أحمد بوعروة - أزمور... المدينة التي لا تمرّ، بل تُقيم في الذاكرة

ليست أزمور معبرًا عابرًا نحو الجديدة، ولا مدينةً تُختزل في موقع جغرافي بين وادٍ وبحر. أزمور مقامٌ، ذاكرةٌ حيّة، ومدينةٌ تعرف كيف تحرس روحها من النسيان. لكل خطوةٍ فيها وليّ، ولكل حجرٍ حكاية، ولكل بيتٍ ظلّ امرأةٍ أو رجلٍ مرّ من هنا وترك أثرًا.
بهذا الشعور عدتُ صباح الجمعة 30 يناير إلى دار الملحون بأزمور، مدعوًّا إلى الجمع العام العادي للجمعية الإقليمية للشؤون الثقافية بإقليم الجديدة. عدتُ لا كصحافي يؤدي واجب التغطية فقط، بل كشاهدٍ قديم يستأنف حوارًا لم ينقطع مع مدينةٍ أحبّها، وارتبط بها مهنيًا وإنسانيًا وثقافيًا منذ أواسط التسعينيات.
دار الملحون… الفضاء الذي لا يخون الذاكرة
دار الملحون لم تكن مجرّد مقرّ احتضن اجتماعًا تنظيميًا. كانت فضاءً رمزيًا، يُذكّر بأن الثقافة ليست ترفًا، بل مسؤولية واستمرار. حضر أعضاء المكتب المسير، منخرطو الجمعية، وفاعلون وفاعلات في الشأن الثقافي، في أجواء اتسمت بالجدية والإنصات.
قُدّم التقرير الأدبي بما راكمته الجمعية من أنشطة ومبادرات، تلاه التقرير المالي بلغةٍ واضحة، قبل أن تتم المصادقة عليهما بالإجماع. إجماعٌ لا يُقرأ فقط كإجراء قانوني، بل كرسالة ثقة في مسارٍ اختار العمل الثقافي طريقًا له، بعيدًا عن الضجيج.
الثقة كاختيار ثقافي



في قلب هذا اللقاء، جرى تجديد الثقة في عبد اللطيف البيدوري رئيسًا للجمعية الإقليمية للشؤون الثقافية بإقليم الجديدة. لم يكن الأمر تصويتًا شكليًا، بل اعترافًا بمجهودات رجل اشتغل بصمت، ودبّر البرامج بعقلٍ هادئ، وحافظ على استمرارية الفعل الثقافي في سياقٍ صعب.
كما خُوّل للرئيس تشكيل المكتب المسير الجديد، وتم الاتفاق على إحداث مجلس إداري تابع للجمعية، في أفق تعزيز الحكامة، وتطوير آليات التفكير الاستراتيجي، والانفتاح على كفاءات قادرة على ضخّ دم جديد في المشهد الثقافي بالإقليم.
لقاء الوجوه… الثقافة تُقاس بالناس
ما منح هذا الجمع العام عمقه الحقيقي، ليس فقط ما دار في جدول الأعمال، بل الوجوه التي التقيتها. رجال ونساء مبدعون، أكنّ لهم احترامًا صادقًا، يجمعهم الرشد، والوعي، والاشتغال الهادئ. من بينهم مندوب الثقافة السابق "عريس"، "الشاعر "ادريس المرابط" ،ذو الرشاد، التاشفيني، والأستاذة الجامعية المهتمة بالتراث ماجدة بنحيون، إلى جانب أسماء أخرى تشكّل، بصمتها ومواقفها، رصيدًا أخلاقيًا ومعرفيًا للمدينة. لقاء هؤلاء يُعيد الثقة في أن الثقافة ما زالت بخير، ما دام هناك من يحملها كقيمة لا كواجهة.
من الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة الجماعية
وأنا أجلس في دار الملحون، عادت بي الذاكرة إلى زمنٍ آخر. إلى مهرجان أزمور الذي تشرفتُ بإدارته في دورتيه الأولى والثانية، بتكليفٍ من الراحل عبد اللطيف السملالي. زمنٌ انفتحنا فيه على كل طاقات المدينة: التشكيل، الشعر، الموسيقى، الملحون، المسرح، والقصة. لم نكن نبحث عن أسماء جاهزة، بل عن روح المدينة.
نسجنا علاقات متينة مع مبدعيها وصحافييها: أحمد المشكح، عبد الكريم الأزهر، بوشعيب الهبولي، ومع رجالات الملحون ولازموه، في مرحلة كانت الثقافة فيها فعلَ مقاومةٍ يومي ضد التهميش.
من القمامة إلى الحرية
واحدة من أكثر اللحظات دلالة في تلك التجربة، كانت إعادة الاعتبار للسجن البرتغالي القديم. مكانٌ كان مكدّسًا بالأزبال، حوّلناه—بجهد جماعي—إلى فضاءٍ للحرية والإبداع. نظفناه، وأعدنا له الروح، فاحتضن جلسات وليالي زجلية وملحونية، وانفتح على مبدعي الوطن والعالم العربي.
في الدورة الأولى، كرّمنا وجوهًا وازنة، في مقدمتها عمر السيد، ومن خلاله كرّمنا فرقة ناس الغيوان. لم يكن التكريم احتفالًا عابرًا، بل موقفًا ثقافيًا يربط أزمور بسياقها الوطني الكبير. سهرات نُقلت مباشرة على التلفزيون، وحضرها جمهور تجاوز الثمانين ألفًا، لتؤكد أن المدينة قادرة على أن تكون في قلب المشهد.
أزمور التي تسكن الأعمال
علاقتي بأزمور لم تتوقف عند المهرجان. عدتُ إليها بروبورطاجات صحفية، وبأعمال درامية، من بينها مسلسل «القلب المجروح» للقناة الثانية، بمشاركة نخبة من ألمع الممثلين المغاربة، وعلى رأسهم الراحل والرائد عبد القادر مطاع. تواصلتُ آنذاك مع الكاتب والشاعر إدريس المرابط، ومع مندوب الثقافة عريس، وقد وجدتُ لديهما دعمًا حقيقيًا. بل إن جملة من جينيريك المسلسل استُلهمت من عنوان ديوان إدريس المرابطالازمورية «زينة البها»، في إشارة رمزية إلى كيف تُهاجر الكلمات من الديوان إلى الشاشة دون أن تفقد روحها.
ردّ الاعتبار كأفق
من دار الملحون، ومع تجديد الثقة في عبد اللطيف البيدوري، بدا أن أزمور تُجدّد وعدها مع ذاتها. ردّ اعتبارٍ لمدينةٍ أنجبت مبدعين، ورجالًا ونساءً مناضلات وشريفات، وحافظت على الملحون كذاكرة حيّة، لا كتراثٍ مُحنّط.
أزمور ليست ممرًا. هي مقام.
وليست ظلًّا لغيرها. هي ضوءٌ قائم بذاته.
وحين تُدار الثقافة فيها بعقلٍ رشيد، وبوجوهٍ صادقة، تعود المدينة لتكتب حكايتها بنفسها… وتُقنعك بأن الذاكرة، إن وُجد من يحرسها، لا تشيخ.


بقلم: الإعلامي والسيناريست "أحمد بوعروة"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...