فلسطين… حين تتعدّد الزوايا
ولا يتغيّر المركز
لم تعد فلسطين تُرى من مكانٍ واحد.
لم تعد تُحكى بصوتٍ واحد،
ولا تُقرأ بلغةٍ واحدة.
ما يحدث اليوم ليس فائض أحداث، بل فائض زوايا رؤية:
صوت يخرج من خلف القضبان،
ذاكرة تُدار كسلطة،
معرفة تُصاغ لتسبق الدولة،
وجريمة تُسمّى أخيرًا باسمها.
في هذا الفائض، لا تعود الكتب مجرد كتب،
بل نوافذ.
ومن يطلّ من نافذة واحدة يرى مشهدًا،
ومن يمرّ بينها يرى العالم وهو يختبر نفسه عبر فلسطين.
في عالمٍ اعتاد أن يتحدث عن الفلسطيني لا معه، يحدث أمر نادر:
يخرج الصوت من القيد، لا ليشرح نفسه، بل ليكون نفسه.
ليس الأمر سيرة ولا محاولة استدرار تعاطف،
بل استعادة للذات السياسية في أنقى أشكالها:
إنسان يُحرم من المكان لكنه يحتفظ بالزمن،
يُحرم من الحركة لكنه لا يتنازل عن المعنى.
هنا لا تُقدَّم فلسطين كقضية،
بل كذاتٍ ناطقة.
ذات لا تطلب أن تُصدَّق،
بل تفرض حضورها بهدوءٍ قاسٍ.
هذا ما يعنيه النضال حين يُنزع عنه الضجيج،
وهذا ما يعنيه الصوت حين لا يحتاج إلى وسيط.
في هذا المشهد ندرك أن أقسى أشكال القمع
ليست كسر الجسد،
بل مصادرة القدرة على التعريف الذاتي.
وحين يُستعاد التعريف،
تتراجع الروايات الجاهزة خطوةً إلى الخلف.
في صباحٍ عادي،
تظهر صورة واحدة على الشاشة:
يدٌ مقيّدة،
وإصبعان مرفوعان بعنادٍ هادئ.
لا خطاب،
لا بيان،
لا موسيقى.
الصورة وحدها تفعل ما تعجز عنه آلاف الكلمات:
تُعيد تعريف القوة.
ليس من يملك المفاتيح،
بل من يملك المعنى.
هنا نفهم فجأة لماذا يُخاف من الصوت،
حتى وهو خلف القضبان.
نغادر الصوت، وندخل إلى الذاكرة.
لا بوصفها تذكّرًا، بل بوصفها نظامًا.
في قلب أوروبا تُدار الذاكرة
لا لتمنع تكرار الجريمة،
بل لتُعيد توزيع الشرعية.
يُعاد تدوير الذنب،
لا ليصبح درسًا إنسانيًا كونيًا،
بل ليُستخدم كأداة إسكات.
تُغلق المسارح أبوابها خوفًا،
وتُلغى المعارض باسم الأخلاق،
وتُراقَب الكلمات كما لو كانت تهديدًا أمنيًا.
لا لأن فلسطين خطر،
بل لأن التضامن معها
يُربك سردية مُحكمة:
سردية تقول إن الماضي
إذا أُحسن إدارته
يمنح حصانة للحاضر.
في هذا الفضاء،
لا تُقمع فلسطين بالسلاح،
بل بالذاكرة حين تتحوّل إلى عقيدة دولة.
ويغدو التعاطف جريمة لغوية،
والسؤال تهديدًا،
والاختلاف شبهة.
قاعة عرض.
كراسٍ مصطفّة.
جمهور جاء ليستمع، لا ليحتج.
ثم يأتي القرار.
تُطفأ الأنوار قبل أن تبدأ الفكرة.
ليس لأن العمل ضعيف،
بل لأنه «غير مناسب في هذا التوقيت».
في هذا الظلام المؤقت،
لا تُلغى محاضرة،
بل يُلغى حقّ السؤال.
وتخرج فلسطين من القاعة،
لا لأنها لم تُدعَ،
بل لأن وجودها
يُربك الذاكرة حين لا تخضع.
ثم نقترب من طبقة أعمق: المعرفة.
وهنا يتغيّر الضوء.
لا نعود أمام دبابات ولا قصف،
بل أمام كتب،
وجامعات،
وأرشيفات،
ومناهج.
