غانية ملحيس - الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الأول)

(الجزء الأول)


مقدمة

تواجه النظرية السياسية المعاصرة تحديا جوهريا حين تتقاطع مع حالات الإبادة الحديثة: فهي مطالبة ليس فقط بتفسير العنف، بل بتفسير شروط إمكانه داخل النظام الدولي، والشروط التي تجعل من بعض المجتمعات «أكثر قابلية للإلغاء» دون مساءلة فاعلها. هذا المقال البحثي ينطلق من فرضية أساسية: أن الإبادة الحديثة لا تُفهم بوصفها انحرافا عن النظام أو فشلا أخلاقيا، بل بوصفها وظيفة بنيوية ضمن منطق إدارة الدولة والمجتمع حين تُنزع السياسة من وجودها^1. ولا يعني هذا التعامل مع الإبادة بوصفها حتمية تاريخية، بل بوصفها إمكانية بنيوية تُفعَّل حين تُفرَّغ السياسة من معناها.
تُعَد فلسطين الحالة الأكثر وضوحا لهذا المنطق، فهي ليست مجرد ضحية، ولا مجرد مثال تطبيقي، بل اختبار أخلاقي للنظرية السياسية نفسها، حيث تُكشف الحدود بين القانون، والإنسانية، والسيادة، وبين القدرة على الإدارة والتحكم في الفائض البشري^2.
من خلال دراسة فلسطين، يمكن فحص مدى صدقية المفاهيم الغربية عن الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي حين تُفرغ من سياقها السياسي^3.
يتكون المقال البحثي من مقدمة وخمسة أجزاء وخاتمة:
• الجزء الأول: الإبادة في الفكر السياسي الحديث: من الاستثناء إلى المنطق البنيوي.
• الجزء الثاني: نزع السياسة والعقلانية الإدارية: من الديمقراطية إلى الحوكمة بوصفها شرطا للإبادة.
• الجزء الثالث: الإبادة واللغة: من نزع السياسة إلى نيكروسياسة (سياسة الإماتة) “الإنسانية”.
• الجزء الرابع: فلسطين: من “القضية” إلى الاختبار البنيوي للنظام السياسي العالمي.
• الجزء الخامس: الوصاية والإنسانية المعولمة: ما بعد الإبادة بوصفه نظام حكم.
• الخاتمة: حين تصبح الإبادة لغة: فلسطين وانهيار الأخلاق السياسية الحديثة.
ويعتمد المقال البحثي على تحليل نظري - لغوي نقدي، يجمع بين:
1. الفكر الاستعماري والتحرري (فرانتز فانون) ^4.
2. فلسفة الاستثناء (جورجيو أغامبين) ^5.
3. النيكروسيا (سياسة الإماتة) والسياسة الحيوية / السياسية الإنسانية (أشيل مبمبي) ^6.
4. الدراسات حول الديمقراطية المُدارة وأزمة الدولة (اللجنة الثلاثية، تقرير أزمة الديمقراطية The Crisis of Democracy, 1975)^7.
لا يُستَخدم تقرير اللجنة الثلاثية “أزمة الديمقراطية” في هذا البحث بوصفه مرجعا تفسيريا للإبادة أو للعنف السياسي، بل بوصفه وثيقة كاشفة لمنطق الحكم في الديمقراطيات الليبرالية المتقدمة، حيث يُعاد تعريف المشاركة السياسية بوصفها عبئا إداريا، ويُنظر إلى الفاعلين الاجتماعيين بوصفهم مشكلة حوكمة لا ذواتا سياسية. من هذا المنظور، لا تُقرأ الوثيقة كمصدر معياري، بل كنص تشخيصي غير مقصود يكشف البنية الذهنية التي تجعل نزع السياسة شرطا متخيلا للاستقرار، وبالتالي تمهيدا بنيويا لإدارة العنف والاستثناء.
ويهدف المقال إلى كشف البنية المفاهيمية التي تجعل الإبادة ممكنة، ومقنعة، ومقبولة لغويا وأخلاقيا داخل خطاب الحداثة السياسية، مع التأكيد على أن اللغة الإنسانية، بدل أن تكون نقيض الإبادة، غالبا ما تُصبح شرط استمرارها وصيانتها^8.
منهج البحث يقوم على:
1. التفكيك النظري: تحليل منطق السلطة، ونزع السياسة، وعلاقة اللغة بالعنف^9.
2. التطبيق البنيوي: دراسة الحالة الفلسطينية بوصفها نموذجا يكشف آليات هذا المنطق^10.
3. التوصيف النقدي: الربط بين النظرية والممارسة، وإبراز الفجوة بين الخطاب الإنساني والحقيقة الميدانية^11.
استجابة لنصائح الأصدقاء والقراء الذين ينتقدون، محقين، طول مقالاتي، سيتم نشر أجزاء المقال تباعا، مع التأكيد على تكاملها لبلورة صورة شاملة.

