حسام الحداد - احتكار الوحي: صراع الشرعية والسلطة في رحلة تدوين المصحف

لا تمثل قصة 'الجمع العثماني' مجرد إجراء إداري لضبط القراءة كما تسوقها السرديات الوعظية التقليدية، بل هي في جوهرها لحظة مفصلية شهدت تحول القرآن من نص شفهي متكثف بالتعدد والسيولة إلى مؤسسة نصية خاضعة لرقابة الدولة المركزية. إن عملية إحراق المصاحف المنافسة لم تكن فعلاً لحفظ النص بقدر ما كانت استراتيجية لإقصاء الشواهد التاريخية وتصفية 'المسارات النصية' التي لم تتفق مع التوجه السياسي والإقليمي للعاصمة، وهو ما تؤكده اليوم الاكتشافات المادية التي كشفت عن طبقات من النص الممحو كانت تضج باختلافات جوهرية قبل أن يُغلق عليها القوس العثماني بقرار سيادي

إشكالية "الاختلاف" والاعتراف الضمني
إن نداء الاستغاثة الذي وجهه حذيفة بن اليمان للخليفة عثمان لم يكن مجرد تنبيه إداري حول "لهجات" محلية، بل كان إقراراً بوجود أزمة في هوية النص ذاته. فحين يقول حذيفة "أدرك هذه الأمة"، فهو يصف حالة من "التشظي النصي" بلغت حد التكفير بين الجنود في معارك أرمينية وأذربيجان بسبب اختلاف قراءاتهم. هذا الاعتراف ينسف فكرة "النص المكتمل والمغلق" الذي نزل ككتلة واحدة صماء، ويؤكد أن القرآن كان يعيش حالة من السيولة (Fluidity)، حيث تداخلت فيها الذاكرة الشفهية مع التدوينات الفردية، مما أدى لظهور نسخ إقليمية كانت تكتسب قدسيتها من قدسية الصحابي الذي نقلها، وليس من مطابقتها لمركزية إدارية واحدة.
في ميزان النقد النصي، لا يمكن لقرار سياسي بحجم "الإحراق العام" أن يُتخذ ما لم تكن هناك "نصوص بديلة" تمتلك سلطة مرجعية تنافس سلطة العاصمة. لم يكن الخلاف على نطق كلمة، بل كان صراعاً بين "مراكز قوى معرفية"؛ فمصحف عبد الله بن مسعود في الكوفة، ومصحف أبي موسى الأشعري في البصرة (الذي كان يُلقب بـ "لباب القلوب")، لم تكن مجرد مسودات شخصية، بل كانت دساتير دينية معتمدة لدى مجتمعات كاملة. وجود هذه النسخ يثبت أن "الجمع العثماني" لم يكن عملية تجميع لأوراق مبعثرة بقدر ما كان عملية "انتقاء واختزال"، حيث تم اختيار "مسار نصي" واحد من بين مسارات متعددة كانت قائمة بالفعل ولها أتباعها ومدافعوها.
تكشف هذه الحادثة عن لحظة التحول من "القرآن الشفهي" الذي يحتمل "الأحرف السبعة" بتنوعها، إلى "المصحف السلطوي" الذي يفرض الرسم الواحد. إن القلق السيادي الذي أبداه عثمان وحذيفة يشير إلى أن التعددية كانت تُنظر إليها كخطر يهدد وحدة الإمبراطورية الناشئة. لذا، فإن "توحيد المصحف" كان في جوهره عملية تقنين (Standardization) تهدف إلى إنهاء التعددية النصية للأبد. ومن منظور النقد الحديث، فإن التضحية بالنسخ الأخرى تحت ذريعة "منع الاختلاف" هي في الحقيقة عملية "طمس للأدلة" التي كانت ستمكننا اليوم من فهم مرحلة "تكوين النص" (The Formation of the Text) قبل أن تتدخل يد الدولة لفرض صيغتها النهائية والوحيدة.

