غرفة العناية الإلهية بين استبطان الجرح ومساءلة القدر

في روايته "أحداث غرفة العناية الإلهية" لا يكتب "عامر سنبل" عن المرض بوصفه حادثا عابرا قد يعترض مسار الحياة، ولا عن الموت بوصفه نهاية محتومة، ولكنه يقترب من منطقة أكثر التباسًا، تحديدا من لحظة انتزاع السيادة من الجسد، تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان السيطرة على جسده، وتتم إدارته من قبل آخرين، ويُؤجَّل مصيره باسم العلم حينًا، وباسم الغيب حينًا آخر، من هذه النقطة، تبدو الرواية أقرب إلى مساءلة سردية لمفهوم الجسد في زمن الحداثة، وإلى تفكيك العلاقة الملتبسة بين الطب واللغة والقدر.
مفارقة العنوان
غرفة العناية الإلهية ليست مجرد مفارقة لغوية بين مصطلح طبي راسخ وكلمة ذات حمولة ميتافيزيقية، بل هي تسمية تكشف آلية اشتغال السلطة داخل النص، فحين تُوصَف الغرفة بالإلهية، لا يكون السؤال مطروحًا حول دقة التشخيص، أو سلامة القرار الطبي، أو حتى حدود المسؤولية الأخلاقية، اللغة هنا تضع الواقع خارج نطاق المساءلة، هكذا يكشف العنوان عن كيفية استدعاء الغيب ليملأ فراغ العجز. فإذا نجا المريض، فالفضل للعناية الإلهية، وإذا مات، فللمشيئة ذاتها. وفي الحالتين، تُرفع المسؤولية عن البشر، ويصبح الخطاب تبريريا. وهنا تمارس التسمية دورها كإجراء سلطوي ناعم، يُفرغ الفعل الطبي من بعده الأخلاقي، ويحوّل الجسد إلى موضوع مُسلَّم به.
ذات بلا قرار
يتحدث الراوي من موقع هشّ، من داخل جسد لم يعد قادرا على التحكم فيه. هو ممدد في الفراش، موصول بالأنابيب، محاط بالأجهزة، خاضع لإيقاع لا يسيطر عليه. فلا يقرر متى ينام أو يستيقظ، ولا ما الذي يُضخ في عروقه، ولا حتى مقدار الحقيقة التي يُسمح له بمعرفتها. الجسد هنا لم يعد مساحة للخبرة الذاتية، بل أصبح ساحة مستباحة تتقاسمها قوى متعددة، في هذا السياق، يصبح الحكي فعل مقاومة أخير، فحين يُسلب الجسد، لا يبقى للإنسان سوى اللغة. لذلك يمتزج السرد بالهذيان والتشظي. فالراوي يحكي ليبقى، ويثبت وجوده المؤقت في مواجهة آلة لا تعترف إلا بالمؤشرات.
النص بوصفه جسدًا
تعكس البنية السردية المتكسرة حالة الراوي، فالرواية لا تتبع خطا زمنيا مستقيما، ولا يرويها صوت واحد متماسك، ولكن يقوم بنائها على شذرات وعي، وانتقالات حادة بين الحلم واليقظة، وتداخل أصوات وتقارير وإيحاءات. هذا التشظي لا يُحيل فقط إلى اضطراب نفسي ناتج عن المرض، بل إلى فقدان للسيطرة.
كما أن الجسد موزع بين الطبيب والممرضة والجهاز، كذلك السرد موزع بين لغات وأصوات. كل تدخل خارجي يكسر تماسك الحكاية، لأن الحكاية نفسها لم تعد ملك صاحبها. النص هنا لا يصف فقدان السيادة، بل يجسده. يصبح السرد محاكاة فنية لوضعية الجسد داخل غرفة العناية: مراقَب، مُقاس، مفتوح على الاحتمال.
ولا تُقدَّم الشخصيات المحيطة بالراوي بوصفها ذوات روائية مكتملة، بل بوصفها وظائف داخل نظام. فالطبيب هو حامل سلطة المعرفة الحديثة؛ يمتلك اللغة العلمية، الأرقام، التقديرات، لكنه لا يمنح ضمانًا أخلاقيًا. معرفته دقيقة، وحياده مخيف، يعلن النتيجة بلغة محايدة، دون أن يتحمل عبء معناها الإنساني.