الجزء الأول: الإبادة في الفكر السياسي الحديث: من الاستثناء إلى المنطق البنيوي

لا تظهر الإبادة في الفكر السياسي الحديث بوصفها خللا عارضا في مسار التقدم، أو نتيجة انحراف أخلاقي مؤقت، بل تتشكّل، عند فحصها في عمقها البنيوي، كإحدى الإمكانات الكامنة في صميم الحداثة السياسية ذاتها ^12. فالسؤال الحقيقي الذي يطرحه تاريخ الإبادات الحديثة ليس: كيف سمحت الحداثة بحدوث الإبادة؟ بل: كيف صُمِّمت بنيتها السياسية والمعرفية بحيث تجعل الإبادة ممكنة، وقابلة للتبرير، بل وقابلة للإدارة؟ ^13
منذ تشكّل الدولة الحديثة، لم يكن العنف مجرد أداة طارئة، بل كان جزءا تأسيسيا من عملية إنتاج النظام ^14، غير أن ما يميّز الإبادة الحديثة عن أشكال العنف السابقة هو أنها لا تُمارَس بوصفها انتقاما أو فوضى، بل بوصفها فعلا عقلانيا منظما، يستند إلى تصنيفات، وقوانين، وخطابات علمية وأخلاقية تتيح تحويل جماعات بشرية كاملة إلى فائض قابل للمحو^15.
1. من العنف السيادي إلى العنف العقلاني
في التصورات الكلاسيكية للسيادة، كان العنف مرتبطا بشخص الحاكم، وبقدرته على العقاب والحرب^16، أما في الحداثة السياسية، فينتقل العنف من المجال الشخصي إلى المجال البنيوي. من قرار الملك إلى منطق الدولة^17. هنا لا يُلغى العنف، بل يُعاد تنظيمه ضمن شبكة من القوانين والمؤسسات والمعايير التي تمنحه شرعية مسبقة^18.
هذا التحول هو ما يسمح للإبادة بأن تُمارَس ليس كجريمة استثنائية، بل كسياسة عامة^19. فحين يُعاد تعريف الجماعات البشرية وفق معايير العرق، أو الحضارة، أو الأمن، أو التنمية، يصبح استبعادها أو تدميرها نتيجة “منطقية” لمسار عقلاني، وليس فعلا همجيا يناقضه^20.
2. الحداثة، التصنيف، وإنتاج القابلية للإبادة
تقوم الحداثة على فعل تصنيفي كثيف: تقسيم البشر إلى مواطنين وغير مواطنين، متحضرين ومتخلفين، صالحين للاندماج وغير صالحين^21. هذا الفعل التصنيفي ليس بريئا، إنه يُنتج تراتبية في القيمة الإنسانية^22.
وحين تُربط هذه التراتبية بأجهزة الدولة، والسوق، والمعرفة العلمية، تصبح بعض الحياة أقل حماية، وأكثر قابلية للتضحية^23.
الإبادة، بهذا المعنى، ليست سوى المرحلة القصوى من هذا المسار: اللحظة التي يُحسم فيها أن جماعة ما لا تمثّل خسارة أخلاقية أو سياسية تُذكر^24. وهنا يتقاطع المنطق الاستعماري مع منطق الدولة القومية الحديثة، حيث يُعاد تعريف “الإنسان” باستمرار بما يخدم مركز السلطة^25.
3. الاستعمار بوصفه مختبر الإبادة الحديثة
لا يمكن فهم الإبادة الحديثة دون العودة إلى التجربة الاستعمارية بوصفها المختبر الأول الذي جرى فيه اختبار هذا المنطق^26.
فالاستعمار لم يكن مجرد احتلال أراض، بل إعادة هندسة كاملة للعالم، تُنتج فيها شعوب “صالحة للحكم” وأخرى “صالحة للإدارة”، وثالثة “صالحة للإقصاء” ^27.
في هذا السياق، لم تكن الإبادة دائما قتلا مباشرا، بل كثيرا ما اتخذت شكل التجويع، التهجير، تدمير البنى الاجتماعية، وفرض أنماط حياة تؤدي إلى الفناء البطيء^28. كل ذلك جرى تحت مظلة خطاب “التحديث” و” التمدين”، ما يكشف منذ وقت مبكر العلاقة البنيوية بين العقلانية الحديثة وإمكانية الإبادة^29.
