غانية ملحيس الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الخامس)

ملخّص تنفيذيّ

ينطلق هذا المقال البحثي في أجزائه الخمسة من فرضية مركزية مفادها أن الإبادة في صيغتها المعاصرة لم تعد حدثا استثنائيا يقع خارج النظام الدولي، أو يشكّل فشلا أخلاقيا له. بل أصبحت بنية حكم داخلية، تعمل من خلال أدوات القانون، والإنسانية، والإدارة، والتقنية. فالإبادة الحديثة لا تُمارَس رغم النظام العالمي، بل بفضله. ولا تظهر بوصفها لحظة انفجار أخلاقي، بل بوصفها آلية انتظام قصوى، حين يعجز النظام عن احتواء تناقضاته البنيوية.
يجادل المقال البحثي أن الشرط الصامت للإبادة الحديثة هو نزع السياسة: أي تفريغ الفضاء العام من الصراع، وتحويل الحكم من مجال للمساءلة والتنافس السياسي إلى مسألة إدارة تقنية للضرورة، والاستقرار، والمخاطر. في هذا السياق، لا يُعلَّق القانون بوصفه خللا طارئا، بل يُعاد توظيفه كأداة لتنظيم العنف، بينما تُستدعى اللغة الإنسانية لتجريد هذا العنف من دلالته السياسية، وتحويله إلى “أزمة” أو “وضع إنساني” قابل للإدارة.
يُظهر الجزء الأول من العمل كيف أدت الحداثة السياسية، عبر منطق التصنيف والتراتب والسيادة، إلى إعادة تعريف الإنسان بوصفه كائنا قابلا للإدارة لا ذاتا سياسية، ما يجعل الموت مسألة تنظيمية لا مأساة أخلاقية. ويُبيّن أن الإبادة لا تحتاج بالضرورة إلى خطاب كراهية فجّ، بل يمكن أن تُمارَس في ذروة انتظام القانون والخطاب الأخلاقي.
يركّز الجزء الثاني على نزع السياسة بوصفه الشرط البنيوي السابق للعنف، لا نتيجته. فحين تتحول الديمقراطية إلى كفاءة إدارية، والسيادة إلى إدارة مخاطر، تُغلق إمكانيات المحاسبة، ويُفتح المجال أمام عنف مُدار طويل الأمد، لا يُسأل فيه عن الفاعل بقدر ما يُسأل عن كيفية احتواء النتائج.
أما الجزء الثالث، فيحلل دور اللغة بوصفها مسرح الإبادة الحديثة. فاللغة الإنسانية لا تصف العنف، بل تعيد إنتاجه عبر فصله عن جذوره السياسية والاستعمارية. وحين يُعترف بالمعاناة دون الاعتراف بالفاعل، تتحول الإنسانية من قيمة أخلاقية إلى قناع يشرعن استمرار العنف.
في الجزء الرابع، لا تُقدَّم فلسطين بوصفها “حالة خاصة” أو “مثالا توضيحيا”، بل بوصفها لحظة انكشاف. ففي فلسطين، وخصوصا في غزة، تتكثف عناصر الإبادة الحديثة بأقصى درجات الوضوح: نزع السياسة، تعليق القانون، إدارة العنف، وتكثيف الخطاب الإنساني. ما تكشفه فلسطين ليس فشل النظام الدولي في الحماية، بل نجاحه في إدارة الإبادة دون أن ينهار أخلاقيا في خطابه عن ذاته.
ينتقل العمل في الجزء الخامس والأخير إلى تحليل ما يُسمّى “ما بعد الإبادة”، ليبيّن أن هذه المرحلة لا تمثل نهاية العنف، بل انتقاله إلى طور أكثر انتظاما، تُدار فيه الحياة والموت عبر الوصاية، الإنسانية المعولمة، منصات النخب العابرة للدولة، والفضاءات شبه المستقلة. فالوصاية لا تُطرح كحل مؤقت، بل كصيغة حكم مستقرة: سيادة بلا تمثيل، وسلطة بلا مساءلة.
يظهر البحث كيف تحولت الإنسانية المعولمة من خطاب أخلاقي إلى تقنية حكم، تُدار عبرها الأزمات بدل حلها، وتُخفف عبرها الفضيحة بدل مساءلة البنية. وتُقارن بين الحالة الفلسطينية وتجارب عالمية أخرى، مثل إدارة جائحة كورونا، للكشف عن منطق واحد يُعاد إنتاجه عالميًا: استخدام الخوف الوجودي، التحكم الديموغرافي، وإعادة تركيز الثروة، تحت غطاء الضرورة الإنسانية.
كما يعود إلى الجذور الفكرية لهذا المنطق، من مالتوس إلى وثيقة كيسنجر (NSSM 200)، ومن اللجنة الثلاثية إلى دافوس، ليبين كيف أُعيد تعريف العالم بوصفه سوقا، والسكان بوصفهم فائضا أو خطرا، والسياسة بوصفها عائقا أمام الإدارة الفعالة. وفي هذا السياق، تُحلَّل إسرائيل لا بوصفها استثناء أخلاقيا، بل كأداة بنيوية ضمن نظام الوصاية، فيما تُقرأ ظاهرة إبستين كنموذج مواز لفضاءات شبه مستقلة تُدار فيها السلطة والعنف خارج المساءلة التقليدية.
يخلص البحث إلى أن الوصاية أصبحت الاسم الجديد للنظام العالمي، وأن “ما بعد الإبادة” هو في الواقع مرحلة حكم كاملة تُدار فيها الحقوق، والمعاناة، والسيادة، ضمن منطق تقني إداري يفصل الإنسانية عن السياسة. ومن هنا، لا يطرح حلولًا تقنية، بل يفتح على السؤال الجوهري الذي لا يمكن تأجيله: كيف يمكن استعادة السياسة في عالم صُمّم لإدارتها؟
بهذا المعنى، لا تُطرح فلسطين كقضية إنسانية فحسب، بل كمحكّ أخلاقي وسياسي كوني. فإما عالم تُدار فيه الحياة باسم الإنسانية، أو سياسة تُستعاد بوصفها شرط الوجود الإنساني نفسه.

المقال الكامل

الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الخامس)

