لم تتوقف الإبادة حين قيل إنها توقفت.
تغيّر الاسم فقط، وتغيّر الإيقاع، وتغيّرت اللغة التي تصف الموت.
في غزة، لم يعد القصف صاخبًا كما كان.
صار يأتي كفكرة عابرة،
كأن السماء تُنهي جملة لم تُكتب.
يُقال إن ضابطًا أُصيب،
فتُفتح السماء،
ولا يُرى الضابط،
لكن تُرى النتيجة:
خيمة تُمحى،
وأم تبحث عن طفلها في التراب،
ومساء يُدفن قبل أن يكتمل.
رفح لم تُفتح.
قيل إنها فُتحت.
لكن الباب الذي يسمح بالمرور لشخصين ويُغلق على شعب
ليس بابًا…
هو تعريف جديد للحصار.
المساعدات تصل كخبرٍ عاجل،
لا كطعام.
تمرّ في العناوين،
ولا تصل إلى الخيام.
والخيام نفسها صارت جريمة،
كأن الدفء ترفٌ لا يستحقه من كُتب عليه أن ينجو مؤقتًا.
المرحلة الثانية لم تبدأ.
لم تُلغَ رسميًا،
لم تُرفض علنًا،
بل تُركت معلّقة،
مثل عدالة مؤجّلة تعرف أنها لن تأتي.
وفي اللحظة التي قيل فيها إن الحرب هدأت في غزة،
كانت الضفة تُستدعى إلى المشهد.
ليس كجبهة،
بل كمساحة مفتوحة لإعادة الاختبار.
مخيمات تُعاد تسميتها مناطق عمليات،
وأزقّة تُفرَّغ من شبابها،
وبيوت تُفتح أبوابها على جرافة لا على صباح.
في جنين،
في طولكرم،
في نابلس،
لم يعد الاقتحام حدثًا،
بل نظامًا يوميًا.
المستوطنون يتحركون بلا استعجال،
يحرقون القمح قبل أن ينضج،
والبيوت قبل أن تُغلق نوافذها،
ومن يقف في طريقهم يُقتل،
والجيش يقف…
كي لا يقف أحد غيره.
هنا، لا أحد يتحدث عن سلطة.
كأنها شُطبت من النص.
كأن الأرض تُدار مباشرة،
بلا وسطاء،
بلا شركاء،
وبلا حاجة لأي حوار.
في هذا المشهد،
يظهر سؤال العدالة لا كقيمة،
بل كفضيحة.
فالعدالة التي لا توقف القتل
ليست عدالة.
والقانون الذي يُستخدم لتبرير القصف
ليس قانونًا،
بل إدارة للعنف.
حقوق الإنسان، كما تُتلى في البيانات،
لا تحمي طفلًا من البرد،
ولا تمنع طائرة من قصف خيمة،
ولا توقف جرافة عند باب بيت.
تتحول الحقوق إلى لغة ناعمة،
تُقال بعد المجزرة،
لا قبلها.
أما الحرية،
فصارت تُقاس بقدرة الضحية على التنفّس،
لا بقدرتها على الفعل.
وتقرير المصير تحوّل من حقٍّ سياسي
إلى جملة مؤجلة في خطاب دولي طويل.
المفارقة الأخلاقية هنا ليست في وحشية القتل،
بل في هدوئه.
في قدرته على الاستمرار
من دون أن يهتزّ العالم.
فالإبادة اليوم لا تحتاج إلى خطاب كراهية،
بل إلى صمتٍ كافٍ،
وإلى تفسيرٍ قانونيٍّ مرن،
وإلى فكرة تقول إن ما يحدث “معقّد”.
وهنا، يصبح السؤال الفلسفي حتميًا:
هل العدالة قيمة مطلقة،
أم وظيفة تُفعَّل حين لا تُزعج النظام؟
هل الإنسان إنسان لأنه إنسان،
أم لأنه يقع داخل تعريف قابل للإدارة؟
وهل الأخلاق كونية فعلًا،
أم أنها تتوقف عند حدود الجغرافيا
والتحالفات
وتوازنات القوة؟
ما يجري في فلسطين اليوم
ليس فقط انتهاكًا لحقوق الإنسان،
بل اختبارًا لمعنى الإنسان نفسه.