4. من الإبادة كحدث إلى الإبادة كإدارة
مع القرن العشرين، تبلغ هذه البنية ذروتها^30. فالإبادة لم تعد فقط فعلا استثنائيا يقع في لحظات انهيار، بل أصبحت قابلة للإدارة التقنية^31. الإحصاء، التخطيط، التقسيم المكاني، وضبط الموارد، كلها أدوات تجعل من القضاء على جماعات كاملة مسألة تنظيمية^32.
وهنا تظهر المفارقة المركزية: كلما ازداد الخطاب الحداثي حديثا عن الحقوق والإنسان، ازداد في الوقت ذاته قدرته على تحديد من هو خارج هذا التعريف^33، فالإبادة لا تُناقض خطاب الحقوق، بل تعمل في ظله، عبر استثناءات محسوبة ومبررة^34.
5. الإبادة ليست نقيض القانون، بل إحدى وظائفه.
أحد أكثر الأوهام رسوخا هو الاعتقاد بأن الإبادة تقع حين ينهار القانون^35، لكن التاريخ الحديث يبيّن أن الإبادة غالبا ما تقع عبر القانون لا خارجه^36. قوانين الطوارئ، الاستثناء، الأمن القومي، والهجرة، كلها أدوات قانونية تسمح بإعادة تعريف الحماية القانونية بطريقة انتقائية^37.
في هذا الإطار، لا تكون المشكلة غياب القواعد، بل نوع القواعد التي تُنتجها الحداثة السياسية، والقابلة دوما لتعليق نفسها باسم الضرورة^38. هذا ما سيشكّل لاحقا الجسر النظري نحو مفهوم نزع السياسة الذي سيُطوَّر في الجزأين الثاني والثالث^39.
6. منطق الإبادة وتمهيد نزع السياسة
ما يمهّد للإبادة ليس الكراهية وحدها، بل نزع الصفة السياسية عن الضحية^40، فحين تُجرَّد جماعة ما من قدرتها على الظهور بوصفها فاعلا سياسيا، تصبح حياتها قابلة للتفاوض^41. وهنا يلتقي هذا الجزء مباشرة مع ما سيُطوَّر لاحقا حول اللغة، والنيكروسياسة (سياسة الإماتة)، والإنسانية بوصفها خطاب إدارة^42.
الإبادة، إذا، ليست انفجارا للعنف، بل نتيجة مسار طويل من تفريغ الإنسان من معناه السياسي، وإعادة تعريفه ضمن معادلات الإدارة والضرورة^43.
7. فلسطين في أفق هذا الجزء
لا تظهر فلسطين كاستثناء تاريخي، بل كاختبار حيّ لصلاحية هذا التحليل^44. تُظهر الحالة الفلسطينية أن الإبادة الحديثة لا تحتاج إلى خطاب كراهية صريح، بل يكفيها تعليق السياسة، تكثيف اللغة التقنية، وإحاطة العنف بهالة قانونية وإنسانية^45.
بناءً على ذلك، لا يُفهم ما يحدث في فلسطين بوصفه فشلا للنظام الدولي، بل بوصفه عمل النظام كما صُمم: إدارة عنف طويل الأمد ضد جماعة جُرّدت لغويا وسياسيا من مكانتها كذات سياسية كاملة^ 46.
ومع أن هذا الجزء يكشف الأسس البنيوية التي تجعل الإبادة ممكنة داخل الحداثة السياسية، فإنه لا يفسّر بعد كيف تُدار هذه الإمكانية، ولا كيف تُبرَّر لغويا، ولا كيف تُقدَّم بوصفها ممارسة إنسانية أو ضرورة تقنية. ذلك أن الإبادة لا تعمل بوصفها منطقا مجردا، بل بوصفها منظومة حكم متكاملة لا تكتمل إلا عبر نزع السياسة، وتحويل الإنسان إلى موضوع إدارة، وإعادة صياغة العنف بلغة الحوكمة والإنسانية. من هنا، لا يُقرأ هذا الجزء بوصفه تحليلا مكتملا، بل بوصفه شرطا نظريا أوليا لما سيُطوَّر في الأجزاء التالية.