حرق المصاحف: إعدام الدليل أم حفظ النص؟
من منظور علم الآثار والنقد النصي، لا يمكن تصنيف حرق المصاحف كعملية "حفظ"، بل هو في جوهره تدمير للأدلة المادية التي توثق مرحلة التكوين. في أي سياق علمي حديث، يُعتبر إتلاف المخطوطات الأصلية (التي كانت تحمل سمات كتابية وزمنية مختلفة) خسارة لا تُعوض للأرشيف الإنساني. إن هذا الإجراء لم يستهدف الورق والجلود، بل استهدف "التعددية" كفكرة؛ حيث أدى حرق النسخ "غير الرسمية" إلى بتر التسلسل الزمني للنص، مما خلق فجوة معرفية تجعل من المستحيل اليوم إعادة بناء المسار الذي انتقل عبره النص من المرحلة الشفهية المتشعبة إلى المرحلة التدوينية الموحدة، وهو ما يُسميه نقاد الحداثة بـ "إعدام الشواهد النصية".
يمثل القرار العثماني لحظة انتقال النص من "المجال العام" المشاع بين الصحابة إلى "المجال السيادي" الخاضع لرقابة الدولة. فبدلاً من استغلال تلك النسخ كـ (Variants) أو قراءات تفسيرية تشرح مرونة "الأحرف السبعة"، تم اللجوء إلى القوة المركزية لفرض نسخة "معيارية" واحدة. هذا الاحتكار حوّل النص من كيان حي يتفاعل مع لهجات العرب ومدارسهم الفقهية الأولى، إلى "نص رسمي" (Canonized Text) يخدم الوحدة السياسية للإمبراطورية الناشئة. وبذلك، لم تعد الأولوية هي الحفاظ على "كل ما قيل"، بل الحفاظ على "ما اتفقت عليه السلطة"، مما أدى إلى تهميش وإلغاء أي صياغة قد توحي بأن النص كان يمتلك تاريخاً من التطور أو التغيير قبل لحظة التدوين العثماني.
يتفق النقد الاستشراقي الحديث، كما يعبر عنه "جيرد بوين"، على أن المصحف الحالي هو نتاج لعملية تقنين (Standardization) قسرية. هذا التقنين يعني بالضرورة التضحية بـ "التعددية النصية" لصالح "الاستقرار السياسي". إن كلمات بوين تشير إلى أن النص الذي بين أيدينا اليوم هو "الناجي الوحيد" من عملية تصفية واسعة للمصادر، حيث تم تغليب المصلحة الإدارية للدولة على الأمانة التاريخية في حفظ التنوع. وبناءً عليه، فإن ما نطلق عليه اليوم "حفظاً للقرآن" هو في الحقيقة حفظ لـ "خيار واحد" من بين خيارات كانت متاحة، مما يحرم الباحثين من القدرة على مقارنة النصوص لفهم الكيفية التي استقر بها الوحي في الأذهان والكراريس قبل أن يُغلق عليه القوس العثماني.

تمرُّد "ابن مسعود": شرعية المصدر ضد سلطة الإدارة
يمثل موقف ابن مسعود أزمة "شرعية" حادة لقرار عثمان؛ فنحن هنا أمام صحابي لم يكن مجرد قارئ، بل هو الذي قال عنه النبي: "من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما نزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". عندما يرفض صاحب هذه التزكية النبوية تسليم مصحفه للحرق، فإنه يضع "المصحف العثماني" في موضع تساؤل: كيف يمكن لنسخة جُمعت بإشراف إداري أن تُلغي نسخة زكاها صاحب الرسالة نفسه؟ هذا التهميش لابن مسعود، واستبعاده من لجنة الجمع لصالح زيد بن ثابت (الذي وصفه ابن مسعود بأنه كان "في أصلاب الرجال" حين كان هو يقرأ القرآن)، يثبت أن المعيار في اختيار النص الرسمي لم يكن "الأقدمية" أو "الأوثقية العلمية" فحسب، بل كان "التوافق مع الرؤية السياسية" للدولة في المدينة.
دعوة ابن مسعود لأهل الكوفة بقوله: "يا أهل العراق، اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها"، ليست مجرد عناد شخصي، بل هي فعل "مقاومة معرفية" ضد ما رآه تأميماً للنص الإلهي. هذا التحريض يكشف أن الخلاف لم يكن محصوراً في "طريقة النطق" أو "اللحن"، بل كان خلافاً جوهرياً على المحتوى والترتيب. فمصحف ابن مسعود كان يختلف في ترتيب السور، وفي إسقاط أو إضافة بعض الألفاظ التي يراها جزءاً أصيلاً من الوحي. إن إصراره على الاحتفاظ بنسخته هو اعتراف ضمني بأن "المصحف الإمام" الذي فرضه عثمان قد أسقط شواهد نصية يراها ابن مسعود ضرورية، مما يجعل عملية الحرق محاولة لفرض "قراءة أحادية" تلغي غنى النص الأصلي وتعدد صوره الأولية.
تصر الرواية التقليدية على أن الخلاف كان "شكلياً" (لهجات)، لكن بقاء آثار "قراءات ابن مسعود" في كتب التراث (مثل كتاب المصاحف للسجستاني) يثبت وجود فروق في بنية الجملة ومعاني الألفاظ. رفضُه الانصياع لقرار الحرق يفتح الباب للسؤال المزعج: إذا كان القرآن "محفوظاً" بالصيغة العثمانية حصراً، فلماذا تمسك ابن مسعود بصيغته حتى الموت؟ إن هذا التمرد يثبت أن "المصحف العثماني" لم يكن هو القرآن الوحيد الممكن، بل كان "الخيار الرسمي" الذي انتصر بقرار سيادي. وبذلك، فإن ما نعتبره اليوم نصاً مطلقاً، كان في نظر كبار الصحابة آنذاك مجرد "اجتهاد إداري" من عثمان، قابلاً للمعارضة والمنافسة العلمية.

