حنين الكرمي - قراءة في قصيدة "الموتى يعلمون ما يفعلون" للشاعرة إيمان السيد

النص

الموتى يعلمون ما يفعلون

⚘⚘⚘

بُعيَد صلاة الفجر
وجدتُني...وجدتُني أنا الكثيرةُ
-على الرغم من وحدتي
على الرغم من
انقطاع تواصلي الروحيِّ
عن كلِّ من هم ليسوا معي-
أقف على رؤوس أصابعي
فوق غيمةٍ كبيرةٍ
فاردةً ذراعَي- لحفظ التوازن-
فوقَ هشاشةِ قطنها
أهمس في سرِّي:
لن أسقطَ عنها
أؤمنُ بنفسي جدًا
وأثقُ برشاقتي
ثم أقرِّر أنْ
أشاركها شرائع:
العُلوِّ..
والبكاء
واللُّون

أرى الأرضَ الواسعة
بحجم ذرةٍ
فارغةً من كلِّ الذين
كانوا يشاركوني الحياة
فأسألها:
من منا ميتٌ الآن
هم، أم أنا؟!
كلاكما...
تجيب الغيمة
ممممم.... طيب
ومن منا يعيش وهمه
أولئك الذين على الأرض
على قلَّتهم!
مشيرةً بإصبعي إلى الأسفل
أم.. أنا الوحيدة هنا
على كثرتي؟!
وقد وضعتُ يدي اليمنى
فوق خصري
وصعَّرتُ خدي لها
-لن تُصلِحي هفوات العالم
يا فتاة
تقولها بصوتٍ غاضبٍ
ثم تتابع...
وهي تهزُّ سبابتها الطويلة
في وجهي الطفولي
عاقدةً حاجِبَيها
الأبيضَين الكثيفَين:
يا بنت يا إيمان
ليس بمقدوركِ
تغيير نظام الكون
اعلمي ذلك جيدًا

أعطسُ من شدة البرد
يختلُّ توازني
أكاد أهوي
تمتدُّ أكثر فاردةً ذراعَيها
لاحتضاني
أستعيد بعض توازني
تبتسمُ بحنانٍ
ثم تقرِّر أن تُعدَّ لي
قهوةً كثيفةً بيضاء
لأستعيد تركيزي
وأستجمع قوى روحي الكبيرة
مرةً أخرى..

يُدركني الغرق
عندما تمطر
لكنِّي أنتشي
فلا أرغب بالانفصال عنها
رغم قلقها البادي
في ارتعاش كفَّيها
وجحوظ عينيها
أهمس في أذنها لأطمئنها:
المطر قريبُ عهدٍ بالله
يطهِّرني من رجس الشيطان
ويغسلني....
حتى ممَّا كنتُ أظنُّه
حبًا وفيًا نقيًا طاهرًا
تربِّتُ -مبتسمةً-على ظهري
وتزمُ شفتَيها
مشيرةً بكفِّها الكبيرة
نحو السماء أن:
إلزمي الصمت
نحن الآن
في حضرة المطر

أسعى للاصطباغ بلونها
فتبتسم قائلةً:
لكنَّك بيضاء..
الروح
والقلب
والنفس!
رغم الغجرية التي تسكنكِ
وتحاول جاهدةً سوقَكِ
إلى عكس الاتجاه
حيث غيم أفكاركِ
الرماديِّ العالقِ
بين السماء والأرض

يُومض الغيم
فاتنبَّأ بجلجلة الرعد
يغشاني الرعب
فأصرخُ وهي تميد بي
محاولةً الثبات:
لا تصرخي
فلا آذان للفراغ
والقويُّ من يسقط
حرًا

على سبيل التحليق
أفرد ذراعَي
لكن هذه المرة
في الهواء
وأنذر روحي الكبيرة
لله
دون أنْ ألتفتَ إلى:
بقايا جحيمهم
قهقةَ ضحكاتِهم
تشتُتَ أفكارِهم
قُبحَ ظنونِهم
سوء فهمِهم
كذبَ رواياتِهم
سوادَ أفكارِهم
رعونةَ أفعالِهم
و...
كثرةَ أخطائي
لأني هكذا ببساطة
أؤمنُ...
أؤمنُ بالله جدًا
كما أؤمنُ بفطرتي
أنا الكثيرةُ فيما عشتُه
ولم أعشه!
والمتيقنة أبدًا
أنَّ المسألة كلها
مسألة وقتٍ
ليس إلا..