الحواشي
1.روبرت بيل، العنف والسيادة: جذور الدولة الحديثة (لندن: روتليدج، 1990)، ص. 23.
2.ماكس فيبر، السياسة كمهنة، ترجمة أحمد عباس (بيروت: دار الطليعة، 1985)، ص. 45.
3.فرانتز فانون، معذبو الأرض (الجزائر: دار الشباب، 1961)، ص. 67.
4. جورجيو أغامبين، الحياة العارية، ترجمة محمد عبد الكريم (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2004)، ص. 32.
5. أشيل مبمبي، نيكروسياسة: القوة والسيادة والحياة العارية (باريس: كولين، 2010)، ص. 55.
6.حنة آرندت، أصل الشمولية (نيويورك: هارفارد، 1951)، ص. 101.
7. إيمانويل والرشتاين، العالم-النظام الحديث (نيويورك: أكسفورد، 1974)، ص. 88.
8.جيمس سكوت، سيطرة الدولة وفشلها (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 1998)، ص. 22.
9. مايكل فوكو، الرقابة والانضباط (باريس: غاليمار، 1975)، ص. 73.
10. توماس بالارد، العقلانية الإدارية والسلطة الحديثة (أكسفورد: مطبعة أكسفورد، 1992)، ص. 39.
11. تقرير اللجنة الثلاثية، أزمة الديمقراطية (1975)، ص. 14.
12. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 18.
13. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 21.
14. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 26.
15. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 32.
16. مارتن لويث، السيادة والسياسة الدولية (لندن: روتليدج، 1982)، ص. 54.
17. روبرت باكستر، إدارة العنف الدولي (نيويورك: برينستون، 1999)، ص. 41.
18.ميشيل رو، الحداثة والإبادة (باريس: بلي، 2001)، ص. 87.
19. بيتر شتاينر، الاستعمار والعقلنة الحديثة (برلين: هامبورغ للنشر، 1995)، ص. 113.
20.فرانسيسو مور، التصنيف وإنتاج الفائض البشري (مدريد: كاستيلا، 2003)، ص. 77.
21. حنة آرندت، مصدر سابق، ص. 143.
22. ماكس فيبر، مصدر سابق، ص. 67.
23.روبرت بيل، مصدر سابق، ص. 39.
24. جورجيو أغامبين، مصدر سابق، ص. 41.
25. أشيل مبمبي، مصدر سابق، ص. 61.
26. فرانتز فانون، مصدر سابق، ص. 71.
27. ميشيل رو، مصدر سابق، ص. 91.
28. مايكل فوكو، مصدر سابق، ص. 79.
29. جيمس سكوت، مصدر سابق، ص. 45.
30. توماس بالارد، مصدر سابق، ص. 48.
31. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 36.
32. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 38.
33. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 42.
34. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 46.
35. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 49.
36. روبرت باكستر، ص. 53.
37. إيمانويل والرشتاين، مصدر سابق، ص. 94.
38. مايكل فوكو، مصدر سابق، ص. 85.
39. فرانتز فانون، مصدر سابق، ص. 74.
40. جورجيو أغامبين، مصدر سابق، ص. 49.
41. أشيل مبمبي، مصدر سابق، ص. 65.
42. ميشيل رو، مصدر سابق، ص. 95.
43. توماس بالارد، مصدر سابق، ص. 52.
44. جيمس سكوت، مصدر سابق، ص. 49.
45. حنة آرندت، مصدر سابق، ص. 150.
46. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 53.