مخطوطات صنعاء: الصدمة الأركيولوجية
جاء اكتشاف مخطوطة صنعاء عام 1972 ليقدم ما يُعرف بـ "الباليمبست" (Palimpsest)، وهي رقوق جلدية كُتب عليها نص، ثم مُحي ليُكتب فوقه نص آخر. بفضل تقنية التصوير بالأشعة فوق البنفسجية، استطاع العلماء استعادة "النص السفلي" (Lower Text) الذي يعود للقرن الأول الهجري. الصدمة تمثلت في أن هذا النص الممحو لا يتطابق مع "النص العثماني" الفوقي؛ فهو يكشف عن طبقة نصية أقدم كانت موجودة بالفعل ثم تم "إعدامها" ماديًا عبر المحي، وكتابة النص المعياري فوقها. هذا الدليل المادي يؤكد أن عملية "التقنين" لم تكن مجرد كتابة لنسخة مفقودة، بل كانت إحلالاً قسرياً لنص رسمي محل نصوص كانت متداولة ومعترفاً بها.
أظهرت النتائج المخبرية والدراسات التي أجراها باحثون مثل "بهنام صادقي" و"إليزابيث بوين" أن النص السفلي يحتوي على اختلافات جوهرية تتجاوز مجرد قواعد الإملاء. شملت هذه الفوارق استخدام مفردات بديلة، وتغييراً في صياغة بعض الآيات، بل وحتى اختلافاً في ترتيب السور. هذه "الشواهد النصية" تثبت أن ما سماه التراث لاحقاً بـ "القراءات" لم يكن مجرد تنوع صوتي داخل نظام مغلق، بل كان يعكس وجود "تقاليد نصية" مستقلة (Textual Traditions). هذا الاكتشاف ينسف فرضية "التطابق المطلق" ويؤكد أن النص القرآني مر بمرحلة من السيولة والتطور قبل أن تتدخل السلطة لفرض "الصيغة النهائية".
تكتسب "مخطوطات صنعاء" أهميتها القصوى من كونها شاهداً حياً على ما حاول "مشروع عثمان" إخفاءه. إن وجود نص سفلي يختلف عن النص العثماني يعطي مبرراً مادياً لقرار "حرق المصاحف"؛ فالدولة لم تكن تحمي النص من "اللحن" بل كانت تطمس "المسارات التطورية" التي لا تتفق مع النسخة الرسمية. إن هذا الاكتشاف يضعنا أمام حقيقة أن ما نملكه اليوم هو "الرواية المنتصرة"، بينما ظلت النصوص الأخرى مدفونة في جدران المساجد أو تحت طبقات الحبر الممحو، مما يعيد تعريف عملية الجمع بوصفها عملية "فلترة سياسية" أنتجت نصاً معيارياً على حساب ثراء تاريخي وتعددي فُقد للأبد.

من الوحي إلى "النص الرسمي"
إن قصة حرق المصاحف تحول القرآن من "ظاهرة شفاهية" متعددة الأبعاد إلى "مؤسسة نصية" خاضعة لرقابة الدولة. المشكلة ليست في حرق الورق، بل في أن هذا الإجراء جعلنا لا نعرف "ماذا فُقد" في تلك المصاحف المحروقة.
لقد نجح عثمان في توحيد الإمبراطورية تحت كتاب واحد، لكنه من منظور البحث التاريخي، وضع حواجز أمام فهمنا للأصول الحقيقية والمتنوعة التي تشكل منها النص القرآني في بداياته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...