اختبارًا لما إذا كانت الحياة قيمة بذاتها،
أم قيمة مشروطة بالسياق السياسي.
قرار مجلس الأمن موجود،
لكن كستارة مسرح.
نراها،
ولا تغيّر شيئًا خلفها.
خطة ترامب حاضرة،
لكن لا كحل،
كإطار لإعادة توزيع العنف:
غزة تُدار بالقصف المتقطّع،
والضفة تُدار بالاجتياح والمستوطنين،
والقتل يتحرك بينهما
كما لو كان يتبع خريطة واضحة.
العالم يرى.
ويراقب.
ويكتب بياناتٍ أنيقة.
ثم يعود إلى حياته.
وهكذا، لا يعود السؤال:
لماذا يُقتل الفلسطيني؟
بل:
كيف صار قتله ممكنًا،
ومستمرًا،
ومبرَّرًا،
بعد قرارٍ دولي،
وبعد خطة قيل إنها ستُنهي الحرب؟
هذا ليس فشلًا في النظام الدولي.
هذا هو النظام،
حين يعمل كما صُمّم.
والإبادة هنا
ليست انحرافًا عن العدالة،
بل نتيجة عالم
لم يعد يعرف
أين تبدأ الأخلاق
وأين تنتهي السياسة.
في نهاية هذا المشهد الطويل، لا يمكن الاكتفاء بتوجيه النظر إلى الخارج فقط.
ليس لأن الجريمة أقل وضوحًا،
بل لأن الإبادة لا تعمل في الفراغ.
ما يجعل هذا القتل ممكنًا،
وممتدًا،
وقابلًا لإعادة التسمية كل مرة،
هو أن الحضور الفلسطيني نفسه بات هشًّا،
مفككًا،
بلا حامل سياسي جامع قادر على تحويل الدم إلى معنى،
والمعاناة إلى فعل،
والضحايا إلى قضية لا إلى أرقام.
نحن اليوم لا نواجه تقسيمًا جديدًا،
بل تقسيم المقسَّم.
غزة تُدار كملف إنساني،
والضفة تُدار كمسألة أمنية،
والقدس كاستثناء دائم،
واللاجئون كذاكرة مؤجلة،
والشعب كجزر معزولة عن بعضها،
بلا مركز ثقل سياسي واحد.
في هذا الفراغ،
لا تحتاج الإبادة إلى انتصار عسكري.
يكفيها أن تجد ساحة بلا عنوان،
وصوتًا بلا جهة،
وتمثيلًا لا يمثّل.
الحامل السياسي الفلسطيني،
كما هو قائم اليوم،
لا يشكّل خطرًا على مشروع الإبادة،
ولا حتى إزعاجًا له.
مترهّل،
متشظٍ،
يعمل بردّ الفعل،
ويفاوض على التفاصيل
بينما يُسحب المعنى من تحت قدميه.
وحين يغيب الحامل،
تُعاد صياغة القضية:
من قضية تحرّر
إلى أزمة إنسانية،
ومن صراع سياسي
إلى إدارة كوارث،
ومن شعب له حق تقرير المصير
إلى سكان يحتاجون مساعدات.
هنا تلتقي الإبادة الخارجية
مع الفراغ الداخلي.
ليس كتواطؤ مباشر،
بل كتماهٍ قاتل.
فلا عدالة بلا حامل سياسي قادر على المطالبة بها.
ولا حقوق إنسان بلا ذات سياسية تحرسها.
ولا حرية تُمنَح لشعب
إذا كان ممثَّلًا بكيانات لا تمثّل إلا نفسها.
ولا تقرير مصير في ظل صفٍّ مفكك
يتقاسم الأدوار بدل أن يوحّد الاتجاه.
إن وقف الإبادة لا يبدأ فقط بضغط دولي غائب،
ولا بقرارات مجلس أمن معلّقة،
ولا بخطط سلام تُكتب في غرف مغلقة.
يبدأ أولًا بإعادة بناء الحامل الفلسطيني،
لا بوصفه جهازًا،
بل بوصفه مشروعًا جامعًا،
يعيد وصل ما قُطع،
ويمنح الدم معنى سياسيًا،
لا إنسانيًا فقط.