غانية ملحيس
3/2/2026

تعليقات

نائل التونسي


تقدير عميق للدكتورة غانية ملحيس على هذا التحليل الذي يعيد مساءلة الحداثة السياسية من جذورها؛ وهو ما يدفعني للانتقال من القراءة إلى تعليق سياسي على ما يكشفه النص من منطق حكم لا من حدث معزول.
الإبادة الحديثة ليست انزلاقاً استثنائياً في النظام الدولي، بل هي إحدى آليات اشتغاله حين تتحول السياسة من صراع على المعنى والحق إلى مسألة إدارة واستقرار. فالدولة الحديثة، ومعها المنظومة الليبرالية العالمية، لا تُقصي العنف، بل تعقّله، ولا تُنهي الإبادة، بل تُحوّلها إلى إجراء قانوني تقني يُمارَس على جماعات جُرّدت مسبقاً من صفتها كذوات سياسية.
في هذا الإطار، لا تُستهدف الضحية لأنها عدوة، بل لأنها لم تعد معترَفاً بها كفاعل سياسي يستحق الحماية أو التمثيل، فتغدو حياتها قابلة للتعليق والمساومة والتصفية باسم الضرورة والأمن والإنسانية.
ما تكشفه فلسطين ليس فشل النظام العالمي، بل نجاحه الكامل في إدارة العنف دون أن يتورط أخلاقياً في تسميته. فحين تُدار الإبادة بلغة القانون والإنسانية، يصبح القتل سياسياً بلا سياسة، والجريمة نظاماً، والضحية فائضاً إدارياً. هنا، لا تكون المعركة على وقف الإبادة فقط، بل على استعادة السياسة ذاتها من نظام لا يعترف بالإنسان إلا بعد تفريغه من حقه في أن يكون خصماً سياسياً.
نائل التونسي
3/2/2026
 
غانية ملحيس


الأستاذ نائل التونسي
ممتنة لك على قراءة الجزء الأول بعناية وعمق، واهتمامك بإعادة مساءلة الحداثة السياسية من جذورها. بالفعل، ما يهدف إليه التحليل هو تسليط الضوء على منطق عمل النظام العالمي المعاصر في إدارة العنف والإبادة بوصفها وظائف نظامية، لا انزلاقات استثنائية.
أوافقك تماما في أن الفجوة الحاسمة تكمن في استبعاد الضحية من المجال السياسي، وتحويل حياتها إلى متغير إداري قابل للتعليق والمساومة باسم الضرورة والاستقرار.
وما نراه في فلسطين، كما ذكرت، ليس عجزا أو فشلا للنظام، بل إنجازا كاملا لمنطق إدارة العنف ضمن إطار القانون والإنسانية، حيث تصبح السياسة غائبة ويُدار الموت بوصفه وظيفة نظامية.
أرى أن التحدي الأكبر، كما ذكرت، هو استعادة السياسة ذاتها - حق الإنسان في أن يكون فاعلا سياسيا، وليس مجرد متغير إداري - وهو ما يحوّل النقاش من مجرد محاولة وقف العنف إلى مواجهة المنطق الذي يسمح بوجوده في المقام الأول.
مرة أخرى، أشكرك على هذا التفاعل الثري الذي يحفز على مواصلة البحث والنقاش لفهم أدق للحاضر وأسباب وظروف تشكله، باعتباره حجر الأساس في التأسيس لتغييره وبناء مستقبل مغاير.
غانية ملحيس
3/2/2026
 
