د. إبراهيم عروش - "بوتَلِّيس" بين الأمس وليوم

دائما كنا نسمع عن أشخاص بمجرد أن ينجلي ضوء النهار "يُتَلَّسون"، يعني يصيبهم "بوتَلِّيس"، و هو عدم القدرة على الرؤية ليلاً أو في الإضاءة الخافتة (العمى الليلي)
فلا يستطيع الشخص أن يرى محيطه فَيُجْبَرُ على البقاء في منزله بعد العصر، ومن أدركه المغيب خارج بيتته في غياب الضوء، يجثم في مكانه ، ومن كان راكبا دابة يسلم أمره إلى حماره للرجوع به إلى منزله. ويتمتع الحمار برؤية ليلية ممتازة تمكنه من التنقل والكشف عن الأخطار في ظروف الإضاءة المنخفضة، وقيل أن قدرة الحمار على رؤية الأشعة تحت الحمراء، مما يجعله قادراً على رؤية الجان. كما ذكرت الأحاديث النبوية أن نهيق الحمار في الليل قد يكون بسبب رؤيته للشيطان!
والسبب الرئيسي في بوتليس يعزى لنقص فيتامين (أ) في التغدية فلا تستطيع خلايا شبكة عصيات (bâtonnets ) العين استعمال هذا الفيتامين لغيابها. وهي خلايا نبوتية (عصوية) حساسة للضوء في الشبكية، تتفعل في الإضاءة المنخفضة , فيصبح الفرد غير قادر على الرؤية الليلية وكان علاجه سهلا حيث يكفي الإكثار من أكل الخضراوات كالجزر والقرع…. أو الكبد لمن استطاع إليه سبيلا ، ليعود البث الليلي وتتضح الرؤيا
وفي زماننا, زمن التخمة ظهر " بوتليس" من نوع أخر نهاري وليلي , فلم نعد نرى أزبالنا وحفرنا وهاوياتنا في مدينتنا ولا الاعتماد على حميرنا ودوابنا لأنهم أصابهم بدورهم بوتليس الثخمة والبحت عن الشحمة التي غلفت شبكة عيونهم بطبقات ، فلم تعد تستطيع الفيتامين أ A اختراقها
فبوتليس القديم كانت عواقبه ضئيلة لغياب خطورة المسالك، وقلة احتياجات الإنسان للخروج ليلا من أجل التبضع أو إستهلاك مرافق التجمعات السكنية وغياب الترفيه، وعلاجه كان سهلا بتحسين التغدية النباتية ، أما بوتليس اليوم فعلاجه عسير لا يكفيه تناول جزر أو كبد وأسبابه غرائزية كغريزة الطمع واحتقار الآخر وعدم الخوف من المحاسبة الوضعية ولا حتى السماوية .

عروش إبراهيم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...