هنا تُصاغ الدولة قبل أن تُفرض،
ويُعاد ترتيب التاريخ قبل أن يُقرأ.
في هذا المشهد
لا يُقصى الفلسطيني فقط من الأرض،
بل من المعنى.
تُعاد تسمية القرى،
وتُعاد كتابة 1948،
ويُحوَّل الاقتلاع إلى تفصيل «مؤسف»،
ويُعاد إنتاج الحكاية
بحيث يبدو العنف منطقيًا
حين يُقدَّم في ثوبٍ معرفي أنيق.
إذا كان الاحتلال يسيطر على الجغرافيا،
فإن المعرفة تسيطر
على ما نعتقد أنه حقيقة.
وهنا تكمن الخطورة:
حين يصبح التاريخ أداة،
لا يعود القتل بحاجة إلى تبرير مباشر؛
يكفي أن يبدو طبيعيًا
في كتابٍ ما.
خريطة قديمة.
اسم قرية مكتوب بخطٍ يدوي.
ثم نسخة أحدث:
الاسم اختفى.
ثم نسخة ثالثة:
اسم جديد، أنيق، بلا تاريخ.
لا صراخ هنا،
ولا دماء.
فقط ممحاة.
هكذا يبدأ الإقصاء:
ليس بإزالة الإنسان،
بل بإزالة أثره من الورق،
كي يبدو غيابه طبيعيًا لاحقًا.
ثم نصل إلى اللحظة
التي لا تحتمل استعارة.
هنا تتراجع اللغة الشعرية
لأن الواقع صار أفدح منها.
لا أسئلة عن «التعقيد»،
ولا هروب إلى «سياق أمني».
الاسم يُقال بوضوح:
إبادة.
ليست حادثة،
ولا انفجارًا،
ولا ردّ فعلٍ معزولًا،
بل سياسة ممتدة،
مُمكَّنة بالسلاح،
ومحمية بالدبلوماسية،
ومؤجَّلة بالمماطلة القانونية.
في هذا المشهد
يتغيّر موقع المسؤولية:
لا يعود السؤال عمّا فُعل فقط،
بل عمّن مكّن،
وعمّن وفّر الغطاء،
وعمّن اعتبر الوقت
حجّةً صالحة لتأجيل العدالة.
رقم يُعلن في نشرة الأخبار.
ثم رقم آخر.
ثم رقم أكبر.
في لحظة ما،
يتوقف العقل عن العدّ.
ليس لأن الموت توقف،
بل لأن اللغة استسلمت.
حين يصبح العدد
أكبر من قدرتنا على التخيل،
تكون الإبادة قد انتصرت خطوة:
لا لأنها قتلت،
بل لأنها أرهقت الإحساس.
قاعة محكمة.
لا صراخ،
لا احتجاج.
قاضٍ يقرأ نصًا بلهجة محايدة،
لكن الكلمات ثقيلة:
«احتمال معقول».
«خطر وشيك».
«واجب المنع».
هنا لا تصدر الإدانة كصرخة،
بل كجملة قانونية باردة…
وهذا ما يجعلها أخطر.
لهذا،
لا تطلب فلسطين من العالم
أن يتضامن معها.
فلسطين تختبر العالم.
تختبر القانون:
هل هو أداة عدل،
أم لغة انتقائية
تُستدعى حين تناسب القوة؟
وتختبر الذاكرة:
هل هي مسؤولية إنسانية،
أم جهاز رقابة
يُستخدم لإسكات الحاضر؟
وتختبر المعرفة:
هل هي بحث عن الحقيقة،
أم هندسة متقنة للشرعية؟
وتختبر الإنسان نفسه:
هل يبقى قيمة مطلقة،
أم يتحوّل إلى رقم
حين يفيض العدّ؟
بعد هذا كله،
لا يمكن القول: لم نكن نعلم.
ولا يمكن الادّعاء: الأمر معقّد.
فلسطين اليوم
ليست قضية بعيدة،
بل مرآة قريبة جدًا.
ومن يشيح بوجهه عنها،
إنما يشيح بوجهه
عن صورته هو.
في النهاية،
لا تلتقي هذه الكتب لأنها تتناول فلسطين،
بل لأن فلسطين
هي المكان الذي ينكشف فيه العالم
على حقيقته.