قُبَيل أن يُرفعَ أذان المغرب
كان قد حلَّ في غرفتي
نصفُ ظلامٍ شفيفٍ
وكنتُ قد عدتُ
إلى سريري المرتِّب
بملاءتة الناصعة
تعلو وجهي
ذا الملامحِ البريئةِ
ابتسامةٌ بيضاءُ
خافتةٌ.

إيمان فجر السيد/ سورية
إيمان
قراءة نقدية أنطولوجية بقلم
الكاتبة حنين الكرمي
لنص الشاعرة إيمان فجر السيد
الموتى يغلمون ما يفعلون

حين يغدو التناص الديني امتحانًا لا ملاذًا
تقدُّم قصيدة «الموتى يعلمون ما يفعلون» لإيمان فجر السيد تجربةً إنسانيةً وجوديةً معاصرةً، يتحوَّل فيها التناص الديني من كونه ملاذًا تطمينيًا إلى مرآة اختبارٍ قاسيةٍ، تكشف هشاشة الذات في مواجهة نظامٍ كونيًٍ، لا يلين، لا تنشد القصيدة الخلاص، ولا تراهن على يقينٍ نهائيٍّ، بل تختبر الوجود ذاته، بوصفه شرطًا انسانيًا مؤقتًا، تتلوَّى فيه الذات بين الكثرة والوحدة، وبين الرَّغبة في التغيير والإقرار بصلابة القدر.
تبدأ الرحلة «بعيد صلاة الفجر وجدتني..»، لا باختيار، بل بانكشافٍ مفاجئٍ على الذات المتعدًِدة:
«وجدتني انا الكثيرة، على الرغم من وحدتي، على الرغم من انقطاع تواصلي الروحي عن كل من هم ليسوا معي».
هذا التكرار لا يعمل بوصفه تأكيدًا، بل بوصفه زعزعةً للهوية؛ إذ تكتشف الذات نفسها كثافةً من الخبرات غير المكتملة، معزولة في عالم فقدت فيه الجسور.
التناص الضمني مع «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ» (الحديد: 4)
ينقلب هنا دلاليًا؛ فالمعية الالهية لا تمنح الطمأنينة، بل تعمِّق الشعور بالوحدة حين ينقطع التواصل مع البشر. الفجر، بوصفه رمزًا للبدء، يغدو لحظة وعي قسري بالوجود، لا اختيار فيها، بل اكتشافٌ مفاجئٌ للذات في عزلتها.
لا تحلِّق الذات، بل تقف «على رؤوس أصابعي فوق غيمةٍٍ كبيرةٍ فاردةً ذراعَي لحفظ التوازن فوق هشاشة قطنها». هذا الوضع الهش، الذي يذكر باختبارات الأنبياء في البراري، لا يَعدُ بوصول الوحي، بل يضع الذات في فضاء امتحان صرف.
تتكلم الغيمة بلغة النظام الكوني نفسه:
«يا بنت يا ايمان ليس بمقدورك تغيير نظام الكون اعلمي ذلك جيدا».
التناص مع «لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ» (الانبياء: 23)
لا يبرر الغيب، بل يقرُّ بصلابة النظام الوجودي، الذات لا تعاقب، بل تعلّم حدودها، ويغدو الوعي بالعجز معرفةً انسانيةً لا مهانة فيها.
يبلغ التناص الديني ذروته النقدية حين يتحول المطر من رحمةٍ إلى كشفٍ وجودي:
«المطر قريب عهد بالله، يُطهٌّرني من رجس الشيطان، ويغسلني حتى مما كنتُ أظنه حبا وفيًا نقيًا طاهرًا».
يتجاوز التطهير هنا إطار «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» (الاحزاب: 33)
ليصل إلى جوهر الوهم الأخلاقي نفسه، فالذات لا تتطهر من الخطيئة فقط، بل من وهم الطهارة، ذلك الوهم الأخطر الذي يتخفى في صورة فضيلة، حتى الغيمة تدرك فداحة هذا الكشف فتطلب الصمت:
«الزمي الصمت نحن الآن في حضرة المطر».
التطهير هنا ليس احتفالا، بل مواجهةً مقدَّسةً مع العُري الوجودي.
في لحظة الذروة، حين «يغشاني الرعب فاصرخ»، لا تقدم الغيمة تعزية، بل موقفًا أخلاقيًا جذريًا:
«لا تصرخي، فلا أذان للفراغ، والقوي من يسقط حرًا».
الفراغ هنا يتناص مع فكرة الخلوة في الخطاب الديني، لكن دون حضورٍ يُسمع، التناص مع «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» (الطلاق: 3)
ينقلب دلاليًا؛ فالتوكل لا يضمن النجاة، بل يمنح الكرامة في السقوط. القوة ليست في تجنُّب السقوط، بل في السقوط الحر، أي في اختيار الموقف داخل القدر لا الهروب منه.
يتكرَّر توصيف الذات لنفسها بكونها «أنا الكثيرة»، في تناص مقلوب مع منطق التوحيد:
«أنا الكثيرة فيما عشتُه/ ولم أعشه».
الذات الموحدة في العقيدة، لا تتحقَّق هنا كوحدةٍ نفسيةٍ، بل كوحدةٍ ايمانيةٍ تقابلها كثرةٌ بشريةٌ متصدعةٌ. هذا التصدع ليس خروجًا على التوحيد، بل اعترافًا بالهشاشة الانسانية، أمام مطلق الوحدانية الالهية، الكثرة هنا ليست نعمة، بل عبئًا وجوديًا، والقبول بها موقفٌ إنسانيٌُ ناضجٌ.
تختتم الذات تجربتها باقرارٍ وجوديٍ جوهريٍّ: "وأنذر روحي الكبيرة لله"
المتيقنة أبدًا أنّ المسألة كلها مسألة وقت ليس الا» لا يتناص هذا الاقرار مع فكرة الاجل فقط «كِتَابًا مُؤَجَّلًا» (آل عمران: 145) بل يعيد تعريف الوقت ذاته. فالزمن ليس مسافة انتظار للخلاص، بل المسافة التي يستنفد فيها الوعي ذاته.
الوقت هنا شرط اختبار لا وعد نهاية.
تنتهي القصيدة عند «نصف ظلام شفيفٍ» يسبق المغرب، حيث «تعلو وجهي ذا الملامح البريئة ابتسامةٌ بيضاء خافتة». هذه الابتسامة ليست سكينةً صوفية، ولا انتصارًا دراميًا، بل موقفًا إنسانيًا يرفض حسم المعنى. التناص مع لحظات السكينة في الخطاب الديني ينقلب هنا دلاليًا: السكينة ليست وصولاً، بل تعليقًا واعيا للحكم.
تقدم قصيدة «الموتى يعلمون ما يفعلون»
تجربةً انسانيةً وجوديةً معاصرةً، يتحوَّل فيها التناص الدينيُّ إلى أداة مساءلةٍ لا تطمينٍ.
الغيمة ليست محطة تصوفٍ، بل فضاء امتحانٍ كونيٍ، المطر ليس رحمةً، بل كشفًا يجرد الذات من أوهامها. والوقت ليس دورة خلاص، بل المسافة التي تتحمَّل فيها الذات ثقل وعيها المتعدِّد.
الموتى يعلمون ما يفعلون، لأنهم تجاوزوا وهم الحلول؛ أما الأحياء فمهمتهم أن يعيشوا هذا التوتر دون وهم اليقين. وهذا ما تنجزه الذات حين تعود إلى سريرها بابتسامةٍ بيضاءَ خافتةٍ: لا انتصارًا ولا هزيمةً، بل مكوثًا واعيًا في الغموض الوجودي ذاته.
التجربة الانسانية هنا لا تطلب الخلاص، بل الكرامة في المواجهة، وهي إنسانيَّةٌ بامتياز

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...