بدون ذلك،
ستبقى الإبادة مستمرة…
حتى لو تغيّر اسمها ألف مرة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
4 / 2 / 2026
تغيّر الاسم فقط، وتغيّر الإيقاع، وتغيّرت اللغة التي تصف الموت.
في غزة، لم يعد القصف صاخبًا كما كان.
صار يأتي كفكرة عابرة،
كأن السماء تُنهي جملة لم تُكتب.
يُقال إن ضابطًا أُصيب،
فتُفتح السماء،
ولا يُرى الضابط،
لكن تُرى النتيجة:
خيمة تُمحى،
وأم تبحث عن طفلها في التراب،
ومساء يُدفن قبل أن يكتمل.
رفح لم تُفتح.
قيل إنها فُتحت.
لكن الباب الذي يسمح بالمرور لشخصين ويُغلق على شعب
ليس بابًا…
هو تعريف جديد للحصار.
المساعدات تصل كخبرٍ عاجل،
لا كطعام.
تمرّ في العناوين،
ولا تصل إلى الخيام.
والخيام نفسها صارت جريمة،
كأن الدفء ترفٌ لا يستحقه من كُتب عليه أن ينجو مؤقتًا.
المرحلة الثانية لم تبدأ.
لم تُلغَ رسميًا،
لم تُرفض علنًا،
بل تُركت معلّقة،
مثل عدالة مؤجّلة تعرف أنها لن تأتي.
وفي اللحظة التي قيل فيها إن الحرب هدأت في غزة،
كانت الضفة تُستدعى إلى المشهد.
ليس كجبهة،
بل كمساحة مفتوحة لإعادة الاختبار.
مخيمات تُعاد تسميتها مناطق عمليات،
وأزقّة تُفرَّغ من شبابها،
وبيوت تُفتح أبوابها على جرافة لا على صباح.
في جنين،
في طولكرم،
في نابلس،
لم يعد الاقتحام حدثًا،
بل نظامًا يوميًا.
المستوطنون يتحركون بلا استعجال،
يحرقون القمح قبل أن ينضج،
والبيوت قبل أن تُغلق نوافذها،
ومن يقف في طريقهم يُقتل،
والجيش يقف…
كي لا يقف أحد غيره.
هنا، لا أحد يتحدث عن سلطة.
كأنها شُطبت من النص.
كأن الأرض تُدار مباشرة،
بلا وسطاء،
بلا شركاء،
وبلا حاجة لأي حوار.
في هذا المشهد،
يظهر سؤال العدالة لا كقيمة،
بل كفضيحة.
فالعدالة التي لا توقف القتل
ليست عدالة.
والقانون الذي يُستخدم لتبرير القصف
ليس قانونًا،
بل إدارة للعنف.
حقوق الإنسان، كما تُتلى في البيانات،
لا تحمي طفلًا من البرد،
ولا تمنع طائرة من قصف خيمة،
ولا توقف جرافة عند باب بيت.
تتحول الحقوق إلى لغة ناعمة،
تُقال بعد المجزرة،
لا قبلها.
أما الحرية،
فصارت تُقاس بقدرة الضحية على التنفّس،
لا بقدرتها على الفعل.
وتقرير المصير تحوّل من حقٍّ سياسي
إلى جملة مؤجلة في خطاب دولي طويل.
المفارقة الأخلاقية هنا ليست في وحشية القتل،
بل في هدوئه.
في قدرته على الاستمرار
من دون أن يهتزّ العالم.
فالإبادة اليوم لا تحتاج إلى خطاب كراهية،
بل إلى صمتٍ كافٍ،
وإلى تفسيرٍ قانونيٍّ مرن،
وإلى فكرة تقول إن ما يحدث “معقّد”.
وهنا، يصبح السؤال الفلسفي حتميًا:
هل العدالة قيمة مطلقة،
أم وظيفة تُفعَّل حين لا تُزعج النظام؟
هل الإنسان إنسان لأنه إنسان،
أم لأنه يقع داخل تعريف قابل للإدارة؟
وهل الأخلاق كونية فعلًا،
أم أنها تتوقف عند حدود الجغرافيا
والتحالفات
وتوازنات القوة؟
ما يجري في فلسطين اليوم
ليس فقط انتهاكًا لحقوق الإنسان،
بل اختبارًا لمعنى الإنسان نفسه.
اختبارًا لما إذا كانت الحياة قيمة بذاتها،
أم قيمة مشروطة بالسياق السياسي.
قرار مجلس الأمن موجود،
لكن كستارة مسرح.
نراها،
ولا تغيّر شيئًا خلفها.
خطة ترامب حاضرة،
لكن لا كحل،
كإطار لإعادة توزيع العنف:
غزة تُدار بالقصف المتقطّع،
والضفة تُدار بالاجتياح والمستوطنين،
والقتل يتحرك بينهما
كما لو كان يتبع خريطة واضحة.
العالم يرى.
ويراقب.
ويكتب بياناتٍ أنيقة.
ثم يعود إلى حياته.
وهكذا، لا يعود السؤال:
لماذا يُقتل الفلسطيني؟
بل:
كيف صار قتله ممكنًا،
ومستمرًا،
ومبرَّرًا،
بعد قرارٍ دولي،
وبعد خطة قيل إنها ستُنهي الحرب؟
هذا ليس فشلًا في النظام الدولي.
هذا هو النظام،
حين يعمل كما صُمّم.
والإبادة هنا
ليست انحرافًا عن العدالة،
بل نتيجة عالم
لم يعد يعرف
أين تبدأ الأخلاق
وأين تنتهي السياسة.
في نهاية هذا المشهد الطويل، لا يمكن الاكتفاء بتوجيه النظر إلى الخارج فقط.
ليس لأن الجريمة أقل وضوحًا،
بل لأن الإبادة لا تعمل في الفراغ.
ما يجعل هذا القتل ممكنًا،
وممتدًا،
وقابلًا لإعادة التسمية كل مرة،
هو أن الحضور الفلسطيني نفسه بات هشًّا،
مفككًا،
بلا حامل سياسي جامع قادر على تحويل الدم إلى معنى،
والمعاناة إلى فعل،
والضحايا إلى قضية لا إلى أرقام.
نحن اليوم لا نواجه تقسيمًا جديدًا،
بل تقسيم المقسَّم.
غزة تُدار كملف إنساني،
والضفة تُدار كمسألة أمنية،
والقدس كاستثناء دائم،
واللاجئون كذاكرة مؤجلة،
والشعب كجزر معزولة عن بعضها،
بلا مركز ثقل سياسي واحد.
في هذا الفراغ،
لا تحتاج الإبادة إلى انتصار عسكري.
يكفيها أن تجد ساحة بلا عنوان،
وصوتًا بلا جهة،
وتمثيلًا لا يمثّل.
الحامل السياسي الفلسطيني،
كما هو قائم اليوم،
لا يشكّل خطرًا على مشروع الإبادة،
ولا حتى إزعاجًا له.
مترهّل،
متشظٍ،
يعمل بردّ الفعل،
ويفاوض على التفاصيل
بينما يُسحب المعنى من تحت قدميه.
وحين يغيب الحامل،
تُعاد صياغة القضية:
من قضية تحرّر
إلى أزمة إنسانية،
ومن صراع سياسي
إلى إدارة كوارث،
ومن شعب له حق تقرير المصير
إلى سكان يحتاجون مساعدات.
هنا تلتقي الإبادة الخارجية
مع الفراغ الداخلي.
ليس كتواطؤ مباشر،
بل كتماهٍ قاتل.
فلا عدالة بلا حامل سياسي قادر على المطالبة بها.
ولا حقوق إنسان بلا ذات سياسية تحرسها.
ولا حرية تُمنَح لشعب
إذا كان ممثَّلًا بكيانات لا تمثّل إلا نفسها.
ولا تقرير مصير في ظل صفٍّ مفكك
يتقاسم الأدوار بدل أن يوحّد الاتجاه.
إن وقف الإبادة لا يبدأ فقط بضغط دولي غائب،
ولا بقرارات مجلس أمن معلّقة،
ولا بخطط سلام تُكتب في غرف مغلقة.
يبدأ أولًا بإعادة بناء الحامل الفلسطيني،
لا بوصفه جهازًا،
بل بوصفه مشروعًا جامعًا،
يعيد وصل ما قُطع،
ويمنح الدم معنى سياسيًا،
لا إنسانيًا فقط.
بدون ذلك،
ستبقى الإبادة مستمرة…
حتى لو تغيّر اسمها ألف مرة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
4 / 2 / 2026