضر والأبيض إلى بحرٍ آخر،
بحرٍ يعرف أن الغرامة قادمة،
ومع ذلك لا يتراجع.
في باريس،
على مدرجات باريس سان جيرمان،
ارتفعت لافتة واحدة، بسيطة، مباشرة:
Free Palestine.
لم تكن شتيمة،
ولا تحريضًا،
بل جملةً تعرف طريقها.
الكاميرا التقطتها،
والعالم قرأها،
والمؤسسة ارتبكت:
هل تعاقب الصورة… أم تعاقب نفسها؟
في إسبانيا،
لم يكن المشهد أقل وضوحًا.
على مدرجات برشلونة،
وفي مباريات عادية لا تحمل عنوان “التضامن”،
ظهرت الأعلام الفلسطينية بين الجماهير،
ليس بوصفها حدثًا منظّمًا،
بل بوصفها وعيًا شعبيًا خرج من الصمت.
حتى ريال مدريد،
ذلك النادي المرتبط تاريخيًا بالمؤسسة الإسبانية،
لم يستطع منع الصورة من التسلّل:
علم هنا،
كوفية هناك،
وهتافٌ يخرج ثم يعود إلى الصدر،
لكنه يكون قد وصل.
ولم يكن الجمهور وحده من تحرّك.
لاعبون عالميون،
يعرفون تمامًا ثمن الإشارة،
لم يستطيعوا الادّعاء بأنهم لا يرون.
ليونيل ميسي،
سفير النوايا الحسنة السابق،
لم يخرج ببيان سياسي،
لكنه حافظ على صمته خارج الضجيج الدعائي،
واختار أن تبقى فلسطين في مساحات العمل الإنساني لا في بازار المواقف.
كريستيانو رونالدو،
الاسم الذي يتابعه مئات الملايين،
كان قد ربط اسمه بالقضية الفلسطينية قبل الطوفان بسنوات،
عبر إهداءات، ومواقف إنسانية،
وعبر رفض تحويل فلسطين إلى “خبر موسمي”.
وهنا بالضبط تكمن الدلالة:
ليس كل موقف يحتاج صورة في الملعب،
لكن كل صمت بعد الإبادة صار موقفًا بحد ذاته.
ثم جاء المشهد الذي لا يمكن تجاهله:
إسبانيا.
لم يكن الأمر مقتصرًا على موقف سياسي رسمي،
بل على فتح الملاعب.
استُقبل المنتخب الفلسطيني على الأراضي الإسبانية،
ولُعبت مباريات ودّية أمام جمهورٍ حضر لا ليرى نتيجة،
بل ليقول:
نراكم.
في مدرجات بيلباو،
وقف عشرات الآلاف،
لا يعرفون أسماء اللاعبين الفلسطينيين،
لكنهم يعرفون القصة.
صفّقوا للنشيد،
ورفعوا الأعلام،
وحين تحرّكت الكرة،
كانت فلسطين داخل المباراة،
لا في هامشها.
هنا، لم تعد المقارنة مع الثقافة والفنون نظرية.
الفن قال كلمته، نعم.
لكن كرة القدم جسّدتها.
الفيلم يُشاهد،
لكن المباراة تُعاش.
القصيدة تُقرأ،
لكن الهدف يُصرخ.
والعلم في المدرّج،
يُرى في اللحظة نفسها من قِبل ملايين العيون.
ولهذا، حين استعادت المؤسسات عبارتها القديمة
“أبعدوا السياسة عن الرياضة”،
كانت تحاول إطفاء حريقٍ انتشر بالفعل.
وحين قارن العالم بين سرعة إقصاء روسيا رياضيًا،
وبين التردّد الطويل في التعامل مع كيان الاحتلال،
فهم الجمهور أن المشكلة ليست في السياسة…
بل في من يملك حق استخدامها.
من غوارديولا،
إلى مدرج سيلتيك،
إلى لافتة في باريس،
إلى علم في برشلونة،
إلى مباراة في إسبانيا،
تكوّنت سلسلة لا يمكن محوها.
ونحن اليوم، على أبواب كأس عالم سيُقام في الولايات المتحدة،
لا يعود السؤال:
هل ستظهر فلسطين في الملاعب؟
بل:
كيف ستتعامل المنظومة مع جمهورٍ تعلّم أن يرى،
ومع لعبةٍ لم تعد قادرة على إخفاء الحقيقة؟
هذا المقال لا يدّعي أن كرة القدم ستغيّر ميزان القوى.
لكنه يقول شيئًا أبسط وأخطر:
أن فلسطين دخلت قلب اللعبة،
وحين تدخل القضية إلى قلب أكبر فعالية شعبية في العالم،
فإن إخراجها منها…
لن يكون سهلًا.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
2026