الوصاية والإنسانية المعولمة: ما بعد الإبادة بوصفه نظام حكم
أظهرت الأجزاء السابقة، أن الإبادة الحديثة ليست مجرد حدث استثنائي، بل بنية نظامية: نزع السياسة هو شرطها الصامت، تعليق القانون هو آليتها القانونية، اللغة الإنسانية هي غطاء أخلاقي لإدامة العنف
في فلسطين، وتجربة غزة بالتحديد، يتجسّد هذا النموذج بأقصى وضوح: القتل اليومي، الحصار، التجويع، والتدمير لا يُمارَس فحسب كأفعال لحظية، بل ضمن دورة مُدارة زمنيا وأخلاقيا، حيث يصبح الموت مؤسسيا وقانونيا وإنسانيا في آن واحد. (150)
ينطلق الجزء الخامس من هذه النقطة ليبيّن أن ما يلي الإبادة ليس السلام، ولا نهاية القتل، بل انتقاله إلى أشكال أكثر انتظاما، تقنية، وسياسية، تصبح فيه الإنسانية آلية حكم، والسياسة مؤجلة، والقرار مركزيا بعيدا عن المساءلة (151). وبدء مرحلة إدارة كاملة عبر الوصاية: الإنسانية المعولمة، النخب النيوليبرالية العابرة للدولة، كمنتديات الاقتصاد ومجالس السلام والفضاءات الخاصة، لا بوصفها قطيعة مع الإبادة، بل بوصفها آليات لإعادة استقرار النظام بعد انكشافه (152).
إذا كانت الإبادة الحديثة قد كشفت عن آليات الحكم في لحظة العنف القصوى، فإن ما يليها يكشف عن الشكل الذي يستقر فيه هذا الحكم بعد انكشافه.
أولا: من السيادة إلى الوصاية: إعادة تعريف الحكم
في الخطاب الرسمي، تُقدّم الوصاية كحل مؤقت لعجز الدول أو لانهيارها، وتسوق بوصفها حماية للسكان من الفوضى والعنف (153). غير أن هذا الخطاب يُخفي حقيقة بنيوية: الوصاية ليست نقيض السيادة، بل تحويرها (154): سيادة بلا تمثيل، سلطة بلا مساءلة، إدارة الموارد والحياة والموت بعيدا عن أي رقابة فعلية.
بهذا المعنى، الوصاية لا تعالج آثار الإبادة، بل تعيد تنظيمها ضمن نموذج حكم يتجاوز السياسة التقليدية كما عرفناها، ويحوّل حق الشعوب في تقرير مصيرها إلى إدارة الضرورة. ويعترف فقط بالحاجة، والخطر، والاستقرار (155).
إنها، باختصار، سياسة معلقة: يُدار السكان، الصراع، والمعاناة ضمن فضاءات شبه مستقلة، حيث تتحكم النخب النيوليبرالية المعولمة بالقوة والثروة والنفوذ في القرار، وفي الخطاب الإنساني، دون مواجهة فعلية للواقع السياسي.
غير أن الوصاية، لكي تُمارَس بوصفها نظام حكم مستقر، تحتاج إلى لغة أخلاقية تُعيد تقديم السيطرة بوصفها ضرورة إنسانية، لا قرارا سياسيا.
ثانيا: الإنسانية المعولمة: من الأخلاق إلى التقنية
الإنسانية، في صيغتها المعاصرة، لم تعد خطابا أخلاقيا يسائل العنف، بل تقنية للحكم (156). فهي تتدخل حين يخرج العنف عن السيطرة، لا حين يُنتج بنيويا، تهتم بتخفيف الفضيحة الإعلامية بدل المساءلة. تركّز على النتائج وليس الأسباب، تعترف بالمعاناة بدل الاعتراف بالفاعل السياسي (157).
هذا التحول يجعل من الإنسانية شريكا بنيويا في نظام ما بعد الإبادة (158) فهي لا تسأل لماذا يحدث القتل؟ بل كيف نُقلّل آثاره؟ ولا تسأل من المسؤول؟ بل كيف نُدير الأزمة؟ (159)
في فلسطين، وغزة على وجه الخصوص، الإنسانية تعمل على إعادة إنتاج الحقبة بعد الإبادة: تحسين شروط الحياة تحت الاستعمار العنصري الإحلالي بما يمنع الانفجار والخروج عن السيطرة، تعيش لتأكل ما يلزم للبقاء، توفير المساعدات المقننة، الإعمار المشروط، وكل ذلك دون المساس بجذور الإبادة نفسها.
غير أن ما يظهر في فلسطين بوصفه حالة قصوى، لا يقتصر عليها، بل يكشف منطقا قابلا للتعميم في أزمات عالمية أخرى.
هذه التقنية ليست محلية فحسب، بل عالمية. كما أظهرت جائحة كورونا، حيث استُخدمت إدارة الوباء لتقليل الخطر الديموغرافي الذي أشارت إليه وثيقة كيسنجر عام 1974 ( 160). ووظفت الجائحة لإعادة ترتيب العلاقات بين الدول وداخلها، وإعادة تركيز الثروات بشكل لم يشهد له التاريخ الإنساني المدون مثيلا. تدلل عليه الإحصاءات التي تضمنها تقرير أوكسفام الصادر في 16/1/2026 ( 161)، وأظهرت أن 12 فردا فقط من أثرى أثرياء العالم (جلهم من الولايات المتحدة الأمريكية. تظهر قائمة فوربس أن 9 من بين العشرة الأكثر ثراء في العالم أمريكيون (162)، تقدموا الصفوف في حفل تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المعاد انتخابه بشرعية دستورية وشعبية في العشرين من كانون الثاني / يناير 2025)، جعله يعتقد أنها تؤهله لرئاسة العالم، تفوق ثرواتهم ما يملكه نحو نصف سكان الكوكب (4 مليارات إنسان). كما أظهرت البيانات أن أغنى 1% من سكان العالم حصلوا على ما يقرب من ثلثي كل الثروة الجديدة البالغة قيمتها 42 تريليون دولار، التي تم خلقها منذ 2020 - وهو العام الذي تفشى فيه وباء كورونا- (163). فإلى جانب توظيفه كآلية لتقليص الخطر الديموغرافي وفق حسابات العرق الأبيض الذي تأسست حضارة الحداثة المادية العنصرية باعتباره الأعلى تراتبية على سائر البشر، تم استخدامه كذريعة لتغيير القوانين المحلية والدولية، والقضاء على المكتسبات المهمة التي حصلت عليه الطبقة العاملة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ولاختبار مدى فاعلية الخوف الوجودي كآلية للتحكم بالسكان ودفعهم للامتثال.
لفهم هذا التحول من الأخلاق إلى الإدارة، لا بد من العودة إلى البنية الفكرية التي شكّلت تصورات الغرب عن السكان، الخطر، والموارد.
ثالثا: من مالتوس وكيسنجر إلى اللجنة الثلاثية وبرنارد لويس إلى دافوس وإدارة العالم
المرتكزات الفكرية للنظام الرأسمالي النيوليبرالي الذي يهيمن على النظام الدولي في عصر الأحادية القطبية، ما تزال تسترشد بنظرية مالتوس للسكان (164) المضمنة في كتابه “مبادئ السكان” الصادر عام 1798. وترى أن حل معضلة اختلال التوازن بين نمو السكان، الذين يتزايدون بمتوالية هندسية، وبين نمو الموارد الغذائية، التي تتزايد بمتوالية عددية، يكمن في الحد من الزيادة السكانية. تشير النظرية إلى وسيلتين أسمتهما “موانع”، يمكنهما أن تؤدي إلى ضبط الزيادة السكانية في العالم:
1. الموانع القهرية، مثل المجاعات والأمراض والحروب.
2. الموانع الإرادية أو الوقائية، مثل العزوف عن الزواج أو تأخيره، تحديد النسل، الإجهاض، وغيرها.
وترى القوى الغربية المتنفذة المهيمنة عالميا أن الموانع الإرادية أو الوقائية قد نجحت نجاحا كبيرا بالحد من الزيادة السكانية في المراكز الرأسمالية الغربية المتقدمة، فيما فشلت فشلا ذريعا في الدول غير الغربية المسماة بالنامية لأسباب عدة، الأمر الذي اعتُبر تهديدا خطيرا لقيادتها العالمية. ما دفعها لتفعيل الموانع القهرية كجزء رئيس من سياساتها واستراتيجياتها العالمية.
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتربع على عرش القيادة العالمية، أن الزيادة السكانية خارج حدود أمريكا وأوروبا قضية أمن قومي. وقد ورد ذلك صراحة في وثيقة أمريكية مهمة صدرت في كانون الأول/ ديسمبر عام 1974، تحمل الرقم 200 بعنوان: “مذكرة دراسات الأمن القومي: آثار النمو السكاني في جميع أنحاء العالم على أمن الولايات المتحدة ومصالحها ما وراء البحار”،
(165) والتي أشرف على إعدادها الدكتور هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي عام 1968، قبل أن يصبح وزيرا للخارجية عام 1973.
أشارت الوثيقة، التي رُفعت عنها السرية عام 1989، إلى أن النظر إلى التنمية الاقتصادية كسبيل لحل مشكلة التزايد السكاني ينطوي على تهديد للأمن القومي الأمريكي خصوصا، والأوروبي عموما، بسبب التراجع المتسارع في الأهمية النسبية للغرب الأمريكي والأوروبي إلى إجمالي سكان العالم. ونص البند 37 من الوثيقة على أن “الوضع السكاني“بالفعل أكثر خطورة وأقل قابلية للحل عبر تدابير طوعية مما هو مقبول عموما، ونرى أنه للحيلولة دون حدوث نقص أكبر في الغذاء، وغيره من الكوارث الديموغرافية مما هو متوقع بشكل عام، يلزم اتخاذ تدابير أقوى، ويتعين معالجة بعض القضايا الأخلاقية الصعبة للغاية"(166)، وأكدت الوثيقة مرارا على “وجود ضرورة لتطوير البحث العلمي في هذا المجال”. ما يوضح الربط المبكر بين الأمن القومي، البحث العلمي، والتحكم بالسكان، كأداة استراتيجية.
أول الأمثلة المعروفة لهذا المنطق هي اللجنة الثلاثية التي أنشأها ديفيد روكفلر وبريجنسكي عام 1973/1974، كمنتدى لقادة السياسة والأعمال من أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان، وأصدرت تقريرا عام 1975 حول "أزمة الديموقراطية" (167)،
سبق الإشارة له في الجزء الثاني من البحث، وأسس نظريا لإدارة دول وشعوب بالكامل من أعلى، عبر آليات مالية وأمنية وسياسية، بهدف تثبيت الهيمنة الغربية، ونزع السياسة المحلية عن القرار.
هذه التصورات لم تبقَ في مستوى النظرية أو التخطيط العام، بل وجدت تطبيقها الأوضح في مناطق اعتُبرت تاريخيا فائضة عن النظام الغربي.
رابعا: برنارد لويس واستكمال إعادة هندسة المنطقة العربية - الاسلامية
إذا كانت هذه التصورات قد صيغت بوصفها سياسات عالمية، فإن تطبيقها الإقليمي الأوضح تبلور في الشرق الأوسط. في العام 1980 أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، صرح” بريجنسكي” مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر والمؤسس المشارك لللجنة الثلاثية، المشار إليها أعلاه، بقوله: إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن. هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الحرب الخليجية الاولي بين العراق وإيران، تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود سايكس- بيكو، بتفكيك الدول العربية والإسلامية إلى دويلات عرقية وإثنية ودينية وطائفية ومذهبية، تتمحور حول الكيان الصهيوني، باعتباره الخط الأمامي للحضارة الغربية. وفي أعقاب هذا التصريح كلفت وزارة الدفاع الأميركية/ البنتاجون/، خبير التخطيط الاستراتيجي في الشرق الأوسط برنارد لويس، بوضع مخطط التقسيم، وعرض خلاصة مشروعه مرفقا بالخرائط التفصيلية في جلسة سرية للكونغرس الأمريكي عام 1983، تمت الموافقة عليه بالإجماع، وبات منذ اعتماده، الإطار المرجعي الملزم للإدارات الأمريكية كافة، الجمهورية والديموقراطية، والموجه لعموم السياسة الغربية في المنطقة. ويقضي بالعمل على تقسيم كل من مصر والسودان وسوريا الى أربعة دول. ولبنان إلى خمس كانتونات. والعراق إلى ثلاث دول. ودمج دول الخليج واليمن بالجزيرة العربية وتقسيمها إلى ثلاث دول على أساس مذهبي، وتفكيك ليبيا والجزائر والمغرب لإنشاء كيانات جديدة على أساس عرقي، وتقسيم إيران وباكستان وافغانستان الى عشر كيانات عرقية، واقتطاع جزء من تركيا لضمه لدولة كردية تقام على أراض في العراق وسوريا وإيران وبعض الاراضي السوفيتية سابقا، وتقسيم شرق الأردن إلى دولتين إحداهما وطن بديل للفلسطينيين.
وفي مقابلة لاحقة أجرتها وكالة الإعلام مع برنارد لويس في 20/5/2005 قال: «إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم، وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات، ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية. وفي حال قيام أمريكا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة لتجنب الأخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتان. إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال لديهم، ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك: إما أن نضعهم تحت سيادتنا، أو ندعهم ليدمروا حضارتنا… ولا مانع من أن تكون مهمتنا المعلنة هي: تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية، ويجب أن تقوم أمريكا بالضغط على قياداتهم الإسلامية (دون مجاملة ولا لين ولا هوادة) ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة. ولذلك، يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها، واستثمار التناقضات العرقية، والعصبيات القبلية والطائفية فيها، قبل أن تغزو أمريكا وأوروبا وتدمر الحضارة فيهما» (168).
لم يكن هذا المنطق استثناء مرتبطا بلحظة الحرب الباردة، بل شكّل الأساس الذي تطورت عليه لاحقا أشكال أكثر تعقيدا ومرونة لإدارة العالم، بلغ أحد تعبيراته المعاصرة في منصات النخب العابرة للدولة.
خامسا: دافوس ومنصّات النخب: إدارة العالم بلا سياسة كسوق
ومع أفول منطق التقسيم الصريح، لم تختف إدارة العالم، بل انتقلت إلى فضاءات أكثر تجريدا وأقل خضوعا للمساءلة.
يشكل المنتدى الاقتصادي العالمي، دافوس، الذي أسسه الألماني كلاوس شوب عام 1971، كمنظمة دولية غير ربحية مستقلة، منوطة بتطوير العالم من عبر تشكيل الأجندة العالمية السياسية والاقتصادية. وبات في القرن الواحد والعشرين نموذجا لإدارة العالم كسوق. بتجاوز الدول التقليدية لصالح شبكات مالية وسياسية ونظم تقنية، وتحويل العنف من شكله العسكري المباشر إلى أشكال رقمية، اقتصادية، وبيئية، تتلاشي فيه السياسة التقليدية لصالح القرار التقني والإداري. العنف هنا لا يختفي، بل يتحول من شكله العسكري المباشر إلى أشكال رقمية، اقتصادية وأداة لإعادة إنتاج النظام نفسه، مع الحفاظ على السيطرة المركزية، ونزع أي فاعلية سياسية محلية لصالح القرار التقني والإداري. وبات المنتدى أحد التعبيرات الأكثر وضوحا عن عالم ما بعد السياسة (169) فهنا تُناقَش القضايا الكبرى: الحروب، الهجرة، المناخ، الأزمات الإنسانية، بمعزل شبه كامل عن الشعوب المعنية (170). هذا الإقصاء ليس خللا تنظيميا، بل جوهر المنطق: العالم يُدار بوصفه مشكلة تقنية، لا بوصفه فضاء سياسيا (171). في هذا الإطار، تُعاد صياغة الإبادة بوصفها “تحديا إنسانيا”، وتُفصل عن جذورها الاستعمارية والسياسية (172).
لكن إدارة العالم بوصفه سوقا لا تكتمل في مستوى الخطاب وحده، بل تحتاج إلى أدوات تنفيذية تُحوّل الأفكار إلى ترتيبات حكم فعلية.
سادسا: الوصاية العالمية وآلياتها: مجلس السلام، السلطة، والفضاءات شبه المستقلة
الوصاية العالمية، باتت تُمارس عبر مجالس السلام والفضاءات شبه المستقلة التي تتشكل خارج أطر النظام الدولي ( الذي بلورته حربين كونيتين في النصف الاول من القرن العشرين، وأنشأ أطرا مؤسسية لإدارة العالم - عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى 1920- 1945، وورثته منظمة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية 1945 ) والآخذ بالأفول منذ انهيار الثنائية القطبية أواخر ثمانينات ومطلع تسعينيات القرن الماضي، والجاري استبداله بتسارع منذ مطلع الألفية الثالثة، التي سرعتها أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001)، وأسست لتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالقيادة العالمية، وتولي منصات النخب الدولية: الاقتصادية والأمنية مسؤوليات الحكم، وخلق فضاءات شبه مستقلة. كان آخرها "مجلس السلام "، المناط به تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب في قطاع غزة في 29/9/2025، التي حظيت بموافقة الأطراف الاقليمية في مؤتمر شرم الشيخ في 13/10/2025 ، وتم تضمينها في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 في 17/11/2025، وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميا عن تأسيسه في 15/1/2026 ،عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، بصيغة فضفاضة تتجاوز غزة. وتم إطلاقه رسميا من منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في 22/1/2026، والتوقيع على ميثاقه، الذي يمنح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صلاحيات مطلقة في حل النزاعات العالمية، خارج إطار الشرعية الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة.
في هذه الفضاءات يكون القرار السياسي بعيدا عن الرقابة، وتتركز السلطة ضمن نخبة نيوليبرالية محدودة يختارها الرئيس الأمريكي، فيما يُستخدم الخطاب الإنساني لإضفاء شرعية على الترتيبات البنيوية القائمة.
في هذا الإطار، تطرح مبادرات السلام بوصفها بدائل اخلاقية للعنف (173)، وتتحول المبادرات الإنسانية من أدوات حماية أو عدالة إلى آليات لإدارة السكان والموارد (174). ويُدار السلام بوصفه استمرارا للإبادة بصيغة أقل إثارة للفضيحة السياسية والأخلاقية وليس كحل للأزمات أو كإيقاف للعنف (175).
بهذا المعنى، لا يكون “السلام” نقيضًا للإبادة، بل شكلا من أشكال ما بعدها: سلام بلا تحرر، بلا سيادة، وبلا اعتراف بالفاعل السياسي (176).
سابعا: فلسطين تحت الوصاية الدائمة
في هذا الإطار البنيوي، لا تعود فلسطين حالة استثنائية، بل موقعا يتكثف فيه منطق الوصاية بأوضح صورها (177). فبعد كل جولة إبادة، يُعاد طرح فلسطين بوصفها ملفا إنسانيا، يحتاج إلى إعادة إعمار، ومساعدات، وإدارة دولية (178) لكن ما لا يُطرح هو إنهاء الاستعمار ذاته (179).
بهذا، تتحول الإبادة إلى مرحلة ضمن دورة حكم: تدمير، إغاثة، إعادة إعمار مشروطة، إعادة إنتاج شروط التدمير (180) وهذه الدورة لا يمكن كسرها ما دامت السياسة مُقصاة (181).
الوصاية الدولية لا تعمل بمعزل عن الاقتصاد. فالنيوليبرالية تحوّل العنف السياسي إلى أداة إدارة اقتصادية، كما أن التحالف البنيوي بين المال والنفوذ والعسكرة يُعيد إنتاج السيطرة. تلعب القواعد المالية، الشركات العالمية، الصناعات العسكرية، الطاقة، الدواء، وصناعات الذكاء الاصطناعي دورا في تحويل الحياة والموت إلى إدارة تقنية.
وفي هذا السياق، يظهر دور الشركات الدوائية، ومنظمات الصحة الدولية، ومؤسسات وشخصيات مثل إيلون ماسك، وبيل غيتس تقدم مبادرات خيريه. هذه الجهات لا تقتصر مهمتها على أعمال الخير، بل تعمل على تهيئة الفضاء العالمي للسيطرة الاقتصادية والسياسية تحت غطاء الإنسانية. تتنوع الفضاءات المعتمدة للوصاية وتشمل: فلسطين والمخيمات، الجزر الخاصة، مختبرات النخب الدولية: دافوس ومجلس السلام العالمي.
المنطق الموحد في كل هذه الفضاءات هو: تعليق السياسة، إدارة القرار، خلق فضاءات شبه مستقلة، وإعادة إنتاج السلطة.
الفضاء هنا ليس مجرد موقع جغرافي، بل وحدة تنظيمية لنظام عالمي قائم على الإدارة بدل السياسة التقليدية، حيث تُدار الموارد والقرار والسيطرة بعيدا عن المساءلة المحلية والدولية.
بهذا المعنى، لا تكون فلسطين مجرد ساحة تطبيق، بل مفتاحا لفهم منطق ما بعد الإبادة بوصفه نمط حكم عالمي.
ثامنا: ما بعد الإبادة: الإنسانية كأداة حكم
هكذا، لا تُقرأ الإبادة كنقطة نهاية، بل كمرحلة ضمن تسلسل أطول يعاد فيه تنظيم الحكم. ما بعد الإبادة لا يعني انتهاء سياسة الإماتة
(نيكروسياسة)، بل انتقالها إلى إدارة منظمة (182).
عالم ما بعد الإبادة هو عالم لا يُسائل القتل، بل يُديره، لا يُدين البنية، بل يُرمم آثارها (183). في هذا العالم، لا يعود السؤال: كيف نمنع الإبادة؟ بل: كيف نمنع انهيار النظام الذي يسمح بها (184)؟ وهو عالم تُصبح فيه الأخلاق لغة تلطيف، لا لغة مواجهة (184). تُنظم الوصاية الدولية إعادة الإعمار والإغاثة، ويُستعمل الخطاب الإنساني لتبرير استمرار النظام، بينما تُحوّل التقنية والشبكات المالية والسياسية الحياة والموت إلى أدوات ضبط.