هنا،
حين يتكلم الصوت من خلف القضبان،
كما في كتاب «غير قابل للكسر: في سبيل الحرية لفلسطين»
لمروان البرغوثي،
لا نختبر شجاعة الأسير فقط،
بل هشاشة السرديات التي حاولت احتكاره،
وتواطؤ اللغة
حين تتحوّل إلى قفصٍ ناعم.
وحين تتحوّل الذاكرة إلى جهاز،
كما تكشفه مقالات كتاب
«فرط الصهيونية: ألمانيا، الماضي النازي وإسرائيل»،
لا نرى الماضي،
بل نرى كيف يمكن للأخلاق
أن تُدار كسياسة،
وكيف يمكن للذنب
أن يتحوّل من درس إنساني
إلى حصانة تمنح القتل
شرعية مؤجّلة.
وحين تُصاغ المعرفة قبل أن تُقام الدولة،
كما يبيّنه إيلان بابيه في كتابه
«فكرة إسرائيل: تاريخ السلطة والمعرفة»،
نفهم أن الاحتلال لا يبدأ بالدبابة،
بل بالجملة الأولى في كتاب تاريخ،
وبالخريطة التي تغيّر اسمها بهدوء،
وبالسؤال الذي لم يُسمح له
أن يُطرح أصلًا.
وحين تُسمّى الإبادة باسمها،
كما يفعل آڤي شلايم في كتابه
«الإبادة الجماعية في غزة: حرب إسرائيل الممتدة على فلسطين»،
تسقط المجازات،
ويتراجع «التعقيد»،
ولا يعود الصمت حيادًا،
ولا الانتظار حذرًا،
ولا اللغة ملجأً أخلاقيًا.
تصبح كل مشاركة غير مباشرة موقفًا،
وكل تبرير شراكة،
وكل تأجيل
قرارًا أخلاقيًا مكتمل الأركان.
هذه الكتب لا تمنح إجابات مريحة،
ولا تفتح أبواب خلاص سهلة.
لكنها تفعل ما هو أخطر وأبقى:
تمنع العودة إلى البراءة الزائفة.
هذا النص ليس مراجعة كتب،
بل محاولة لالتقاط لحظة…
قبل أن تغلق هي أبوابها.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
ولا يتغيّر المركز
لم تعد فلسطين تُرى من مكانٍ واحد.
لم تعد تُحكى بصوتٍ واحد،
ولا تُقرأ بلغةٍ واحدة.
ما يحدث اليوم ليس فائض أحداث، بل فائض زوايا رؤية:
صوت يخرج من خلف القضبان،
ذاكرة تُدار كسلطة،
معرفة تُصاغ لتسبق الدولة،
وجريمة تُسمّى أخيرًا باسمها.
في هذا الفائض، لا تعود الكتب مجرد كتب،
بل نوافذ.
ومن يطلّ من نافذة واحدة يرى مشهدًا،
ومن يمرّ بينها يرى العالم وهو يختبر نفسه عبر فلسطين.
في عالمٍ اعتاد أن يتحدث عن الفلسطيني لا معه، يحدث أمر نادر:
يخرج الصوت من القيد، لا ليشرح نفسه، بل ليكون نفسه.
ليس الأمر سيرة ولا محاولة استدرار تعاطف،
بل استعادة للذات السياسية في أنقى أشكالها:
إنسان يُحرم من المكان لكنه يحتفظ بالزمن،
يُحرم من الحركة لكنه لا يتنازل عن المعنى.
هنا لا تُقدَّم فلسطين كقضية،
بل كذاتٍ ناطقة.
ذات لا تطلب أن تُصدَّق،
بل تفرض حضورها بهدوءٍ قاسٍ.
هذا ما يعنيه النضال حين يُنزع عنه الضجيج،
وهذا ما يعنيه الصوت حين لا يحتاج إلى وسيط.
في هذا المشهد ندرك أن أقسى أشكال القمع
ليست كسر الجسد،
بل مصادرة القدرة على التعريف الذاتي.
وحين يُستعاد التعريف،
تتراجع الروايات الجاهزة خطوةً إلى الخلف.
في صباحٍ عادي،
تظهر صورة واحدة على الشاشة:
يدٌ مقيّدة،
وإصبعان مرفوعان بعنادٍ هادئ.
لا خطاب،
لا بيان،
لا موسيقى.
