محمد أيت حمو - المخاطبة الشعرية عند الفلاسفة المسلمين.. الفارابي نموذجاً..

"الشعر أكثر مشابهة للفلسفة من الكلام الآخر، لأنه أشد تناولاً للموجود وأحكم بالحكم الكلي".
ابن سينا، فن الشعر، ص 183


إذا كان منطق البرهان قطعياً يقتضي التواطؤ[1]، فإنّ منطق الحجاج هو منطق المحتمل Probable والإمكان الغالب Plausible. فالحجاج هو أقاويل لا تتميز بالضرورة، وإنما تسعى إلى إقناع الآخر بتصديق أو حكم معين. فالأقاويل الحجاجية ليست بالضرورة صادقة، ولكنها يمكن أن تكون صادقة، وهي كلّ ما دون القطعي. وتتفاوت الأقاويل الحجاجية في قوة إلزامها بين القوة والضعف. فالحجة تختلف من الأقل إقناعاً إلى الأكثر إقناعاً، والتي تقترب من درجة اليقين مثل الجدل. وقد تحدث الفارابي في كتاب إحصاء العلوم عن أقسام علم المنطق وأجزائه، وأصناف الصنائع القياسية، التي يتحدث فيها عن الأقاويل البرهانية، والأقاويل الجدلية، والأقاويل السوفسطائية، والأقاويل الخطبية، والأقاويل الشعرية[2].

فكلّ صنف من هذه الأصناف الخمسة يتميز عن غيره في المتانة والقوة أو الضعف والوهن، وفي اليقين أو الظن. وقد شئنا في هذا العرض الحديث عن مبحث الشعر لدى الفلاسفة المسلمين باعتباره يندرج ضمن جنس الحجاجيات المفصول عن جنس البرهانيات.

يعرّف ابن سينا الشعر قائلاً: "إنّ الشعر هو كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية، وعند العرب مقفاة. ومعنى كونها موزونة أن يكون لها عدد إيقاعي. ومعنى كونها متساوية هو أن يكون كلّ قول منها مؤلفاً من أقوال إيقاعية، فإنّ عدد زمانه مساو لعدد زمان آخر. ومعنى كونها مقفاة هو أن يكون الحرف الذي يختم به كلّ قول منها واحداً"[3].

فالشيخ الرئيس يختصر الشعر في التخييل، والقول الشعري في القول المخيل. ولا يخرج النظر المنطقي عن هذا المعنى. فالتخييل هو الزاوية التي تنظر من خلالها عين المنطقي. "ولا نظر للمنطقي في شيء من ذلك إلا في كونه كلاماً مخيلاً[...]، وإنما ينظر المنطقي في الشعر من حيث هو مخيل"[4]. ولكن إذا كانت الأقاويل الشعرية هي الأقاويل المخيلة، فما هو المخيل؟ نسوق الجواب على لسان ابن سينا الذي يعرّفه قائلاً: "المخيل هو الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط عن أمور وتنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختيار. وبالجملة تنفعل له انفعالاً نفسانياً غير فكري، سواء كان المقول مصدقاً به أو غير مصدق. فإنّ كونه مصدقاً به غير كونه مخيلاً أو غير مخيل: فإنه قد يصدق بقول من الأقوال ولا ينفعل عنه، فإن قيل مرّة أخرى وعلى هيئة أخرى انفعلت النفس عنه طاعة للتخييل لا للتصديق. فكثيراً ما يؤثر الانفعال ولا يحدث تصديقاً، وربما كان المتيقن كذبه مخيلاً"[5]. وإذا كانت المخاطبات تنقسم إلى جنسين اثنين هما البرهان الذي يحصل اليقين أو القطع والحجاج الذي يحصل القناعة، فإنّ القناعة تقوى كذلك بالشعريات التي تصيب التخييل.

ويخصص الشيخ الرئيس حيزاً للإبانة عن البداية الأولى للشعر والعلل المولدة له، وكيفية نشأته، فيذكر سببين اثنين يعزو إليهما ولادة هذا الفن من القول، فيقول: "إنّ السبب المولد للشعر في قوة الإنسان شيئيان: أحدهما الالتذاذ بالمحاكاة واستعمالها منذ الصبا[...]، والسبب الثاني حبّ الناس للتأليف المتفق والألحان طبعاً"[6]. فهذا هو الأصل والمبدأ عند ابن سينا في ظهور الشعر الذي يرى أنه لا مناص له من مبدأ وآخر ووسط. "فيجب أن يكون تقويم الشعر على هذه الصفة: أن يكون مرتباً فيه، أول ووسط وآخر، وأن يكون الجزء الأفضل في الوسط، وأن تكون المقادير معتدلة، وأن يكون المقصود محدوداً لا يتعدى ولا يخلط بغيره ممّا لا يليق بذلك الوزن، ويكون بحيث لو نزع منه جزء واحد فسد وانتقص. فإنّ الشيء الذي حقيقته الترتيب إذا زال عنه الترتيب لم يفعل فعله. وذلك لأنه إنما يفعل لأنه كل، ويكون الكل شيئا محفوظاً بالأجزاء...."[7].

يقيم الفارابي تمييزاً دقيقاً بين القول المغلط والقول المحاكي. "وذلك أنهما مختلفان بوجوه: منها أنّ غرض المغلط غير غرض المحاكي. إذ المغلط هو الذي يغلط السامع إلى نقيض الشيء حتى يوهمه أنّ الموجود غير موجود، وأنّ غير الموجود موجود. وأمّا المحاكي للشيء فليس يوهم النقيض، لكن الشبيه. ويوجد نظير ذلك في الحس، وذلك أنّ الحال التي توجب إيهام الساكن أنه متحرك، مثل ما يعرض لراكب السفينة عند نظره إلى الأشخاص التي هي على الشطوط، أو لمن على الأرض في وقت الربيع عند نظره إلى القمر والكواكب من وراء الغيوم السريعة السير، هي الحال المغلطة للحس، فأمّا الحال التي تعرض للناظر في المرائي والأجسام الصقيلة فهي الحال الموهمة شبيه الشيء"[8]. ويرى ابن سينا أنّ "المحاكاة هي إيراد مثل الشيء وليس هو هو[...]، وإنما يوجد الشعر بأن يجتمع فيه القول المخيل والوزن[...]، وكلّ محاكاة فإمّا أن يقصد به التحسين، وإمّا أن يقصد به التقبيح"[9].

فإذا كانت غاية المرام من المغلط هي النقيض، فإنّ غاية المرام من المحاكي هي الشبيه. ومن الجلي أنّ التمثيل هو العملة المتداولة والرائجة في صناعة الشعر، بل يمكن المجازفة بالقول إنّ القول الشعري هو التمثيل بعينه. "وقد يمكن أن تقسم الأقاويل بقسمة أخرى، وهي أن نقول: القول لا يخلو من أن يكون: إمّا جازماً وإمّا غير جازم. والجازم منه ما يكون قياساً، ومنه ما يكون غير قياس. والقياس منه ما هو بالقوة، ومنه ما هو بالفعل. وما هو بالقوة إمّا أن يكون استقراء، وإمّا أن يكون تمثيلاً. والتمثيل أكثر ما يستعمل إنما يستعمل في صناعة الشعر. فقد تبين أنّ القول الشعري هو التمثيل"[10]. فالقياسات جنس تحته أنواع متعددة من الأقاويل المتفاوتة في الصدق والكذب. وإذا كانت الأقاويل البرهانية هي الأقاويل الصادقة مئة بالمئة، فإنّ الأقاويل الشعرية هي الأقاويل الكاذبة مئة بالمئة. وبين الأقاويل الصادقة بالكل التي هي الأقاويل البرهانية، والأقاويل الكاذبة بالكل التي هي الأقاويل الشعرية، توجد أقاويل وأقيسة أخرى تتأرجح بين الصدق والكذب، وتتصدرها الأقاويل الجدلية والخطبية والسوفسطائية. فهذه الأقاويل قد تختلف درجات صدقها وكذبها مرّة، وتتساوى مستوياتها مرّة أخرى، وتتفاوت حيناً آخر. يقول الفارابي: "وقد يمكن أن تقسم القياسات، وبالجملة الأقاويل بقسمة أخرى، فيقال: إنّ الأقاويل إمّا أن تكون صادقة لا محالة بالكل، وإمّا أن تكون كاذبة لا محالة بالكل، وإمّا أن تكون صادقة بالأكثر كاذبة بالأقل، وإمّا عكس ذلك، وإمّا أن تكون متساوية الصدق والكذب. فالصادقة بالكل لا محالة هي البرهانية، والصادقة بالبعض على الأكثر فهي الجدلية. والصادقة بالمساواة فهي الخطبية. والصادقة في البعض على الأقل فهي السوفسطائية، والكاذبة بالكل لا محالة فهي الشعرية. وقد تبين من هذه القسمة أنّ القول الشعري هو الذي ليس بالبرهانية ولا الجدلية ولا الخطابية ولا المغالطية، وهو مع ذلك يرجع إلى نوع من أنواع السولوجسموس أو ما يتبع السولوجسموس، وأعني بقولي: "ما يتبعه": الاستقراء والمثال والفراسة، وما أشبهها ممّا قوته قوة قياس"[11].

وتختلف الأقاويل الشعرية باختلاف أوزانها ومعانيها. ولم يفت الفارابي الإشارة إلى عدم تمييز الشعراء القدامى والمعاصرين بين أوزان الأشعار والأحوال، بحيث لم يخصصوا لكلّ معنى شعري وزناً محدداً يناسبه ويرتبط به ارتباطاً قوياً لا انفكاك عنه. وهذه الإشارة أشبه بالحكم الذي ينطبق بالتمام والكمال على كلّ الأمم التي يضع المعلم الثاني كلّ شعرائها في كفة واحدة ما عدا أمّة اليونان التي يشذ شعراؤها عن هذه القاعدة التي لا استثناء لها يشذ على الندور إلا بهم. فقد اختار شعراء أمّة اليونان سلوك طريق التميز والفرادة والقدوة، والتحليق خارج سرب شعراء الأمم الماضية والحاضرة، على حد الملاحظة الحصيفة والذكية للفارابي الذي يأبى إلا أن يستدرك قائلاً: "[...] اليونانيون فقط: فإنهم جعلوا لكل نوع من أنواع الشعر نوعاً من أنواع الوزن، مثل أنّ أوزان المدائح غير أوزان الأهاجي، وأوزان الأهاجي غير أوزان المضحكات، وكذلك سائرها. فأمّا غيرهم من الأمم والطوائف فقد يقولون المدائح بأوزان كثيرة ممّا يقولون بها الأهاجي إمّا بكلها وإمّا بأكثرها، ولم يضبطوا هذا الباب على ما ضبطه اليونانيون"[12]. وبذلك تتناسب الأوزان التي يحمل كلّ وزن منها اسماً خاصاً به مع الأغراض التي تقدّ على مقاسها،. "واليونانيون كانت لهم أغراض محدودة يقولون فيها الشعر، وكانوا يخصون كلّ غرض بوزن على حدة، وكانوا يسمون كل وزن باسم على حدة"[13].

وقد شاء الفارابي الخوض في تعداد أشعار اليونانيين، سيراً على نهج أرسطو، واقتفاء لخطاه في صناعة الشعر، فذكر العديد من أنواعها ونماذجها، وفي مقدمتها: طراغوذيا. و"هو نوع من الشعر له وزن معلوم يلتذ به كلّ من سمعه من الناس أو تلاه، يذكر فيه الخير والأمور المحمودة المحروص عليها ويمدح بها مدبرو المدن. وكان الموسيقاريون يغنون بها بين يدي الملوك، فإذا مات الملك زادوا في أجزائها نغمات أخرى، وناحوا بها على أولئك الملوك"[14]. ويليه ديثرمي، و"هو نوع من الشعر له وزن ضعف وزن طراغوذيا يذكر فيه الخير والأخلاق الكليّة المحمودة والفضائل الإنسانية، ولا يقصد به مدح ملك معلوم ولا إنسان معلوم، لكن تذكر فيه الخيرات الكلية"[15]. وقوموذيا و"هو نوع من الشعر له وزن معلوم تذكر فيه الشرور وأهاجي الناس وأخلاقهم المذمومة وسيرهم الغير المرضية. وربما زادوا في أجزائه نغمات وذكروا فيها الأخلاق المذمومة التي يشترك فيها الناس والبهائم والصور المشتركة القبيحة أيضاً"[16]. وأيامبو، و"هو نوع من الشعر له وزن معلوم تذكر فيه الأقاويل المشهورة: سواء كانت تلك من الخيرات، بعد أن كانت مشهورة مثل الأمثال المضروبة. وكان يستعمل هذا النوع من الشعر في الجدال والحروب وعند الغضب والضجر"[17]. ودراماطا "فهذا الصنف بعينه، إلا أنه تذكر فيه الأمثال والأقاويل المشهورة في أناس معلومين وفي أشخاص معلومة"[18]. وأيني و"هو نوع من الشعر تذكر فيه الأقاويل المفرحة: إمّا لإفراط جودتها، وإمّا لأنها عجيبة بديعة"[19]. وديقرامي و"هو نوع من الشعر كان يستعمله أصحاب النواميس يذكرون فيه الأهوال التي تتلقاها أنفس البشر إذا كانت غير مهذبة ولا مقومة"[20]. وأفيقي وريطوري و"هو نوع توصف به المقدمات السياسية والنواميسية، ويذكر بهذا النوع سير الملوك وأخبارهم وأيامهم ووقائعهم"[21]. وساطوري و"هو نوع من الشعر له وزن أحدثه علماء الموسيقاريين ليحدثوا بإنشادهم حركات في البهائم، وبالجملة في جميع الحيوان، ممّا يتعجب منها لخروجها عن الحركات الطبيعية"[22]. وفيوموتا و"هو نوع من الشعر يوصف به الجيد والرديء، المستقيم والمعوج، ويشبه كلّ نوع من أنواع الشعر بما يشبه من الأمور الحسنة الجيدة والقبيحة الرذلة"[23]. وإيفيجانا و"هو نوع من الشعر أحدثه علماء الطبيعيين، وصفوا فيه العلوم الطبيعية، وهو أشد أنواع الشعر مباينة لصناعة الشعر"[24]. وأخيراً نصل إلى أقوسقي و"هو نوع من يقصد به تلقين المتعلمين لصناعة الموسيقار، وهو مقصور على ذلك، ولا ينتفع به في غير هذا الباب"[25]. فهذه جملة من الأصناف الشعرية التي ذكرها الفارابي وكذلك ابن سينا[26]، وهي عينها الأصناف التي نجدها لدى أرسطو. وقد أبى المعلم الثاني إلا أن يتمم معالم لوحة أصناف الشعراء اليونانيين، بإضافة ملحق من المعاني الأخريات للأصناف الشعرية السابقة، حتى تكتمل معالم اللوحة الشعرية التي يريد رسمها وتقديمها للقارئ الكريم. فميز بين طبقتين من الشعراء: طبقة الشعراء الذين لهم طبيعة جبلية، وخاصية طبيعية في نظم الشعر وحكايته، وملكة جودة التشبيه والتمثيل لأحد أو أكثر أنواع الشعر. "وهؤلاء غير مسلجسين بالحقيقة لما عدموا من كمال الروية والتثبت في الصناعة"[27]. وطبقة أخرى من الشعراء لهم دربة بصناعة الشعر وقوانينه وخاصياته، "ويجودون التمثيلات والتشبيهات بالصناعة. وهؤلاء هم المستحقون اسم الشعراء المسلجسين"[28]. وبين هؤلاء وأولئك من الشعراء، تنتصب فئة ثالثة وسطى في المنزلة بين المنزلتين من الفئتين السالفتين، لا يتوفرون على طباع جبلية شعرية، ولا يملكون دربة بقوانين صناعة الشعر، وهذه الطبقة الوسطى يسميها الفارابي بـ"المقلدين" للفئتين السابقتين. "وهؤلاء أكثرهم زللاً وخطأ"[29]. وتحضرني هنا بعض العبارات الدالة للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، من قبيل "كثر الشعراء وقلّ الشعر"، و"أنقذونا من هذا الشعر". والمقصود هنا كلّ الشعراء الذين يسمّون كذلك زوراً.

ويجمع الفارابي صنيع كلّ الفئات الثلاث السابقة من الشعراء في خانة الطبع أو القهر. ذلك أنّ صنيعها لا يخرج عن مسالك هذين المسلكين اللذين هما الطبع أو القهر.