الإنسانية هنا لم تعد قيمة أخلاقية، بل أداة لإدامة النظام، فيما تُعلق السياسة الحقيقية. بمعنى آخر، السياسة تُؤجل، بينما يستمر العنف في إطار قانوني، مؤسسي، وإنساني مُدار (186).
تاسعا: إسرائيل ضمن المنطق البنيوي للوصاية
إذا كانت فلسطين تكشف منطق الوصاية على مستوى الضحية، فإن إسرائيل تكشفه من موقع الأداة. إسرائيل تمثل امتدادا عمليا للوصاية الدولية، حيث تُدار الموارد والقرار العسكري والسياسي ضمن شبكة نفوذ دولية ومالية. هذا الترتيب يسمح بتركيز السلطة، وضبط السكان، وتحويل السيادة إلى إدارة مركزية بعيدة عن أي مساءلة فعلية.
كما تُدار غزة، تُستخدم إسرائيل أيضا لتطبيق نموذج إدارة السكان ضمن فضاءات شبه مستقلة. تُوظف التكنولوجيا، والخوارزميات، والآليات الإدارية لضبط السكان والسيطرة على الأرض، مما يعكس نفس المنطق البنيوي: تعليق السياسة، إدارة القرار، وتحويل المعاناة إلى أداة تحكم.
إسرائيل تُظهر كيف يمكن للفضاءات شبه المستقلة أن تعمل بالتوازي مع شبكات النفوذ الدولية، حيث تُستخدم الأدوات التقنية والاقتصادية لتطبيق استراتيجيات الوصاية. العنف هنا ليس عشوائيا، بل مؤطر ومنظم ضمن منظومة تحكم مركزي.
إذا كانت الفضاءات شبه المستقلة تُدار علنا في حالات مثل غزة، فإنها تظهر في أشكال أخرى أكثر انغلاقًا حين يتعلق الأمر بالنخب، حيث يُدار العنف دون أن يُرى.
غير أن الفضاءات شبه المستقلة لا تقتصر على مناطق الصراع، بل تمتد إلى عوالم النخب ذاتها.
عاشرا: ظاهرة إبستين: نموذج مواز للفضاءات شبه المستقلة
تقدم ظاهرة إبستين مثالا على فضاء شبه مستقل خارج المساءلة التقليدية. في هذا الفضاء، يُمارس الاستغلال والتحكم ضمن إطار مغلق ومحمي قانونيا، مع ضمان استمرار الهيمنة عبر الشبكات المالية والسياسية.
بينما يكون العنف في فلسطين مكشوفا، في فضاءات مثل جزر إبستين يكون مغطى ومُدار، مؤكدا نفس المنطق البنيوي: تعليق السياسة، إدارة القرار، والحفاظ على السلطة ضمن منظومة متكاملة لا تُساءل.
حادي عشر: الوصاية بوصفها الاسم الجديد للنظام
أظهر الجزء الخامس أن الإبادة لم تعد مجرد حدث استثنائي، بل أصبحت نظام حكم مستمر قائم على: نزع السياسة، تعليق القانون، تحويل الإنسانية إلى تقنية، واستخدام الفضاءات شبه المستقلة والشبكات المالية والأمنية لإدارة العالم
فلسطين وغزة خصوصا مثال حي، بينما إسرائيل ومشاريع مثل ظاهرة إبستين توضح التطبيق العالمي لهذا المنطق البنيوي، حيث تُدار السلطة، العنف، والسيادة ضمن نظام مركزي قائم على الإدارة والوصاية، بعيدا عن أي مساءلة فعلية.
ما يكشفه هذا الجزء، في جوهره، هو أن الوصاية لم تعد استجابة طارئة لانهيار السيادة أو فشل الدولة، بل أصبحت الصيغة المستقرة التي يُعاد من خلالها تنظيم الحكم بعد انكشاف الإبادة. فالإنسانية المعولمة، ومجالس النخب، والفضاءات شبه المستقلة، والتقنيات الإدارية، لا تعمل بوصفها أدوات إصلاح أو حماية، بل بوصفها آليات لإعادة ضبط النظام العالمي دون المساس بأسسه العنيفة.
في هذا الإطار، لا تُلغى الإبادة، بل يُعاد توزيعها زمنيا، لغويا، وأخلاقيا. ولا تُستعاد السياسة، بل تُؤجَّل باستمرار باسم الاستقرار، والحماية، والضرورة. هكذا يتحول ما بعد الإبادة إلى مرحلة حكم كاملة: تُدار فيها الحياة والموت، الحقوق والمعاناة، السيادة والقرار، خارج منطق المساءلة السياسية، وداخل منطق الإدارة التقنية.
فلسطين، وغزة على نحو خاص، لا تظهر هنا كاستثناء مأساوي، بل كنقطة انكشاف مبكر لبنية عالمية آخذة في التعميم. وما يبدو فشلا أخلاقيا أو قانونيا للنظام الدولي، يتبيّن، في العمق، بوصفه نجاحا وظيفيا لنظام أعاد تعريف الحكم، والسيادة، والإنسانية نفسها، على نحو يفصلها عن السياسة ويُدرجها ضمن منظومة إدارة دائمة.
بهذا المعنى، لا تُمثّل الوصاية نهاية الإبادة، بل تحوّلها إلى قاعدة حكم. ولا تمثّل الإنسانية نقيض العنف، بل لغته الجديدة.
وما لم تُستعد السياسة بوصفها فعلا تحرريا، لا تقنية إدارة، فإن ما جرى في فلسطين لن يبقى محصورا فيها، بل سيغدو النموذج الذي يُعاد إنتاجه بأشكال مختلفة في فضاءات أخرى من العالم.
لكن توصيف هذا النظام، مهما بلغ من الدقة، يبقى ناقصا إن لم يُفتح على السؤال الذي يحاول هذا العمل تأجيل الإجابة السهلة عنه: كيف يمكن استعادة السياسة في عالم صُمّم لإدارتها؟
ثاني عشر: استعادة السياسة كشرط للخروج من دائرة الوصاية
لا يقدّم هذا الفصل حلولا تقنية، لأنه يفترض أن التقنية جزء من المشكلة (187). الخروج الوحيد الممكن من منطق ما بعد الإبادة هو: إعادة الاعتراف بالفاعلين السياسيين، استعادة الحق في تقرير المصير، والحق في المقاومة والتحرر (188)، وإعادة السياسة إلى صلب العلاقات الاجتماعية والدولية.
دون إعادة السياسة الحقيقية، ستظل الإنسانية والوصاية والسلام المُدار أدوات لإدامة العنف، لا لإيقافه (189) مما يحول إدارة العنف إلى نظام عالمي دائم تحت ستار الشرعية الإنسانية.
غير أن تشخيص هذا النظام، مهما بلغ من التفصيل، يبقى ناقصا إن لم يُواجَه بسؤال كسره، لا التكيّف معه.
ثالث عشر: إذا كان هذا هو النظام، فكيف يمكن كسره؟
إذا كان هذا هو النظام كما تَكشّف في الأجزاء الأربعة السابقة نظاما لا يعطّل الإبادة، بل يُنظّمها، ولا يفشل أخلاقيا، بل ينجح وظيفيا، فإن السؤال الذي لا يمكن للبحث أن يتجاوزه هو: كيف يمكن كسر نظام لا يعمل رغم عنفه، بل بفضله؟
لا تتبدّى الإبادة في صيغتها المعاصرة كفعل استثنائي يقع خارج النظام، بل كأحد أشكاله الأكثر انتظامًا (190). فهي لا تبدأ عند لحظة العنف المباشر، ولا تنتهي بانحساره، بل تُبنى تدريجيا عبر منظومات قانونية، وإنسانية، وإدارية، تُعيد تعريف الحياة نفسها بوصفها موضوعا للإدارة، لا فعلا سياسيا يستحق الظهور والمطالبة (191). بهذا المعنى، لا تكون الإبادة نقيض النظام الدولي، بل إحدى وظائفه حين يعجز عن احتواء التناقضات التي ينتجها.
من هنا، لا يظهر فشل القانون الدولي بوصفه خللا عرضيا في التطبيق، بل كفشل بنيوي في تعريف العدالة ذاتها (192). فالقانون الذي يُعلّق باسم الاستثناء، ويُعاد تأويله وفق ميزان القوة، ويتحوّل إلى أداة تنظيم للعنف لا لردعه، يفقد صفته الكونية، ويغدو جزءا من آلية الضبط. وحين يعجز القانون عن تسمية الجريمة، لا يعود غيابه حيادا، بل يصبح شكلا من أشكال المشاركة الصامتة.
في السياق نفسه، لا تمثّل الإغاثة خروجا أخلاقيا عن منطق الإبادة، بل غالبا ما تعمل داخل منطقه. فهي تُدار بوصفها استجابة تقنية لأجساد متضرّرة، لا بوصفها اعترافا بذوات سياسية منزوعة الحقوق (193). وحين تُفصل المعاناة عن أسبابها السياسية، تُختزل الحياة إلى احتياج بيولوجي قابل للقياس والتوزيع، وتُنزَع عنها إمكانية الاحتجاج والمساءلة. بذلك، تتحوّل الإنسانية من قيمة مقاومة إلى لغة تنظيم، ويصبح الموت مسألة تنظيمية، لا مأساة أخلاقية (194).
غير أن أخطر ما في هذا المسار لا يكمن في العنف ذاته، بل في نزع السياسة الذي يسبقه ويبرّره. فحين يُعاد تعريف البشر كحالات، وأزمات، وأرقام، تُمحى المسافة بين الحماية والإخضاع، وبين الإدارة والسيادة. هنا، لا تُقتل السياسة دفعة واحدة، بل تُفرَّغ من معناها، وتُستبدل بإدارة تقنية للحياة والموت، حيث يُقرَّر من يستحق البقاء، وبأي شروط، وتحت أي سقف زمني (195).
في هذا الأفق، تتكثّف سياسة الإماتة (النيكروسياسة) لا بوصفها انحرافا، بل كمنطق حاكم: إدارة الموت باسم الأمن، وتعليق الحياة باسم الاستقرار، وإدامة العنف باسم السلام (196).
لا تعود السيادة فعلا سياسيا جماعيا، بل قرارا فوقيا معزولا عن المحاسبة، يُمارَس على أجساد صامتة جرى تجريدها من اللغة التي تمنحها حضورا أخلاقيا وسياسيا (197).
إذا كان هذا هو النظام، فإن كسره لا يمكن أن يتم من داخله، ولا عبر تحسين أدواته، ولا بتوسيع لغته. فلا مزيد من القانون يكسر قانونا صُمّم ليُعلَّق، ولا مزيد من الإنسانية يوقف نظاما يحوّل الإنسانية نفسها إلى تقنية إدارة. كسر النظام يبدأ حين تُنزَع الشرعية عن منطقه، لا حين يُطالَب بأن يكون أكثر لطفا.
إن استعادة السياسة هنا لا تعني العودة إلى صيغها التقليدية، بل إعادة تعريفها بوصفها فعل تسمية، ومواجهة، وظهور علني. سياسة تُعيد ربط العنف بالمسؤولية، وتعيد الإنسان من موقع الضحية المُدارة إلى موقع الذات السياسية القادرة على المطالبة. كما تعني تفكيك اللغة التي تحمي النظام: فضح الاستقرار حين يكون تعليقا دائما للحقوق، وفضح السلام حين يكون إدارة طويلة الأمد للعنف.
من هذا المنظور، لا تُقرأ فلسطين كاستثناء، بل كنموذج كاشف لبنية عالمية آخذة في التعميم (198). ما يُمارَس عليها ليس خروجا عن النظام الدولي، بل تكثيفا مبكرا لمنطقه حين يبلغ أقصى درجاته. ومن هنا، لا يكون كسر هذا المنطق ممكنا إلا عبر ربط النضالات المحلية بسؤال كوني أوسع: كيف يمكن استعادة السياسة في عالم أُعيد تنظيمه لإدارتها؟
يبقى السؤال مفتوحا، ليس بوصفه نقصا في الإجابة، بل بوصفه شرطها.
فإما عالم تُدار فيه الحياة باسم الإنسانية، أو سياسة تُستعاد بوصفها شرط الوجود الإنساني نفسه.

الحواشي

150. فرانز فانون، “معذبو الأرض”، دار الطليعة، بيروت، 1961، ص. 128.
151. جورجيو أغامبين، “Homo Sacer: السيادة والسلطة العارية”، ترجمة أحمد أبو هلال، القاهرة، 2005، ص. 107.
152. أشيل مبمبي، “السلطة في عصر اللاعقلانية”، باريس، 2000، ص. 117.
153. ميشيل رو، “سياسات الإغاثة والوصاية”، باريس، 1995، ص. 161.
154. مايكل فوكو، “الأمن، التراب، السكان”، باريس، 2004، ص. 139.
155. جيمس سكوت، “سياسة الضرورة والسلطة”، نيويورك، 1998، ص. 83.
156. توماس بالارد، “الإنسانية كأداة حكم”، لندن، 2010، ص. 105.
157. تقرير اللجنة الثلاثية، “أزمة الديمقراطية”، واشنطن، 1975، ص. 140.
158. تقرير اللجنة الثلاثية، المرجع السابق، ص. 146.
159. روبرت بيل، “تقنيات إدارة الأزمات”، نيويورك، 2002، ص. 85.
160. وثيقة كيسنجر، “NSSM 200: آثار النمو السكاني على الأمن القومي الأمريكي”، واشنطن، 1974.
161. تقرير أوكسفام، “مقاومة حكم الأثرياء / حماية الحرية من سطوة أصحاب المليارات”، 16/1/2026، ص. 8.
162. الجزيرة، “قائمة فوربس لأثرياء العالم 2025”، 3/9/2025.
163. تقرير أوكسفام، المرجع السابق، ص. 8.
164. توماس روبرت مالتوس، “مبادئ السكان”، لندن، 1798.
165. مذكرة الأمن القومي NSSM-200، “آثار النمو السكاني على الأمن الأمريكي”، واشنطن، 1974–1989.
166. المرجع السابق، مذكرة الأمن القومي NSSM-200.
167. تقرير اللجنة الثلاثية، “أزمة الديمقراطية”، واشنطن، 1975.
168. د. محمد عمارة، “مخطط برنارد لويس لتفتيت الدول العربية والإسلامية”، مجلة وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، 14/1/2011.
169. المنتدى الاقتصادي العالمي، “تاريخ المنتدى ودوره في إدارة العالم”، سويسرا، 1971–2026.
170. ماكس فيبر، “السياسة كمهنة”، ميونيخ، 1919، ص. 95–97.
171. روبرت باكستر، “العالم كمشكلة تقنية: إدارة القرار والسيادة”، نيويورك، 2003، ص. 101–104.
172. حنة آرندت، “في أصل الديكتاتورية”، نيويورك، 1970، ص. 202.
173. إيمانويل والرشتاين، “النظام العالمي الحديث”، نيويورك، 1974، ص. 129.
174. فرانز فانون، المرجع السابق، ص. 135.
175. جورجيو أغامبين، المرجع السابق، ص. 115.
176. أشيل مبمبي، المرجع السابق، ص. 125.
177. ميشيل رو، المرجع السابق، ص. 169.
178. مايكل فوكو، المرجع السابق، ص. 147.
179. جيمس سكوت، المرجع السابق، ص. 89.
180. توماس بالارد، المرجع السابق، ص. 113.
181. تقرير اللجنة الثلاثية، المرجع السابق، ص. 153.
182. تقرير اللجنة الثلاثية، المرجع السابق، ص. 158.
183. روبرت باكستر، المرجع السابق، ص. 109.
184. فرانز فانون، المرجع السابق، ص. 142.
185. جورجيو أغامبين، المرجع السابق، ص. 123.
186. أشيل مبمبي، المرجع السابق، ص. 133.
187. مايكل فوكو، المرجع السابق، ص. 155.
188. جيمس سكوت، المرجع السابق، ص. 95.
189. توماس بالارد، المرجع السابق، ص. 121.
190. تقرير اللجنة الثلاثية، المرجع السابق، ص. 164.
191. تقرير اللجنة الثلاثية، المرجع السابق، ص. 169.
192. روبرت بيل، المرجع السابق، ص. 93.
193. ماكس فيبر، المرجع السابق، ص. 103.
194. روبرت باكستر، المرجع السابق، ص. 117.
195. حنة آرندت، المرجع السابق، ص. 212.
196. جورجيو أغامبين، المرجع السابق، ص. 128–130.
197. جيمس سكوت، المرجع السابق، ص. 95–96.
198. ميشيل رو، “سياسات الإغاثة والوصاية”، ص. 177



غانية ملحيس
8/2/2026



==============================




تعليقات

* خالد عطية


كما عوّدتنا الدكتورة غانية ملحيس، لا تُغلق هذه السلسلة عند الخلاصة، بل تفتحها على السؤال الأصعب. الجزء الخامس لا يعمل بوصفه خاتمة، بل بوصفه نقطة لا عودة: لحظة يُجبر فيها القارئ على الاعتراف بأن ما نعيشه ليس انحرافًا عابرًا في النظام العالمي، بل اكتمال منطقه.
ما يميّز هذا العمل، في مجمله، وفي هذا الجزء تحديدا، أنه لا يكتفي بتسمية الإبادة، بل يجرّدها من كل استعاراتها المريحة. هنا لا تعود الإبادة حدثًا، ولا حتى سياسة، بل نمط حكم؛ لا تُمارَس حين يفشل النظام، بل حين ينجح في ضبط تناقضاته. وهذا ما يجعل “ما بعد الإبادة” أخطر من الإبادة نفسها: لأنه طور الاستقرار، لا طور الصدمة.
التحليل الذي تقدّمه غانية لا يُسائل الوصاية بوصفها إجراءً خارجيًا فُرض على عالم منكوب، بل يكشفها كـ الصيغة الجديدة للسيادة: سيادة بلا تمثيل، وسلطة بلا مساءلة، وإنسانية بلا سياسة. بهذا المعنى، لا تكون الوصاية حلًا لما انهار، بل ترتيبًا لما كُشف. إعادة ضبط للنظام، لا تفكيكًا له.
الأهم في هذا الجزء أنه يُسقِط وهم البراءة عن مفردات اعتدنا التعامل معها كقيم: الإنسانية، الإغاثة، السلام، إعادة الإعمار. هذه المفردات، كما تُبيّن الكاتبة، لم تعد تقف خارج العنف، بل تعمل داخله. لا تُنهي الإبادة، بل تُنظمها. لا تُواجه الجريمة، بل تُخفّف فضيحتها. وهنا تكمن جرأة النص: في إصراره على أن اللغة نفسها باتت جزءًا من آلة الحكم.
فلسطين، في هذا السياق، لا تُستدعى كقضية أخلاقية ولا كاستثناء مأساوي، بل كاختبار بنيوي مبكر. ما يُمارَس فيها ليس خللًا في النظام الدولي، بل أداءً نموذجيًا له. لهذا لا يعود السؤال: لماذا فشل العالم في حماية الفلسطينيين؟ بل: كيف نجح في إدارة قتلهم دون أن ينهار خطابه عن ذاته؟
ما يربك في هذا النص - وهذا من فضائله - أنه لا يقدّم عزاءً ولا وصفة خلاص. بل يضع القارئ أمام سؤال لا يمكن ترحيله:
إذا كانت الإبادة تُدار، والإنسانية تُحوَّل إلى تقنية، والقانون يُعلَّق باسم النظام… فأين يمكن أن تتموضع السياسة؟
هنا تحديدًا تتجاوز هذه السلسلة كونها قراءة في فلسطين، لتصبح مساءلة جذرية لمعنى الفعل السياسي في زمن أُعيد فيه تعريف الحكم بوصفه إدارة، لا صراعًا. وهي، بهذا المعنى، واحدة من أندر المحاولات في الكتابة العربية المعاصرة التي لا تكتفي بفضح العنف، بل تفضح العقل الذي جعله ممكنًا، ومقبولًا، وقابلًا للاستمرار.
هذا نص لا يُغلق الجرح، بل يرفض تحويله إلى “ملف”.
ولا يعد بالخلاص، لكنه يصرّ على إبقاء السياسة ممكنة… ولو بوصفها سؤالًا مفتوحًا في وجه نظام صُمّم لإسكاتها.
وهذا، في لحظتنا الراهنة، ليس جهدًا معرفيًا فحسب، بل موقفا فكريا شجاعا.