الصورة وحدها تفعل ما تعجز عنه آلاف الكلمات:
تُعيد تعريف القوة.
ليس من يملك المفاتيح،
بل من يملك المعنى.
هنا نفهم فجأة لماذا يُخاف من الصوت،
حتى وهو خلف القضبان.
نغادر الصوت، وندخل إلى الذاكرة.
لا بوصفها تذكّرًا، بل بوصفها نظامًا.
في قلب أوروبا تُدار الذاكرة
لا لتمنع تكرار الجريمة،
بل لتُعيد توزيع الشرعية.
يُعاد تدوير الذنب،
لا ليصبح درسًا إنسانيًا كونيًا،
بل ليُستخدم كأداة إسكات.
تُغلق المسارح أبوابها خوفًا،
وتُلغى المعارض باسم الأخلاق،
وتُراقَب الكلمات كما لو كانت تهديدًا أمنيًا.
لا لأن فلسطين خطر،
بل لأن التضامن معها
يُربك سردية مُحكمة:
سردية تقول إن الماضي
إذا أُحسن إدارته
يمنح حصانة للحاضر.
في هذا الفضاء،
لا تُقمع فلسطين بالسلاح،
بل بالذاكرة حين تتحوّل إلى عقيدة دولة.
ويغدو التعاطف جريمة لغوية،
والسؤال تهديدًا،
والاختلاف شبهة.
قاعة عرض.
كراسٍ مصطفّة.
جمهور جاء ليستمع، لا ليحتج.
ثم يأتي القرار.
تُطفأ الأنوار قبل أن تبدأ الفكرة.
ليس لأن العمل ضعيف،
بل لأنه «غير مناسب في هذا التوقيت».
في هذا الظلام المؤقت،
لا تُلغى محاضرة،
بل يُلغى حقّ السؤال.
وتخرج فلسطين من القاعة،
لا لأنها لم تُدعَ،
بل لأن وجودها
يُربك الذاكرة حين لا تخضع.
ثم نقترب من طبقة أعمق: المعرفة.
وهنا يتغيّر الضوء.
لا نعود أمام دبابات ولا قصف،
بل أمام كتب،
وجامعات،
وأرشيفات،
ومناهج.
هنا تُصاغ الدولة قبل أن تُفرض،
ويُعاد ترتيب التاريخ قبل أن يُقرأ.
في هذا المشهد
لا يُقصى الفلسطيني فقط من الأرض،
بل من المعنى.
تُعاد تسمية القرى،
وتُعاد كتابة 1948،
ويُحوَّل الاقتلاع إلى تفصيل «مؤسف»،
ويُعاد إنتاج الحكاية
بحيث يبدو العنف منطقيًا
حين يُقدَّم في ثوبٍ معرفي أنيق.
إذا كان الاحتلال يسيطر على الجغرافيا،
فإن المعرفة تسيطر
على ما نعتقد أنه حقيقة.
وهنا تكمن الخطورة:
حين يصبح التاريخ أداة،
لا يعود القتل بحاجة إلى تبرير مباشر؛
يكفي أن يبدو طبيعيًا
في كتابٍ ما.
خريطة قديمة.
اسم قرية مكتوب بخطٍ يدوي.
ثم نسخة أحدث:
الاسم اختفى.
ثم نسخة ثالثة:
اسم جديد، أنيق، بلا تاريخ.
لا صراخ هنا،
ولا دماء.
فقط ممحاة.
هكذا يبدأ الإقصاء:
ليس بإزالة الإنسان،
بل بإزالة أثره من الورق،
كي يبدو غيابه طبيعيًا لاحقًا.
ثم نصل إلى اللحظة
التي لا تحتمل استعارة.
هنا تتراجع اللغة الشعرية
لأن الواقع صار أفدح منها.
لا أسئلة عن «التعقيد»،
ولا هروب إلى «سياق أمني».
الاسم يُقال بوضوح:
إبادة.
ليست حادثة،
ولا انفجارًا،
ولا ردّ فعلٍ معزولًا،
بل سياسة ممتدة،
مُمكَّنة بالسلاح،
ومحمية بالدبلوماسية،
ومؤجَّلة بالمماطلة القانونية.
في هذا المشهد
يتغيّر موقع المسؤولية:
لا يعود السؤال عمّا فُعل فقط،
بل عمّن مكّن،
وعمّن وفّر الغطاء،
وعمّن اعتبر الوقت
حجّةً صالحة لتأجيل العدالة.