"إنّ ما يصنعه كلّ واحد من هؤلاء الطوائف الثلاث لا يخلو من أن يكون عن طبع أو قهر. وأعني بذلك أنّ الذي جبل على المدح وقول الخير فربما اضطره بعض الأحوال إلى قول بعض الأهاجي، وكذلك سائرها. والذي تعلم الصناعة وعوّد نفسه نوعاً من أنواع الشعر، واختاره من بين الأنواع ربما ألجأه أمر يعرض له إلى تعاطي ما لم يستخره لنفسه فيكون ذلك عن قهر: إمّا عن نفسه أو عن خارج. وأحمدها ما كان عن طبع"[30]. وأمّا أحوال الشعراء في قول الشعر، فليست على وزان واحد من الكمال والتقصير، بل تختلف وتتباين. "إنّ أحوال الشعراء في تقوالهم الشعر تختلف في التكميل والتقصير. ويعرض ذلك إمّا من جهة الخاطر، وإمّا من جهة الأمر نفسه. أمّا الذي يكون من جهة الخاطر فإنه ربما لم يساعده الخاطر في الوقت دون الوقت، ويكون سبب ذلك بعض الكيفيات النفسية[...]، وأمّا الذي يكون من جهة الأمر نفسه فلأنه ربما كانت المشابهة بين الأمرين اللذين يشبه أحدهما بالآخر، وربما كانت قريبة ظاهرة لأكثر الناس، فيكون القول في كماله ونقصانه بحسب مشابهة الأمور من قربها وبعدها. وإنّ المتخلف في الصناعة ربما أتى بالجيد الفائق الذي يعسر على العالم بالصناعة إتيان مثله، ويكون سبب ذلك البحث والاتفاق، ولا يستحق اسم المسلجس"[31].

وقد تحدث الفارابي في كتاب الجدل المنشور ضمن الجزء الثالث من كتاب المنطق عند الفارابي عن "ماهية الجدل"[32] مرتئياً أنّ الجدل يستخدم المقدمات المشهورة قصد الإبطال أو الحفظ بين اثنين، هما السائل والمجيب، وذلك بهدف الغلبة[33]. فالمشهورات أقوى من المقبولات، وهي تقوم مقام الصدق في الجدل، والإقناع بالذات يحصل بالتقنيات الخطابية، وتقويه المشهورات، وإن كانت المشهورات في الجدل لا تؤدي إلى الإقناع بل إلى الغلبة. كما تقويه كذلك الشعريات التي تصيب التخييل. وبالجملة فالمقدمات المقبولة نستخدمها في الخطابة، والمقدمات المشهورة نستخدمها في الجدل، كما أنّ المقدمات الشعرية نستخدمها في التخييل. ولا يخفى على الفطن الأريب أنّ التصديق هو الخيط الذي تنتظم فيه الخطابة والجدل والبرهان، بينما نجد التخييل في الشعر. وقد قيل قديماً: إنّ أجود الشعر أكذبه، ومعناه أن أجود الشعر هو أجوده تخييلاً. يقول الفارابي: "والمقدمات التي تستعمل أوائل هي المقبولات والمشهورات والمحسوسات واليقينية. غير أننا نحن في أول أمرنا لا تتميز لنا المشهورات عن المقدمات اليقينية، بل نستعملها جميعاً استعمالاً واحداً، وعسى أن يكون سبارنا أولاً لصحة المقدمات والآراء أن نجدها مشهورة وآراء متفقاً عليها. وذلك أنّ المقدمات الأول اليقينية أشخاص موضوعاتها محسوسة. فهي من حيث هي مقدمات كليّة مشهورة أول. فلذلك ينبغي أن نجعل المشهورات أوائل ونجعل اليقينية المشتركة للجميع في جملتها. فتحصل أصناف المقدمات اتي تستعمل أوائل وتتميز بعضها من بعض من أول الأمر ثلاثة: محسوسات ومقبولات ومشهورات. والناس أبداً يقدّمون المحسوسات والمشهورات على المقبولات بالشرف والرياسة. ويرون أنّ المقبولات سبيلها أن تمتحن وتصحح بالمحسوسات والمشهورات، ويرون في المشهورات أنها أخصّ بالإنسان من المحسوسات، إذ كان الحس مشتركاً لنا ولسائر الحيوان، وأنها للعقل وحده، وأنها هي المعقولات. وإنّ الحجج المأخوذة عن المشهورات هي حجج العقول. والمحسوسات لا تستعمل مبادئ في الجدل لأنّ موضوعاتها أشخاص، إلا في الاستقراء لتصحيح المقدمات الكليّة التي أشخاص موضوعاتها محسوسة وليست هي بالمقدمات المحسوسة، لكنها داخلة في المشهورات"[34].

وفي إحدى دراستنا السابقة أومأنا إلى أنّ الفارابي يميز "بين نشأتين للملة: نشأة قبل الفلسفة اليقينية، ونشأة بعد الفلسفة اليقينية. فالملة التي نشأت قبل الفلسفة اليقينية تتأطر بالمباحث السوفسطائية والجدلية والخطبية، فتكون ممتلئة بالآراء الكاذبة. ولنتذكر هنا الديانات المذكورة في أشعار هوميروس الممتلئة بالأساطير. أمّا النشأة الثانية التي تكون للملة بعد قيام الفلسفة اليقينية فتكون الملة حقيقية وربما أهم من الفلسفة"[35].

خاتمة

من خلال كلّ ما ذكرناه من مواقف ومجالات، يتبين لنا أنّ القول في الشعر عند الفلاسفة المسلمين هو قول في الماهيات، أي فيما يشمل كلّ تحققات الشعر وكلّ أغراضه. وبعبارة أخرى قول في ما يصيب الشعر شعراً. فقد كان الفلاسفة المسلمون يشتغلون على إحدى قوى أو ملكات الإنسان بما هو إنسان. والإنسان بما هو إنسان محاكٍ، وليس بما هو حيوان ناطق. أليس الإنسان سوى حيوان محاكٍ للشعر والموسيقى والإيقاعات...؟ بلى، فلكل هذا مكان في الإنسان. ومن هنا يمكن أن نستنكر نسبة العقل إلى ملة أو عرق. فإذا كان يصح القول بـ"مجتمع إسلامي"، أو "حضارة إسلامية"، مثلاً، فإنه لا يصح القول بـ"عقل مسيحي" أو "عقل إسلامي" أو "عقل بوذي"، أو غيرها من العبارات الملتبسة التي تقوض وحدة الجنس البشري، وتردّ الأسس المكونة لوحدة النوع التي تجعلنا حيوانات ناطقة لا نتفاوت بعرق أو ميلاد. "وما من شك، أنّ العقل واحد، سواء جاء في صورة "لوغوس" أو "راسيو". ولذلك لا نستطيع تقسيمه بحسب الجغراسياسية التي تقسم العالم إلى مناطق نفوذ وهيمنة. فليس هناك عقل عربي أو عقل أوروبي وعقل أميركي وعقل هندي وآخر سوفياتي. وليس العقل خاصية قوميات ضيقة، وليس انتماء إلى شعب دون آخر أو إلى عنصر دون آخر. كذلك لا يمكننا خلط العقل بنتائجه ومنتجاته في ثقافة معينة"[36].

فالأطر التحليلية التي تحمل علينا وتحكمنا، كحيوانات ناطقة، واحدة. بمعنى أنّ الأطر التي تتحكم في العمليات العقلية، وفي أنظارنا، واحدة، ممّا يجعلنا نقيم أطراً إنسانية، وإلا ما تمّ هذا. فما يعرفه الفلاسفة جميعاً، نذكر مقولتي المكان والزمان اللذين يحكمان أنظارنا، ولا يخرج النظر خارجهما. فالعقل البشري تحكمه أطر واحدة تتيح إمكان النظر والتواصل بيننا. وبناء عليه، فالجهد التحليلي المنطقي الذي قام به أرسطو في مختلف المعارف التي فحصها وصبّ عليها اهتمامه قصد استجلاء الضوابط والقوانين والكليات، جهد لا نستطيع أن نقول عنه إنّه جهد يوناني لا يستقيم حين نمارسه على لسان غير اللسان اليوناني، أو حين نمارسه على لغة غير اللغة اليونانية. بمعنى أننا لا نستطيع أن نقول هذا تصديق بالمعنى اليوناني وليس تصديقاً بالمعنى العربي. فالقضية هي هي، والتصور هو هو، وتسمياتنا نحن تختلف. فأرسطو لم يكن يشتغل على الجزئيات، بل كان همه أن يعطي الضوابط والقوانين والكليّات.

فأرسطو يعلمنا أنّ الشعر محاكاة شيء بالسلب أو الإيجاب دون تغيير ماهيته، فنحن لسنا حيوانات ناطقة فحسب، ولكن من طبائعنا بالولادة المحاكاة. فمكانة الشعر في الإنسان كمكانة التصديق فيه، إذ ليس هناك تصديقات فقط بل هناك التخييلات أيضاً. فطبائع البشر عقل وتخييل.


لائحة المصادر والمراجع

[1]ـ ابن سينا، الفن التاسع من الجملة الأولى من كتاب "الشفاء"، ضمن، فن الشعر، تأليف أرسطوطاليس، مع الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، ترجمه عن اليونانية وشرحه وحقق نصوصه عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت ـ لبنان.

2ـ أبو نصر الفارابي، "مقالة في قوانين صناعة الشعراء"، ضمن، فن الشعر، تأليف أرسطوطاليس، مع الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، ترجمه عن اليونانية وشرحه وحقق نصوصه عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت ـ لبنان.

3ـ أبو نصر الفارابي، المنطق عند الفارابي، تحقيق وتقديم وتعليق رفيق العجم، دار المشرق، بيروت 1986.

4ـ أبو نصر الفارابي، كتاب إحصاء العلوم، قدم له وشرحه وبوبه علي بوملحم، دار ومكتبة الهلال، الطبعة الأولى 1996.

5ـ محمد أيت حمو، الدين والسياسة في فلسفة الفارابي، الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2011.

6ـ فتحي التريكي، "الحداثة والفكر السياسي"، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 78 ـ 79، السنة 1990.

7- Ch.Perelman et L. Olbrechts-Tyteca, Traité de L’argumentation, 3éme édition, Edition de L’Université de Bruxelles.

[1]- Ch.Perelman et L. Olbrechts-Tyteca, Traité de L’argumentation, 3éme édition, Edition de L’Université de Bruxelles, p. 161.

[2]ـ أبو نصر الفارابي، إحصاء العلوم، قدّم له وشرحه وبوّبه علي بوملحم، دار ومكتبة الهلال، الطبعة الأولى 1996. من الصفحة 38 إلى الصفحة 42

[3]- ابن سينا، الفن التاسع من الجملة الأولى من كتاب "الشفاء"، ضمن، فن الشعر، تأليف أرسطوطاليس، مع الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، ترجمه عن اليونانية وشرحه وحقق نصوصه عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت ـ لبنان، ص 161

[4]ـ المصدر نفسه، ص 161

[5]ـ المصدر نفسه، ص ص161 ـ 162

[6]ـ المصدر نفسه، ص ص 171 ـ 172

[7]ـ المصدر نفسه، ص 183

[8]ـ أبو نصر الفارابي، "مقالة في قوانين صناعة الشعراء"، ضمن، فن الشعر، تأليف أرسطوطاليس، سبق ذكره، ص ص 150ـ 151

[9]ـ ابن سينا، الفن التاسع من الجملة الأولى من كتاب "الشفاء"، ضمن، فن الشعر، تأليف أرسطوطاليس، سبق ذكره، ص ص 168 ـ 169. ويقول كذلك: "والشعر من جملة ما يخيل ويحاكي بأشياء ثلاثة: باللحن الذي يتنغم به [...]، وبالكلام نفسه إذا كان مخيلاً محاكياً[...]، وبالوزن، فإنّ من الأوزان ما يطيش ومنها ما يوقر". المصدر نفسه، ص 168

[10]ـ أبو نصر الفارابي، "مقالة في قوانين صناعة الشعراء"، ضمن، فن الشعر، تأليف أرسطوطاليس، سبق ذكره، ص 151

[11]ـ المصدر نفسه، ص 151

[12]ـ المصدر نفسه، ص 152

[13]ـ ابن سينا، الفن التاسع من الجملة الأولى من كتاب "الشفاء"، ضمن، فن الشعر، تأليف أرسطوطاليس، سبق ذكره، ص 165

[14]ـ أبو نصر الفارابي، "مقالة في قوانين صناعة الشعراء"، ضمن، فن الشعر، تأليف أرسطوطاليس، سبق ذكره، ص 153

[15]ـ المصدر نفسه، ص 153

[16]ـ المصدر نفسه، ص 153

[17]ـ المصدر نفسه، ص 154

[18]ـ المصدر نفسه، ص 154

[19]ـ المصدر نفسه، ص 154

[20]ـ المصدر نفسه، ص 154

[21]ـ المصدر نفسه، ص 154

[22]ـ المصدر نفسه، ص 154

[23]ـ المصدر نفسه، ص 154

[24]ـ المصدر نفسه، ص 155

[25]ـ المصدر نفسه، ص 155

[26]ـ ابن سينا، الفن التاسع من الجملة الأولى من كتاب "الشفاء"، ضمن، فن الشعر، تأليف أرسطوطاليس، سبق ذكره، ص ص 166 ـ 167

[27]ـ أبو نصر الفارابي، "مقالة في قوانين صناعة الشعراء"، ضمن، فن الشعر، تأليف أرسطوطاليس، سبق ذكره، ص 155

[28]ـ المصدر نفسه، ص 156

[29]ـ المصدر نفسه، ص 156

[30]ـ المصدر نفسه، ص 156

[31]ـ المصدر نفسه، ص 157

[32]- يقول الفارابي: "صناعة الجدل هي الصناعة التي بها يحصل للإنسان القوة على أن يعمل من مقدمات مشهورة، قياساً في إبطال وضع موضوعه كلي يتسلمه بالسؤال عن مجيب يتضمن حفظه، أي جزء من جزئي النقيض اتفق ذلك، وعلى حفظ كل وضع موضوعه كلي يعرضه لسائل يتضمن إبطاله، أي جزأين [وصوابه أي جزء] من جزئي النقيض اتفق ذلك. وأرسطوطاليس يجعل هذه الصناعة عند تحديده لها أنها طريق. ويقول إنها طريق يتهيأ لنا بها أن نعمل من مقدمات مشهورة قياساً في كلّ مسالة تقصد، وأن يكون إذا أجبنا جواباً لم نأت فيه بشيء مضاد[...].نعني لم نسلم شيئاً يلزمنا عنه نقيض الوضع الذي تصمنا حفظه[...]. والجدل وهو مخاطبة بأقاويل مشهورة يلتمس بها الإنسان إذا كان سائلاً. إبطال أي جزء من جزئي النقيض، اتفق أن يتسلمه بالسؤال عن مجيب تضمن حفظه. وإذا كان مجيباً التمس بها حفظ أي جزء من جزئي النقيض، اتفق أن عرضه لسائل تضمن إبطاله. فإبطال السائل على المجيب ما تضمن حفظه هو غرض السائل، وذلك هو غلبته للمجيب، وحفظ المجيب ما تضمن السائل إبطاله هو غرض المجيب، وذلك هو غلبته للسائل[...]، فالسائل منهما يتضمن إبطاله بأن يأتي بقياس يعلمه [وصوابه يعمله]. من مقدمات مشهورة ينتج نقيضه، والمجيب يتضمن حفظه بأن لا يسلم للسائل شيئاً يلزم عنه نقيضه، وإن أتى السائل من عند نفسه بشيء والتمس به إبطال ذلك الوضع تلقاه بقول يعاند ذلك الشيء. وذلك أنّ السائل سبيله أن يتسلم أولاً من المجيب الوضع بالسؤال، فإذا حصل الوضع مفروضاً فأنجح أفعاله بعد ذلك أن يتسلم أيضاً بالسؤال من الجيب المقدمات التي يرى أنها نافعة في إبطال ذلك الوضع مقدمة مقدمة. فإذا حصل عنده من المقدمات التي سلمها المجيب مقدمات، إذا ألفها لزم عنها نقيض الوضع، جمعها وأنتج عنها النقيض مخاطباً بها للمجيب على طريق الإخبار، لا على طريق السؤال، فإذا تمّ ذلك على المجيب فقد حصل عليه تبكيت. فالتبكيت هو القياس الذي ينتج عنه السائل مناقض ما تضمن المجيب حفظه من رأي ووضع". الفارابي، المنطق عند الفارابي، الجزء الثالث، كتاب الجدل، تحقيق وتقديم وتعليق رفيق العجم، دار المشرق، بيروت 1986، ص ص 13ـ14

[33]- "والمقدمات الجدلية هي الكليّة المشهورة. وبين أن موضوعاتها كليّة، لأنّ التي موضوعاتها أشخاص تدرس أولاً فأولاً على طول الزمان، أو تغيب فلا يدرى كيف حالها بعد غيبتها عن الحواس.[...]. والمقدمات المشهورة عند الجميع ينبغي أن يكون المفهوم منها معنى واحداً بعينه في العدد عند الجميع. وتقبل هذه المقدمات والآراء [وصوابه وتستعمل] تستعمل من غير أن تمتحن وتسبر ويعلم هل هي مطابقة للأمور الموجودة أو غير مطابقة لها، بل تقبل على أنها آراء فقط من غير أن يعلم منها شيء أكثر من أنّ جميع الناس يرون فيها أنها كذا أو ليست كذا، كما أنّ ما يخبره الثقة عندنا من أمر رآه نقبله ونعمل فيه على أنه بالحال التي أخبر بها من غير أن نكون نحن شاهدناه بذلك الحال". المصدر نفسه، ص 17..

[34]ـ المرجع نفسه، ص 19

[35]ـ محمد أيت حمو، الدين والسياسة في فلسفة الفارابي، الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2011، ص 79

[36]ـ فتحي التريكي، "الحداثة والفكر السياسي"، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 78 ـ 79، السنة 1990، ص 21




* منقول لكل فائدة عن موقع مؤمنون بلاحدود

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...