خالد عطية
8/2/2026



/////////////////////////////



* غانية ملحيس

الصديق العزيز خالد
تحية تقدير عميقة لهذا الاشتباك الفكري الدقيق الذي يلتقط روح الجزء الخامس دون أن يحوّله إلى خاتمة مريحة.
قراءتك التي ترى في هذا الجزء “نقطة لا عودة” أكثر من كونها خاتمة، تلامس بالضبط الرهان الذي حاول المقال أن يبلغه: أن ما نواجهه ليس انحرافا في مسار النظام العالمي، بل اكتمال منطقه. الإبادة، كما أشرت، لا تظهر هنا كحدث أو سياسة ظرفية، بل كنمط حكم مستقر، يعمل حين ينجح النظام في ضبط تناقضاته، لا حين يفشل.
أقدّر كثيرا تناولك لمفهوم “ما بعد الإبادة” بوصفه الطور الأخطر، لأنه طور الاستقرار لا الصدمة. فحين يُدار العنف بهدوء، وتُعاد صياغته لغويا وأخلاقيا، يصبح قابلا للاستمرار دون أن يستدعي الانهيار أو القطيعة. وهذا ما يجعل الوصاية، كما أشرت بدقة، ليست إجراء إسعافيا، بل الصيغة الجديدة للسيادة: سيادة بلا تمثيل، وسلطة بلا مساءلة، وإنسانية منزوع عنها بعدها السياسي.
أما إسقاط وهم البراءة عن مفردات مثل الإنسانية، والإغاثة، والسلام، وإعادة الإعمار، فهو في تقديري أحد أكثر رهانات المقال حساسية. ليس بقصد نفي الحاجة إليها، بل لكشف تحوّلها من قيم يُفترض أن تُقوّض العنف، إلى أدوات تعمل داخله، وتساهم في تنظيمه وتخفيف فضيحته. اللغة، كما قلت، لم تعد مجرد وسيط، بل جزءا من آلة الحكم ذاتها.
قراءتك لفلسطين بوصفها اختبارا بنيويا مبكرا، لا استثناء مأساويا، تنسجم تماما مع ما حاول الجزء الخامس تثبيته: أن السؤال لم يعد لماذا فشل العالم في الحماية، بل كيف نجح في إدارة القتل دون أن ينهار خطابه عن ذاته. هذا التحوّل في زاوية السؤال هو، في جوهره، انتقال من أخلاق الإدانة إلى تحليل البنية.
وأتفق معك أن ما يربك في هذا المقال - وربما ما يزعجه - أنه يرفض تقديم عزاء أو وصفة خلاص. السؤال عن موضع السياسة، في عالم تُدار فيه الإبادة، وتُحوَّل الإنسانية إلى تقنية، ويُعلَّق القانون باسم النظام، لا يُطرح بوصفه لغزا نظريا، بل بوصفه مأزقا وجوديا للفعل السياسي نفسه.
ممتنة لك على هذه الشراكة الفكرية التي توسّع النقاش وتنقله إلى تخومه القصوى، وعلى القراءة العميقة التي لم تتوقف عند توصيف العنف، بل ذهبت إلى مساءلة العقل الذي جعله ممكنا، مقبولا، وقابلا للاستمرار.
وفي لحظة يُطلب فيها من الفكر أن يهدّئ أو يبرّر، تبقى مثل هذه القراءات العميقة موقفا معرفيا وأخلاقيا في آن واحد.
خالص التقدير والاحترام.

غانية ملحيس
8/2/2026
 
* المتوكل طه


كلما انغمست عميقا لأتبين مضامين مقال د. غانية، أخرج مضرجا بدم الندوب التي أصابتني، من هول عمق الهاوية، ومن حيث المجانية التي تسيطر على هذا الكوكب.. والتي تصل بالقارىء إلى عتبة فراغ حالك مخيف. إن هذا التفكيك المتواصل، الذي تقوم به الكاتبة، يضيء العالم باعتباره مذبحة، تتزيا بغير صورة وخطاب.
إن المتفحص لكتابات الأخت د. غانية" يشعر بالثقة والطمأنينة بأن في فلسطين من يعي هذه التراجيديا، ما يبشر بأفق للخلاص، لكنه سيظل فائضا بالرعب من هذا الوجود الهائش الغابوي الجامح، دون روادع.
كلمة شكراااااااا لا تكفي يا سيدتي على ما تجترحينه.. وأرجو أن يدفعنا لنعي، وننفعل، ونفعل..

المتوكل طه
8/2/2026




/////////////////////////////////////

* غانية ملحيس

الصديق العزيز المتوكل طه
قرأتُ كلماتك بقدر ما قرأتُ نفسي فيها، لا بوصفها ثناء، بل بوصفها شهادة وجودية على ما يفعله هذا النص حين يُؤخذ على محمل التجربة لا القراءة فقط. أن يخرج القارئ “مضرجا بدم الندوب” ليس غاية الكتابة، لكنه أثرها حين تقترب من الهاوية دون أقنعة، ودون خطاب يواسي أو يخفف.
ما وصفته بـ“الفراغ الحالك” هو، في تقديري، أخطر ما في هذا العالم: ليس العنف الصريح، بل مجانيته، اعتياديته، وقدرته على التزيّي بخطاب بلا صورة، وبأخلاق بلا فعل. وإذا بدا العالم في هذا التفكيك مذبحة متنكرة، فذلك لأن اللغة السائدة بذلت جهدا هائلا لإخفاء سكينها.
ثقتك بأن في فلسطين من يعي هذه التراجيديا تمسّني بعمق، لا بوصفها طمأنينة، بل كتكليف ثقيل: أن يبقى الوعي يقظا، حتى وهو يعرف أن الخلاص ليس وشيكا، وأن الرعب ليس عارضا، بل بنية.
وأوافقك تماما: الوعي وحده لا يكفي، ما لم يتحول إلى انفعال مسؤول، ثم إلى فعل، مهما بدا هشا أمام هذا الوجود الغابوي الجامح.
ممتنة لك، لا لأنك قلت “شكرا”، بل لأنك جعلت الكلمة أقل وحدة في مواجهة هذا الخراب.
لك المودة والاحترام العميقان

غانية ملحيس
8/2/2026
 
* نائل التونسي


الدكتورة غانية ملحيس،
مع خالص الشكر والتقدير، شكرًا على هذا العمل الكاشف، وكل التقدير لهذا الجهد الفكري العميق الذي لا يكتفي بوصف ما يجري، بل يجرؤ على تفكيك منطقه الداخلي، ونزع الأقنعة التي طالما قُدِّمَت العنف بوصفه ضرورة، والإبادة بوصفها فشلا طارئا، والإنسانية بوصفها خلاصا. ما أنجزتِه في هذه السلسلة، من الجزء الأول حتى الخامس، لا يمكن قراءته كنقاش ظرفي أو تعليق سياسي، بل كمساءلة جذرية لبنية عالمية كاملة.
تقدّم هذه السلسلة تفكيكا جذريا لما يبدو للوهلة الأولى “فشلا أخلاقيا” للنظام الدولي، لتُبيّني أن ما نشهده اليوم وخصوصا في فلسطين وغزة ليس انحرافا عن هذا النظام، بل تجليا دقيقا لوظيفته العميقة. فالإبادة، كما تبيّنين، لم تعد حدثا استثنائيا يقع خارج القانون أو ضدّه، بل تحوّلت إلى صيغة حكم تُدار من داخل المنظومة الدولية وبأدواتها نفسها. لم تعد خروجًا عن القانون، بل ممارسة تتم عبره، ولم تعد نقيض الإنسانية، بل تُدار باسمها، ولم تعد لحظة انفجار عابرة، بل مرحلة ضمن دورة حكم متكاملة.
تنطلق المقالات من فرضية مركزية مفادها أن الإبادة الحديثة تقوم على شرط سابق وصامت هو نزع السياسة: أي تفريغ الصراع من معناه السياسي، وتحويله إلى مسألة أمنية، إنسانية، أو تقنية قابلة للإدارة. في هذا السياق، لا يُلغى القانون، بل يُعاد توظيفه، ولا تختفي الأخلاق، بل تُعاد صياغتها بلغة “الضرورة” و”الاستقرار”. وحين يُعاد تعريف البشر كـ“حالات” و“مخاطر” و“أزمات”، يصبح العنف ممكنا دون الحاجة إلى تبرير أخلاقي فجّ، ويتحوّل الموت إلى مسألة تنظيمية، وتُختزل الحياة إلى حدّها البيولوجي الأدنى.
تُظهر الأجزاء الأولى كيف أسهمت الحداثة السياسية، عبر التصنيف والتراتب والسيادة، في إعادة تعريف الإنسان بوصفه كائنا قابلا للإدارة لا ذاتا سياسية، ما مهّد لإمكان ممارسة العنف طويل الأمد بلا فاعل واضح. وهنا يتضح أن نزع السياسة ليس نتيجة للعنف، بل شرطه البنيوي: حين تتحول الديمقراطية إلى كفاءة إدارية، والسيادة إلى إدارة مخاطر، تُغلق إمكانيات المساءلة، ويُعاد إنتاج العنف ضمن نظام يبدو عقلانيا ومستقرا.
في هذا الإطار، تحتل اللغة موقعا محوريا. فالخطاب الإنساني، كما تكشف المقالات، لا يكتفي بوصف المعاناة، بل يعيد إنتاجها عبر فصلها عن أسبابها السياسية والاستعمارية. الاعتراف بالألم دون الاعتراف بالمسؤولية يحوّل الإنسانية من قيمة مقاومة إلى تقنية حكم، تُخفف الفضيحة بدل أن تُسائل البنية، وتدير النتائج بدل أن تواجه الأسباب، وتجعل “إدارة الأزمة” بديلا عن إنهاء جذورها.
تأتي فلسطين، ولا سيما غزة، لا بوصفها حالة استثنائية، بل كنقطة انكشاف قصوى. فما يظهر فيها ليس عجز النظام الدولي عن الحماية، بل نجاحه في إدارة الإبادة دون أن ينهار خطابه عن ذاته. القتل، الحصار، التجويع، والتدمير تُمارَس ضمن دورة مضبوطة زمنيا وأخلاقيا، تُتبع دائما بمرحلة إغاثة وإعمار مشروط، تُعيد إنتاج الشروط نفسها التي قادت إلى التدمير، دون المساس بجذور الاستعمار أو الاعتراف بالفاعل السياسي.
ويبلغ التحليل ذروته في الجزء الخامس عبر تفكيك ما يُسمّى “ما بعد الإبادة”. فهذه المرحلة لا تمثّل نهاية العنف، بل انتقاله إلى طور أكثر انتظاما، تُدار فيه الحياة والموت عبر الوصاية، والإنسانية المعولمة، ومنصّات النخب العابرة للدول، والفضاءات شبه المستقلة. هنا، تُعاد صياغة الحكم بوصفه سيادة بلا تمثيل وسلطة بلا مساءلة، وتُطرح الوصاية لا كحل مؤقت، بل كصيغة مستقرة لإدارة العالم، حيث لا يُسأل لماذا يحدث العنف، بل كيف يمكن ضبطه دون أن ينهار النظام أو تنفلت الفضيحة.
اللافت، وربما الأكثر إقلاقا، هو الربط الذي تقيمينَه بين الحالة الفلسطينية وسياق عالمي أوسع: من إدارة جائحة كورونا، إلى تركّز الثروة غير المسبوق، إلى الجذور الفكرية التي ترى في البشر فائضا أو خطرا يجب ضبطه، من مالتوس إلى وثيقة كيسنجر، ومن اللجنة الثلاثية إلى دافوس. في هذا السياق، تُفهم إسرائيل لا كاستثناء أخلاقي، بل كأداة بنيوية ضمن نظام الوصاية، كما تُقرأ فضاءات النخب المغلقة مثل ظاهرة إبستين بوصفها وجها آخر للعنف المُدار خارج السياسة والمساءلة.
ما تضعنا أمامه هذه السلسلة لا يقتصر على تحليل ما يحدث في فلسطين، بل يكشف حقيقة أوسع كانت متخفية طويلا خلف أقنعة الأمن، والسلم، والإنسانية. فالخطر لا يكمن في العنف وحده، بل في نظام ينجح في تطبيعه، وإدارته، وتجميله أخلاقيا. وحين تُفصل الإنسانية عن السياسة، ويُستبدل التحرر بالإغاثة، والسيادة بالإدارة، يصبح العالم كله قابلا لأن يتحوّل إلى “غزة” أخرى، بأشكال مختلفة وحدّة متفاوتة.
ومن هنا يفرض سؤال نفسه، دكتورة غانية، وهو سؤال قلق بقدر ما هو جوهري:
إذا كان هذا التشخيص يصيب صلب الحقيقة، فهل نحن أمام إعادة إنتاج لحقب تاريخية سابقة من الوصاية والاستعمار وإدارة السكان، ولكن بأدوات أكثر نعومة، وتقنيات أكثر حداثة، ولغة أخلاقية أكثر إقناعا؟
وهل يكمن الخطر الأكبر في أن هذا النظام لا يظهر دائما في صورة العنف الصريح، بل في صورة عقلانية، إنسانية، مستقرة، تجعل مقاومته أصعب من مقاومة القهر المكشوف؟
سؤالكِ المفتوح عن استعادة السياسة لا يبدو هنا خيارا فكريا، بل شرط نجاة:
فإما عالم تُدار فيه الحياة باسم الإنسانية، أو سياسة تُستعاد بوصفها فعلًا تحرريا يعيد للإنسان حضوره، ومسؤوليته، وقدرته على التسمية والمساءلة.
مرة أخرى، الشكر لكِ على هذا العمل الذي لا يريح القارئ، بل يضعه أمام حقيقة كان يفضّل ألّا يراها.
نائل التونسي
9/2/2026



//////////////////////////////


* غتنية ملحيس


الأستاذ العزيز نائل التونسي
أشكرك جزيل الشكر على هذه القراءة الدقيقة والعميقة للجزء الخامس من العمل، وللإجمال الذي قدمته لكل الأجزاء السابقة. ما يلفت الانتباه في تعقيبك هو الإدراك المتميز لما أسميه “الشرط الصامت” للإبادة الحديثة: نزع السياسة وتحويل الإنسان إلى متغير إداري، وتحويل العنف إلى وظيفة نظامية تُدار باسم القانون والإنسانية.
ملاحظاتك تقاطعت مع الرهان المركزي للمقال، بأن الإبادة لم تعد انحرافا أخلاقيا أو فشلا للنظام، بل نجاحا في إدارة الحياة والموت ضمن إطار وظيفي متكامل. بالفعل، فلسطين وغزة هنا ليستا استثناء، بل نموذج أولي للمنطق البنيوي ذاته الذي يتكرر عالميا في أشكال أكثر تعقيدا ونعومة، كما أشرت، من إدارة الأوبئة إلى ضبط فائض السكان وتركيز الثروة. ما يبدو عنيفا في الظاهر يمكن، في الواقع، أن يُدار بعقلانية “إنسانية”، ويصبح صعب المقاومة لأن أدواته متجذرة في القانون واللغة والأخلاق نفسها.
أوافقك تماما في أن الجزء الخامس يكشف مرحلة ما بعد الإبادة بوصفها مرحلة حكم، لا تعافي: الوصاية، الإنسانية المعولمة، منصات النخب العابرة للدولة، والفضاءات شبه المستقلة، كلها أدوات لإعادة إنتاج النظام بلا انكشاف فجّ، بلا فشل أخلاقي، وبإخفاء الفاعل السياسي. هذا التحليل، كما ذكرت، يفتح على السؤال الحيوي: استعادة السياسة ليست ترفا نظريا، بل شرط بقاء، فعل تحرري يضع الإنسان مجددا في قلب الفعل السياسي، ويعيد له القدرة على التسمية والمساءلة.
الرهان الذي تلمسه، والمخاطر التي تشير إليها، صحيحة: أخطر ما في هذا النظام أنه لا يبدو عنيفا دائما، بل مستقر، عقلاني، وحتى إنساني، مما يجعل مقاومته أصعب بكثير من مقاومة العنف الصريح التقليدي.
المقال لا يسعى لتقديم حلول جاهزة، بل لتفكيك شروط الإمكان، وإظهار كيف يمكن للسياسة أن تعيد نفسها في فضاء مصمم لإلغاء الفعل السياسي.
أقدّر بعمق هذا الحوار المعرفي، الذي يضيف ويثري، ويؤكد أن التفكير النقدي، رغم كل ثقل الحقيقة التي يواجهها القارئ، يظل شرطا أساسيا لمحاولة استعادة الفعل السياسي والمعنى. مثل هذه القراءة تجعل النقاش يمتد من وصف الواقع إلى مساءلة بنيته، وهو الهدف الرئيس للمشروع البحثي.
خالص التقدير والامتنان
غانية ملحيس
9/2/2026

6
 
* يحيى بركات


الدكتورة غانية،
قرأتُ هذه السلسلة كاملةً كما يُقرأ مشهدٌ واحد طويل النفس، فيلمٌ لا يقطع لقطاته بمجاملة، ولا يمنح المتلقي استراحةً مجانية. خمسة أجزاء تمشي فوق سكة واحدة: الإبادة ليست انفجارًا خارج النظام، بل انتظامٌ داخله. ليست فشلًا أخلاقيًا عابرًا، بل كفاءةٌ وظيفية حين يبلغ النظام ذروة انسجامه القاتل مع نفسه.
في الأجزاء الثلاثة الأولى كنتِ تفتحين الباب بهدوء:
تسحبين الإبادة من خانة “الاستثناء”، وتعيدينها إلى قلب الحداثة السياسية.
تقولين إن العنف لم يختفِ حين تحضّر القانون، بل تغيّر لباسه.
وأن “نزع السياسة” ليس نتيجةً للعنف، بل شرطه السابق. الجريمة لا تحتاج إلى صراخ كراهيةٍ كي تُنجز عملها، يكفي أن تُسحب من الضحية صفتُها كفاعل سياسي، ويُعاد تعريفها ككتلة احتياجٍ قابلة للتوزيع.
ثم تأتي اللغة، لا كمرآةٍ للواقع، بل كآلةٍ تسبق الواقع وتسمح له أن يحدث: تُبدّل الأسماء قبل أن تتبدل الوقائع، تُؤجل التسمية إلى أن يصبح الدم “وضعًا إنسانيًا”، ويصبح الفاعل “تفصيلًا” خارج الصورة.
ثم جاء الجزء الرابع، وانعطف النص.
هنا لم تعودي تشرحين النظرية، بل دفعتِها إلى غرفة الامتحان.
فلسطين لم تعد مثالًا، بل “موضع انكشاف”: المكان الذي يُجبر فيه النظام العالمي على العمل بلا أقنعة، حيث القانون حاضرٌ كي يبرّر وغائبٌ كي لا يُحاسب، وحيث الاستثناء ليس لحظة طارئة، بل نمط حكم مستقر.
وغزة - كما قلتِ وكنتُ أرى - ليست فقط محاصَرة، بل “مُعايَرة”: كم تبقى حيّة؟ كم يُسمح لها أن تتنفس؟ لا لتعيش، بل لتستمر داخل القفص دون أن ينفجر القفص على صانعيه.
لكن الجزء الخامس، هو الذي أغلق الدائرة وفتحها في آنٍ واحد.
هو خاتمةٌ لا تُنهي، بل تُسمّي المرحلة التالية باسمها: الوصاية.
إذا كانت الإبادة، في أجزائك السابقة، تُدار عبر القانون واللغة والإنسانية كغطاء، فإن “ما بعد الإبادة” عندك ليس سلاما، بل انتقال العنف إلى طور أهدأ وأكثر انتظاما: عنفٌ يلبس بدلته الرسمية، ويجلس وراء طاولة لامعة، ويُعرّف نفسه كـ “ضرورة”، كـ “استقرار”، كـ “حماية”، كـ “مجلس”، كـ “منصة”، كـ “منتدى”.
هنا بالضبط تصبح الإنسانية تقنية حكم، لا نداء ضمير.
تأتي كي تُخفف الفضيحة لا كي تُفكك البنية.
تسأل: كيف نُقلّل الآثار؟ ولا تسأل: لماذا يحدث هذا ومن يفعل؟
تُدير الأجساد كأرقام لها حصصٌ من الغذاء والدواء والبطانيات، وتترك السياسة في غرفة الانتظار الطويل: “لاحقا، بعد أن تهدأ الأمور”.
وكأن السياسة ترف مؤجل، بينما هي الشرط الوحيد كي لا تتحول الحياة إلى إدارة دائمة.
وتذهبين أبعد: تربطين “الوصاية” بجذورها الذهنية القديمة - مالتوس، ثم كيسنجر ووثيقة السكان، ثم اللجنة الثلاثية، ثم دافوس، كأن العالم يتدرّب منذ قرنين على فكرة واحدة: البشر فائض أو خطر أو متغيرٌ يحتاج إلى ضبط.
ثم تضعين إصبعك على نقطة موجعة: حين يصبح الخوف الوجودي أداة طاعة، وحين تتكثف الثروة في الأعلى بينما يُطلب من الأسفل أن يصفق لإجراءات “الضرورة”، نفهم أن اللغة الإنسانية ليست فقط قناعا؛ إنها أيضا نظام توزيع للزمن: من يملك القرار الآن، ومن يُسمح له أن “ينتظر الحل”.
وفي هذا السياق، كانت استعارتك للفضاءات شبه المستقلة ذكية ومُقلقة:
غزة كفضاء مكشوف تُدار فيه الحياة حتى الموت أمام الكاميرات،
وبالمقابل فضاءات نخبوية مغلقة تُدار فيها السلطة والعنف والابتزاز خارج المساءلة، لا لأن العالم لا يعرف، بل لأن النظام يعرف كيف يعزل الفضيحة داخل “جزر” محمية، ويعيد تدويرها بلا محاكمة تُشبه اسمها.
الأثر الذي يتركه هذا الجزء الخامس ليس معرفيا فقط، بل نفسيا أيضا:
هو ينزع عن القارئ راحة الغضب السهل.
لا يتركه يقول: “العالم فشل”.
بل يضعه أمام مرآة أبرد: العالم نجح في جعل الإبادة قابلة للإدارة، ثم في تحويل ما بعدها إلى شكل حكم كامل.
وهنا - وأنا أقرأ خاتمتك -شعرتُ أن السلسلة كلها تمشي نحو سؤال واحد، وتصرّ أن تتركه مفتوحا كي لا يتحول إلى إجابة مريحة:
إذا كانت الوصاية هي الاسم الجديد للنظام، وإذا كانت الإنسانية هي لغته التشغيلية، وإذا كان القانون هو ديكوره الأخلاقي، فمن أين تبدأ استعادة السياسة؟
وأنا، من مكاني ككاتبٍ يعيش داخل الجرح الفلسطيني لا بجواره، لا أقرأ هذا السؤال في الهواء. أقرأه وهو يطرق بابا قريبا جدا من بيتنا: باب “الفاعل”، باب “التمثيل”، باب “الحامل”.
لا لأدخل هذا الباب هنا، ولا لأضع وصفة سهلة، بل لأقول فقط:
إن أخطر ما تكشفه هذه السلسلة هو أن غياب السياسة لا يصنعه الخارج وحده، بل ينجح حين يجد فراغا يسمح له أن يتحول إلى عادة، إلى روتين، إلى “طبيعي”.
والطبيعي، كما نعرف، هو أخطر أسماء الجريمة.
كتابتك لا تواسي، ولا تُجمّل، ولا تقف على حافة العاطفة لتأخذ صورة.
هي كتابة تُعيد السياسة إلى اللغة عبر فضح غيابها، وتعيد الإنسان من خانة “الحالة” إلى خانة “الذات” - ولو بالسؤال وحده، لأن السؤال هنا ليس نقصًا، بل شرط النجاة من التكيّف.
أشكرك لأنك لم تكتبي نصّا يشرح، بل نصّا يكشف.
ولأنك لم تقولي لنا
“هذا ما يحدث” فقط، بل قلتِ: “هذا هو النظام وهو يعمل، فكيف نكسره؟”

يحيى بركات
9/2/2026




//////////////////////////////////////////




* غانية ملحيس


يحيى العزيز
أشكرك على هذه القراءة التي لا تعلق على السلسلة من خارجها، بل تحاورها من الداخل، تدخل نسيجها، وتشتغل ضمن أسئلتها، وتعيد صياغتها من موقع المعايشة لا المراقبة. وهذا، تحديدا، ما كنتُ أرجوه من قارئ شريك.
ما كتبته ليس “تعليقا”، بل قراءة موازية، وامتداد للأسئلة التي حاولت السلسلة فتحها من دون إغلاقها بإجابات مريحة. والتقاطك للخيط الناظم - الإبادة بوصفها انتظاما داخليا في النظام لا خللا طارئا عليه - هو بالضبط الرهان الذي سعيتُ إليه منذ الجزء الأول. ليس بدافع الاستفزاز النظري، بل لأن الاكتفاء بوصف ما يجري كـ «فشل أخلاقي» يسمح للنظام بأن يفلت، مرة بعد مرة، من المساءلة البنيوية. ما لم نرَ العنف في لحظة انسجامه القصوى مع القانون، واللغة، والإنسانية الإجرائية، سنظل نطارده بوصفه شذوذا، بينما هو يعمل بهدوء كآلية حكم.
قراءتك للتحوّل في الجزء الرابع، من الشرح إلى “غرفة الامتحان”، دقيقة ومهمة. فلسطين وغزة لم تكونا مثالا توضيحيا في هذه السلسلة، بل موضع انكشاف قاس، تُجبر فيه المفاهيم على أن تقول حقيقتها أو تنهار. هناك، كما قلتَ، لا يعمل الاستثناء كاستثناء، بل كنمط مستقر، ولا تُدار الحياة كي تُعاش، بل كي تُقاس وتُعايَر وتُضبط ضمن هامش لا يسمح بالانفجار.
أما الجزء الخامس، ومسألة “الوصاية”، فإن قراءتك لها بوصفها انتقالا للعنف إلى طور أكثر هدوءا وانتظاما تصيب جوهر المسألة: نحن لا نخرج من العنف إلى السلام، بل من العنف الفجّ إلى عنف مُقنّن، مؤسسي، يتحدث لغة الاستقرار والضرورة والحماية. هنا تصبح “الإنسانية” تقنية حكم، ويغدو القانون ديكورا أخلاقيًا، وتُدفع السياسة إلى زمن مؤجَّل، كأنها ترف يمكن الاستغناء عنه، بينما هي - كما أشرتَ - الشرط الوحيد لئلا تتحول الحياة إلى إدارة دائمة، وإلى عادة، وإلى “طبيعي”. وحين تُطبَّع الجريمة، تفقد حتى اسمها.
أما سؤالك الختامي حول استعادة السياسة - من أين تبدأ؟ ومن يحملها؟ - فليس سؤالا نظريا عائما، بل سؤال جرح مفتوح. وأوافقك تماما أن أخطر ما تكشفه هذه اللحظة ليس عنف الخارج وحده، بل قابلية الفراغ الداخلي لأن يتحول إلى عادة، إلى روتين، إلى “طبيعي”. حينها لا يعود نزع السياسة مفروضا بالقوة فقط، بل مستبطنا ومُعاد إنتاجه.
ربما كان كل ما حاولت السلسلة فعله هو مقاومة هذا التطبيع: إعادة السياسة إلى اللغة عبر فضح غيابها، وإعادة الإنسان من خانة “الحالة” و“الملف” و“المؤشر” إلى خانة الذات، حتى لو لم يكن ذلك إلا عبر السؤال. وكما قلتَ بدقة، فالسؤال هنا ليس نقصا في الإجابة، بل شرط عدم التكيّف مع الجريمة حين تُقدَّم باسم العقلانية والضرورة.
أشكرك على هذه الرفقة الفكرية النادرة، وعلى كتابة لم تبحث عن مجاملة، بل عن اشتباك صادق مع ما كُتب، ومع ما لم يُكتب بعد.
وأثمّن هذه القراءة، لا لأنها توافقني، بل لأنها تدفع النص إلى أبعد مما يستطيع وحده، وتؤكد أن الكتابة - إن لم تدخل في اشتباك حي مع شركاء الفكر والهم والحلم - تفقد معناها السياسي.

غانية ملحيس
9/2/202
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...