والممرضة، رغم حضورها الإنساني ولمستها الحنونة، لا تكسر بنية السلطة. حنانها لا يغيّر القرار، بل يلطّف إجراءه، أما المرضى الآخرون، فلا يعملون كمرايا وجودية بقدر ما يظهرون كأمثلة قابلة للاستبدال. كل جسد يمكن أن يحل محل الآخر، كل سرير ينتظر اسمًا جديدًا. الفردية تتلاشى، والجسد يتحول إلى رقم ضمن سلسلة.
الزمن المعلّق
زمن الرواية ليس زمن تطور أو تحول، بل زمن تعليق. لحظة الأزمة تتضخم وتبتلع ما عداها. الزمن هنا يُقاس بثقل الانتظار، ببطء عقارب الساعة، وبإيقاع الأجهزة. الراوي لا ينتظر الموت فحسب، بل ينتظر أن يعرف حقيقة ما يحدث له، المعرفة نفسها مؤجلة، ومن خلال الاسترجاع، ينفتح النص على الماضي، الطفولة، البيت، العلاقات، التفاصيل الحميمة. غير أن هذه الاستعادات لا تمنح استقرارًا، بل تظهر بوصفها مقاومة مؤقتة للعدم. الماضي يعود ليؤكد هشاشة الحاضر، ثم ينسحب فجأة أمام ثقل اللحظة الحرجة، هكذا تتجسد جدلية الماضي والحاضر في وعي مهدد بالانطفاء.
توتر لغوي
تنهض الرواية على توتر لغوي واضح بين مستويين: لغة طبية تقريرية، دقيقة، باردة، ولغة ذاتية شعرية، متعثرة، تحاول تسمية الألم. اللغة الأولى تُحوّل الجسد إلى ملف، إلى حالة، إلى أرقام. اللغة الثانية تحاول استعادته كخبرة إنسانية، كألم له اسم وذاكرة، والصراع الحقيقي في النص ليس بين الحياة والموت، بل بين من يملك حق التسمية، المفارقة أن اللغة الأضعف، لغة الهذيان، هي الأقدر على منح المعنى. فحين تعجز اللغة العلمية عن تفسير التجربة، تتقدم اللغة المرتبكة لتقول ما لا يمكن قياسه.
ولا يستدعي النص البعد الإلهي بوصفه ملاذًا روحانيًا، بل يكشف كيف يتحول الغيب إلى غطاء لغوي للعجز، فحين يعجز الطب عن الحسم، يُستدعى القدر، ليس بوصفه إيمانًا عميقًا، بل بوصفه مخرجًا. هكذا يتم توظيف الإيمان داخل الرواية بوصفه جزءًا من منظومة إدارة الجسد، لا نقيضًا لها،
العناية التي تبدأ طبية، تنتهي إلهية، وبينهما يضيع الإنسان، لأن استخدامه هنا يُفرغه من بعده الأخلاقي والروحي، ويحوّله إلى أداة تعليق للمساءلة.
القارئ داخل الغرفة
تنجح الرواية في إدخال القارئ إلى التجربة، ليس بوصفه متفرجًا، بل بوصفه مهددًا. فغرفة العناية ليست استثناءً دراميًا، بل احتمالًا معاصرًا. ما يحدث للراوي يمكن أن يحدث لأي جسد، في أي لحظة. بهذا المعنى، يتحول الألم الفردي إلى سؤال جماعي،
من يملك الجسد؟
وأخيرا فإن عامر سنبل في رواية "أحداث غرفة العناية الإلهية" يضع الإنسان في مواجهة سؤال بسيط ومقلق معا، حين يضعف الجسد، من يملكه؟ وفي هذه المساءلة تكمن قوة الرواية وجِدّتها، إذ لا تقدم إجابة جاهزة، بل تترك القارئ معلقًا داخل الغرفة، يراقب هشاشته، ويتأمل مصيره، ويدرك أن السيادة على الجسد ليست مسألة بيولوجية فحسب، بل قضية إنسانية في الأساس.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...