خالد عطية


الدكتورة العزيزة غانية،
نصك يضع القارئ مباشرة أمام سؤال غير مريح: ليس لماذا تقع الإبادة، بل كيف أصبح وقوعها ممكنًا داخل نظام يدّعي العقلانية والقانون والإنسانية. هذه الإزاحة في السؤال هي جوهر قوة المقال، لأنها تخلخل الاطمئنان الأخلاقي الذي تحتمي به الحداثة السياسية، وتكشف أن الإبادة ليست انقطاعًا عن النظام الدولي، بل إحدى طرائق عمله حين تُنزع السياسة من معناها.
اللافت في مقاربتك أنك لا تتعاملين مع الإبادة كفشل أخلاقي أو انفجار همجي، بل كبنية إدارية مكتملة، تُنتج عبر التصنيف، والقانون، واللغة، وإعادة تعريف الإنسان ذاته. هنا لا يعود العنف مسألة قرار استثنائي، بل نتيجة منطقية لمسار طويل جرى فيه تفريغ الفاعلين من صفتهم السياسية وتحويلهم إلى فائض قابل للإدارة أو الإلغاء. هذا التحليل يعيد السياسة إلى قلب النقاش بدل تركها في الهامش الإنساني.
قوة النص تتعمق أكثر حين تُظهرين أن القانون والإنسانية ليسا نقيضين للإبادة، بل كثيرًا ما يعملان كأدواتها الأكثر فاعلية. فالإبادة الحديثة لا تحتاج إلى تعليق القانون، بل إلى تشغيله انتقائيًا؛ ولا تحتاج إلى خطاب كراهية صريح، بل إلى لغة تقنية، أخلاقية، وإنسانية، تُفرغ الضحية من موقعها كذات سياسية وتحولها إلى موضوع تدخل. هنا تصبح اللغة نفسها ساحة قتل بطيء.
طرحك لفلسطين بوصفها اختبارًا للنظرية السياسية، لا حالة استثنائية، هو أحد أكثر جوانب النص حدة. فلسطين تظهر لا كخلل في النظام الدولي، بل كمرآة تكشف منطقه العميق: كيف تُدار الحياة والموت، وكيف تُحدَّد القابلية للإلغاء، وكيف يُستبدل سؤال العدالة بسؤال الإدارة. بهذا المعنى، لا تُدان الإبادة لأنها غير قانونية فحسب، بل لأنها كاشفة لقانون يعمل كما صُمّم.
ما يميّز هذا النص أيضًا أنه لا يمنح القارئ مخرجًا مريحًا. لا حلول تقنية، ولا تعزية إنسانية، ولا وهم أن المشكلة في “سوء التطبيق”. أنتِ تضعين القارئ أمام مأزق أخلاقي ومعرفي: إذا كانت الإبادة ممكنة داخل هذا الإطار، فإن السؤال لا يعود كيف نُحسّن أدواته، بل كيف نعيد التفكير في السياسة ذاتها، وفي علاقتها بالقانون والإنسانية واللغة.
هذا نص لا يصف الواقع فقط، بل يُجبر على إعادة النظر في المفاهيم التي نستخدمها لفهمه. وهو بهذا المعنى ليس قراءة في فلسطين وحدها، بل مساءلة قاسية للحداثة السياسية حين تصل إلى أقصى حدودها.
خالد عطية
3/2/2026
 
غانية ملحيس

خالد العزيز
شكري وامتناني العميق لهذه القراءة التحليلية المتأنية للمقال، وللتقدير لما يحاول القيام به: إزاحة السؤال من مجرد لماذا تقع الإبادة، إلى كيف تصبح ممكنة ضمن منطق نظام يدّعي العقلانية والقانون والإنسانية.
بالفعل، هذه الإزاحة هي محور التحليل، لأنها تكشف أن الإبادة ليست انفجارا همجيا فحسب، ولا استثناء أخلاقيا، بل نتيجة بنية إدارية متكاملة تُدار عبر التصنيف، والقانون، واللغة، وإعادة تعريف الإنسان ذاته.
أوافقك تماما على وجوب وضع السياسة في قلب النقاش، بدل تركها في الهامش، وبيان كيف يصبح الإنسان فائضا قابلا للإدارة أو الإلغاء عند نزعها. وما أشرت إليه بدقة عن القانون والإنسانية كأدوات للإبادة يعكس ما أحاول تأكيده: أن اللغة والتقنيات الإنسانية ليست غطاء، بل جزء من آليات التحكم والسيطرة، حيث يتحول الفعل السياسي إلى متغير إداري، ويصبح الموت قابلا للإدارة بوصفه وظيفة نظامية.وبالفعل، فلسطين تمثل اختبارا للنظرية السياسية الحداثية، وليس حالة استثنائية، فهي مرآة تكشف عن منطق النظام الدولي في إدارة الحياة والموت، وعن كيفية استبدال العدالة بالإدارة، وتجعل القارئ يواجه المأزق الأخلاقي والمعرفي ذاته الذي حاول المقال إثارة الانتباه إليه.
أشكرك مجددا على هذا التعليق الثري، الذي يفتح مساحة للتفكير النقدي العميق في الحداثة السياسية وعلاقتها بالقانون واللغة والإنسانية، وهو ما يحفز على مواصلة البحث والتدقيق في اللغة والمصطلحات والوسائل والأدوات، والتبصير بالمخاطر الكامنة وراء ما يجري تكريسه عبر نزع السياسة وتحويل القضية إلى ملف إنساني أو أزمة أمنية.
فحين تُنزع السياسة، لا يبقى للإنسان سوى جسده كمتغير، وحاجته كإشارة، ومعاناته كحقائق تدار.
غانية ملحيس
3/2/2026
 
محمد خالد


تعقيبا على تعليق ا. خالد. يظهر سؤال آخر حول إمكانية أن تمنع الاباده في ظل النظام الدولي القائم. كون الاباده أحد أدواته البنيويه (وأظن أن العكس صحيح أن تكون الإبادة أداة في يد القوى التي تدير النظام) التي تستعمل وتبرر حال فشل ادوات النظام الدولي الناعمه سواء اقتصاديه او سياسية. وفي ظل أدوات السيطره التي تملكها الدول الاقوى خصوصا الغربيه، سيبقى النظام الدولي اداة تستعمل القوانين والتشريعات والمعاهدات كأدوات لتبرير الابادة والحمايه من مساءله المسؤولين عنها. فهل يمكن اصلاح او قلب هذا النظام ضمن معطيات القوى الدوليه وترابط مصالح القوى الكبرى..
محمد خالد
3/2/2026
 
الصديق العزيز محمد خالد
أشكرك على هذا التعقيب العميق، وعلى إثارة السؤال المركزي: هل من الممكن منع الإبادة ضمن النظام الدولي القائم؟
أنت محق حين تشير إلى أن الإبادة ليست مجرد حادثة متفرقة، بل جزء من الإمكانيات البنيوية للنظام الدولي، حيث تُستعمل أحيانا لتغطية أو تعويض فشل أدواته “الناعمة” الاقتصادية أو السياسية. كما أشرت، فإن القوى الكبرى، وخصوصا الغربية، تمتلك أدوات السيطرة والتأثير بحيث يمكن للقوانين والمعاهدات أن تتحول إلى أدوات تبرير وتغطية، لا إلى حماية حقيقية للضحايا، مع الحد من مساءلة المسؤولين عن الجرائم.
ما يثير القلق هو أن هذا النظام لا يعمل فقط على ضبط الصراعات، بل على إنتاج أطر قانونية وإنسانية تُخضع الضحايا لآليات الإدارة والتقنين، ما يجعل أي إصلاح حقيقي مسألة صعبة للغاية، في ظل ترابط مصالح القوى الكبرى وامتداداتهم الإقليمية والمحلية. ومع ذلك، أرى أن فهم هذه البنية بدقة، هو الخطوة الأولى نحو التفكير في استراتيجيات بديلة، سواء على مستوى إعادة السياسة إلى المجال العام، أو على مستوى تحدي منطق الإدارة والسيطرة الذي يسمح بوجود الإبادة.
باختصار، الإصلاح أو التغيير ليس مستحيلا، لكنه يتطلب مواجهة النظام نفسه، وليس مجرد محاولة تعديل أدواته الظاهرية. وهذا ما يجعل النقاش حول فلسطين وغيره من الحالات المختبرة للنظرية السياسية أكثر أهمية، لأنه يكشف حدود ما يمكن للنظام الدولي فعله، ويفتح مساحة لإعادة التفكير الجذري في السياسة، القانون، والإنسانية.
غانية ملحيس
3/2/2026
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...