رقم يُعلن في نشرة الأخبار.
ثم رقم آخر.
ثم رقم أكبر.
في لحظة ما،
يتوقف العقل عن العدّ.
ليس لأن الموت توقف،
بل لأن اللغة استسلمت.
حين يصبح العدد
أكبر من قدرتنا على التخيل،
تكون الإبادة قد انتصرت خطوة:
لا لأنها قتلت،
بل لأنها أرهقت الإحساس.
قاعة محكمة.
لا صراخ،
لا احتجاج.
قاضٍ يقرأ نصًا بلهجة محايدة،
لكن الكلمات ثقيلة:
«احتمال معقول».
«خطر وشيك».
«واجب المنع».
هنا لا تصدر الإدانة كصرخة،
بل كجملة قانونية باردة…
وهذا ما يجعلها أخطر.
لهذا،
لا تطلب فلسطين من العالم
أن يتضامن معها.
فلسطين تختبر العالم.
تختبر القانون:
هل هو أداة عدل،
أم لغة انتقائية
تُستدعى حين تناسب القوة؟
وتختبر الذاكرة:
هل هي مسؤولية إنسانية،
أم جهاز رقابة
يُستخدم لإسكات الحاضر؟
وتختبر المعرفة:
هل هي بحث عن الحقيقة،
أم هندسة متقنة للشرعية؟
وتختبر الإنسان نفسه:
هل يبقى قيمة مطلقة،
أم يتحوّل إلى رقم
حين يفيض العدّ؟
بعد هذا كله،
لا يمكن القول: لم نكن نعلم.
ولا يمكن الادّعاء: الأمر معقّد.
فلسطين اليوم
ليست قضية بعيدة،
بل مرآة قريبة جدًا.
ومن يشيح بوجهه عنها،
إنما يشيح بوجهه
عن صورته هو.
في النهاية،
لا تلتقي هذه الكتب لأنها تتناول فلسطين،
بل لأن فلسطين
هي المكان الذي ينكشف فيه العالم
على حقيقته.
هنا،
حين يتكلم الصوت من خلف القضبان،
كما في كتاب «غير قابل للكسر: في سبيل الحرية لفلسطين»
لمروان البرغوثي،
لا نختبر شجاعة الأسير فقط،
بل هشاشة السرديات التي حاولت احتكاره،
وتواطؤ اللغة
حين تتحوّل إلى قفصٍ ناعم.
وحين تتحوّل الذاكرة إلى جهاز،
كما تكشفه مقالات كتاب
«فرط الصهيونية: ألمانيا، الماضي النازي وإسرائيل»،
لا نرى الماضي،
بل نرى كيف يمكن للأخلاق
أن تُدار كسياسة،
وكيف يمكن للذنب
أن يتحوّل من درس إنساني
إلى حصانة تمنح القتل
شرعية مؤجّلة.
وحين تُصاغ المعرفة قبل أن تُقام الدولة،
كما يبيّنه إيلان بابيه في كتابه
«فكرة إسرائيل: تاريخ السلطة والمعرفة»،
نفهم أن الاحتلال لا يبدأ بالدبابة،
بل بالجملة الأولى في كتاب تاريخ،
وبالخريطة التي تغيّر اسمها بهدوء،
وبالسؤال الذي لم يُسمح له
أن يُطرح أصلًا.
وحين تُسمّى الإبادة باسمها،
كما يفعل آڤي شلايم في كتابه
«الإبادة الجماعية في غزة: حرب إسرائيل الممتدة على فلسطين»،
تسقط المجازات،
ويتراجع «التعقيد»،
ولا يعود الصمت حيادًا،
ولا الانتظار حذرًا،
ولا اللغة ملجأً أخلاقيًا.
تصبح كل مشاركة غير مباشرة موقفًا،
وكل تبرير شراكة،
وكل تأجيل
قرارًا أخلاقيًا مكتمل الأركان.
هذه الكتب لا تمنح إجابات مريحة،
ولا تفتح أبواب خلاص سهلة.
لكنها تفعل ما هو أخطر وأبقى:
تمنع العودة إلى البراءة الزائفة.
هذا النص ليس مراجعة كتب،
بل محاولة لالتقاط لحظة…
قبل أن تغلق هي أبوابها.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي