كنانة حاتم عيسى - مقاربة نقدية للقصة القصيرة: من يرى الشمس للكاتب شريف أنور

لغة النص الرمزي المختلفة
لعل النصوص الرمزية السريالية هي الأكثر قسوة على قرائها.
إنها إدعاء سياقي يبتكر من الباطن هوية سردية له، تجعل من ظاهر المتن مدخلا لمعان تحذيرية أعمق ، طافحة
بالدلالات وكينوناتها. إنها مرواغة قاسية تقنن استخدام اللغة ضمن مهارات التكثيف والإيجاز بدون تقعر، كيف يمكن للغة سلسة رصينة، أن تبتكر نصا سرياليا متصاعد الإيقاع ، يطفو على هيئة كابوس هادىء ويمس الذات الإنسانية في أقسى صورها، الذات التي تصارع سمو روحها بين القطعان الذليلة الباحثة عن الفتات في خنوع متأصل
لم يرد الكاتب أن يبالغ قصديا في ثيمة الصراع الداخلي الهوياتي لأزمة الانتماء والبحث عن هوية الفرد ضمن معنى الحرية، بل أراد أن يصور احتدام الرؤية الداخلية لمعاناة الفرد داخل مجتمع لا يستدرك المعنى الحقيقي للحياة، ويؤمن غرائزيا بتفوق المجتمع على حرية أفراده في تقرير مصيرهم ، إنهما صوتان مجدولان حول عنق السارد المأزوم، صوت قدسي علوي يدعو للتحرر من وطأة لوثة العمومية التي تطال مجتمع الفقر والمعاناة والبحث عما يسد الرمق، والصرخة المكتومة لمن علا صوت يقظته الداخلية على جوعه وشقائه وبحثه عن الأنا البديلة، أنا المواطنة، انا القادرة على
خلق القرار والشجاعة في مقاومة السائد السلطوي و المبتذل، لكن لحرية الصوت ثمن، و الجراة في الصراخ تأت بمعاناة مختلفة، إنها معاناة الخوف من العلنية، إنه الهلع الكاشف لحقيقة الفكر، يفصح السارد عن خوفه من، أن يرفع رأسه، أن يعلو صوت صراعه، أن يدوي رفضه الفاضح
وكما ورد في النص
. أنظر حولي بخوفٍ من أن يكون قد سمعه أحد.
الذات المشرقة التي تستمد نورها من (الشمس) كمفاهيم دالة على مبادىء التنوير والتحرر والمعارضة، هي التي تتصارع مع مفاهيم الذل والانكسار و والبحث عن سد الرمق. إنهما صوتان داخليان يتصارعان، يخنقان المغرد خارج السرب، يعلنان هشاشته، فهو لن يستطيع كسر قيوده وتحرير بصيرته بمساعدة أحد، فما أن يشعر بحرارة (الشمس) وسطوة حضورها (لا يأت النور لخانع) حتى ينبثق الجدل الداخلي لانفصام خارجي رقيق لرأس السارد كانكسار قلم الرصاص ، لا يشاهده أحد، لا يشعر به أحد، لا يراه أحد.
كما جاءت خاتمة النص السوداوية القاصمة.
(لكن لا أحد يلتفت، والكل يُكمِل حركته بعشوائية) .
إن الحركة العشوائية في البنية النصية، هي نظام حياة للشعوب الخانعة بجوعها، لن تأبه لانفصام رؤوس كادت تتنور، إن (جاذبية الأرض الساحقة) هي من ستبقي جميع الرؤوس مطأطأة باحثة عن الفتات وإن من يرفع رأسه بحثا عن الشمس سيفقده..

دام القلم المبدع

كنانة حاتم عيسى


----------

النص

من يرى الشمس ؟
يناديني صوتٌ من علٍ:
"ارفَعْ رأسك!"
أنظر حولي في ريبةٍ وعدمِ فهم، أرى الوجوه حولي تتحرك بعشوائيتها المعتادة، في بحثٍ دائمٍ عمّا يسدّ الجوع.
أتحرك بخطواتٍ أسرع، أطرد الضلالات من رأسي وأُكمِل سعيي.
"ارفَعْ رأسك!"
هذه المرة كان الصوت أعلى وأقرب، كأنه بداخلي.
لكن ما أثار خوفي أن أحدًا غيري لم يلتفت.
هل جُنِنت؟ أم أن الآخرين يُنكِرون الصوت؟ إن ذلك قد يكون أخطر من الجنون.
حتى إن أردتُ – جدلًا – أن أرفع رأسي التي جُبِلَت على الانحناء نحو الأرض بحثًا عن الفتات منذ أن صرتُ واعيًا،
هل أستطيع مقاومة جاذبية الأرض الساحقة؟
"إذا رفعتَ رأسك، لن تجذبك الأرض."
"حقًا؟!"
"مَن يرى الشمس يتحرر."
"ساعدني لأرى."
"لا يأتي النور لخانع."
أنظر حولي بحرص، لا أحد يتابعني.
أستند بيديَّ إلى حائطٍ قريب، أشعر بالضغط على عنقي يزداد، أقاوم الشعور بالانسحاق.
فقراتُ عنقي تُصدر صريرًا عاليًا.
أنظر حولي بخوفٍ من أن يكون قد سمعه أحد.
لا أحد يلتفت.
أُطبِق جفنيَّ بشدّة، والعرق يغمر وجهي.
عنقي قد لا يحتمل ضغطًا أكبر.
أشعر بوهج الشمس... لا تراجع الآن... لقد اقتربت.
على الأرض، يسمع الناس طَقّةً واهنةً كأنها انكسارُ سنِّ قلمٍ رصاص.
ويرى بعضهم شيئًا كالرأس يتدحرج بين أرجلهم،
لكن لا أحد يلتفت، والكل يُكمِل حركته بعشوائية.

شريف أنور

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...