مجلس سلام جديد أم إدارة للصراع خارج الشرعية الدولية؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تستعد واشنطن لاستضافة أول اجتماع لما يُعرف بـ«مجلس السلام الخاص بغزة» في التاسع عشر من شباط الجاري، يسبقه لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض. ويأتي هذا التطور في لحظة سياسية دقيقة، تتقاطع فيها مساعي تثبيت وقف إطلاق النار مع محاولات رسم ملامح «اليوم التالي» للحرب على غزة، وسط تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا المجلس وأهدافه الحقيقية.
فمن حيث المعلن، يُقدَّم مجلس السلام بوصفه إطارًا سياسيًا لدفع تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وحشد الدعم الدولي لإعادة إعمار قطاع غزة، والإشراف على مرحلة حكم مؤقت. غير أن القراءة المتأنية تشير إلى أن المسألة تتجاوز الجوانب الإنسانية، لتلامس إعادة تشكيل آلية إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي خارج الأطر الدولية التقليدية.
مجلس موازٍ للأمم المتحدة؟
يثير إنشاء مجلس سلام جديد، تقوده واشنطن، تساؤلات جوهرية حول موقع الأمم المتحدة ومرجعيات الشرعية الدولية. فالقضية الفلسطينية، كما هو معلوم، تخضع لسلسلة طويلة من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، التي تؤكد على إنهاء الاحتلال وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
غير أن نقل ملف غزة إلى إطار سياسي جديد، بعيدًا عن الأمم المتحدة، قد يؤدي إلى إعادة تعريف مفهوم السلام ليصبح إدارة للأزمة بدل حلٍّ جذري لأسبابها. وهو ما يحمل مخاطر حقيقية بتهميش القانون الدولي، وتحويل الصراع من قضية سياسية وقانونية إلى ملف إنساني–إغاثي طويل الأمد.
دلالات مشاركة نتنياهو
في حال مشاركة بنيامين نتنياهو في اجتماع مجلس السلام، فإن ذلك يحمل دلالات سياسية لافتة. فبعد أشهر من الحرب على غزة، وما رافقها من اتهامات دولية واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، فإن ظهور نتنياهو في إطار يحمل عنوان «السلام» يشكل محاولة لإعادة تعويمه سياسيًا على الساحة الدولية.
كما أن مشاركة نتنياهو في اجتماع يضم قادة عربًا ومسلمين، إن تمت، ستكون الأولى منذ بدء الحرب، ما يفتح الباب أمام كسر العزلة السياسية الإقليمية التي واجهتها إسرائيل، واختبار مدى استعداد بعض الأطراف العربية للانتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الانخراط العملي، تحت عناوين إعادة الإعمار والاستقرار.
غزة كنقطة اختبار إقليمية
لا يمكن فصل مجلس السلام عن رؤية أميركية أوسع للتعامل مع النزاعات في الشرق الأوسط، تقوم على إدارة الأزمات بدل حلها. ففي هذا السياق، تتحول غزة إلى نموذج تجريبي للحكم المؤقت والإدارة الدولية–الإقليمية، بعيدًا عن أي دور سيادي فلسطيني واضح.
ويخشى أن يؤدي هذا النموذج إلى: فرض مفهوم «السلام الاقتصادي» بدل الحل السياسي. وربط إعادة الإعمار بشروط أمنية وسياسية. وتجاوز جوهر القضية الفلسطينية المتمثل في إنهاء الاحتلال.
الدور الأردني والبعد الإقليمي
بالنسبة للأردن، الذي يتمتع بدور تاريخي ومحوري في دعم القضية الفلسطينية، فإن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل غزة يجب أن تنطلق من مرجعيات الشرعية الدولية، وتحافظ على وحدة الأرض الفلسطينية، وترفض أي حلول جزئية أو مؤقتة تتحول إلى واقع دائم.
وقد أكد الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، مرارًا أن تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتم إلا عبر حل عادل وشامل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، ويمنع فرض وقائع جديدة بالقوة، أو تجاوز دور الأطراف الإقليمية الفاعلة تحت عناوين إنسانية.
إن مجلس السلام الخاص بغزة، كما يُطرح اليوم، يثير أكثر من علامة استفهام حول أهدافه وحدود دوره. فبينما تبدو الحاجة الإنسانية لإعادة إعمار غزة ملحّة، يبقى الخطر في أن تتحول هذه الحاجة إلى مدخل لإعادة إنتاج الصراع بصيغة جديدة، تفتقر إلى العدالة والاستدامة.
ويبقى السؤال المفتوح:
هل يكون هذا المجلس خطوة نحو سلام عادل يستند إلى القانون الدولي، أم مجرد إطار لإدارة الصراع خارج الشرعية الدولية؟
الإجابة ستتوقف على مدى التزام المجتمع الدولي، والدول العربية وفي مقدمتها الأردن، بالدفاع عن حل الدولتين، ورفض أي مسارات تنتقص من الحقوق الفلسطينية تحت مسمى «السلام».
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تستعد واشنطن لاستضافة أول اجتماع لما يُعرف بـ«مجلس السلام الخاص بغزة» في التاسع عشر من شباط الجاري، يسبقه لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض. ويأتي هذا التطور في لحظة سياسية دقيقة، تتقاطع فيها مساعي تثبيت وقف إطلاق النار مع محاولات رسم ملامح «اليوم التالي» للحرب على غزة، وسط تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا المجلس وأهدافه الحقيقية.
فمن حيث المعلن، يُقدَّم مجلس السلام بوصفه إطارًا سياسيًا لدفع تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وحشد الدعم الدولي لإعادة إعمار قطاع غزة، والإشراف على مرحلة حكم مؤقت. غير أن القراءة المتأنية تشير إلى أن المسألة تتجاوز الجوانب الإنسانية، لتلامس إعادة تشكيل آلية إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي خارج الأطر الدولية التقليدية.
مجلس موازٍ للأمم المتحدة؟
يثير إنشاء مجلس سلام جديد، تقوده واشنطن، تساؤلات جوهرية حول موقع الأمم المتحدة ومرجعيات الشرعية الدولية. فالقضية الفلسطينية، كما هو معلوم، تخضع لسلسلة طويلة من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، التي تؤكد على إنهاء الاحتلال وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
غير أن نقل ملف غزة إلى إطار سياسي جديد، بعيدًا عن الأمم المتحدة، قد يؤدي إلى إعادة تعريف مفهوم السلام ليصبح إدارة للأزمة بدل حلٍّ جذري لأسبابها. وهو ما يحمل مخاطر حقيقية بتهميش القانون الدولي، وتحويل الصراع من قضية سياسية وقانونية إلى ملف إنساني–إغاثي طويل الأمد.
دلالات مشاركة نتنياهو
في حال مشاركة بنيامين نتنياهو في اجتماع مجلس السلام، فإن ذلك يحمل دلالات سياسية لافتة. فبعد أشهر من الحرب على غزة، وما رافقها من اتهامات دولية واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، فإن ظهور نتنياهو في إطار يحمل عنوان «السلام» يشكل محاولة لإعادة تعويمه سياسيًا على الساحة الدولية.
كما أن مشاركة نتنياهو في اجتماع يضم قادة عربًا ومسلمين، إن تمت، ستكون الأولى منذ بدء الحرب، ما يفتح الباب أمام كسر العزلة السياسية الإقليمية التي واجهتها إسرائيل، واختبار مدى استعداد بعض الأطراف العربية للانتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الانخراط العملي، تحت عناوين إعادة الإعمار والاستقرار.
غزة كنقطة اختبار إقليمية
لا يمكن فصل مجلس السلام عن رؤية أميركية أوسع للتعامل مع النزاعات في الشرق الأوسط، تقوم على إدارة الأزمات بدل حلها. ففي هذا السياق، تتحول غزة إلى نموذج تجريبي للحكم المؤقت والإدارة الدولية–الإقليمية، بعيدًا عن أي دور سيادي فلسطيني واضح.
ويخشى أن يؤدي هذا النموذج إلى: فرض مفهوم «السلام الاقتصادي» بدل الحل السياسي. وربط إعادة الإعمار بشروط أمنية وسياسية. وتجاوز جوهر القضية الفلسطينية المتمثل في إنهاء الاحتلال.
الدور الأردني والبعد الإقليمي
بالنسبة للأردن، الذي يتمتع بدور تاريخي ومحوري في دعم القضية الفلسطينية، فإن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل غزة يجب أن تنطلق من مرجعيات الشرعية الدولية، وتحافظ على وحدة الأرض الفلسطينية، وترفض أي حلول جزئية أو مؤقتة تتحول إلى واقع دائم.
وقد أكد الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، مرارًا أن تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتم إلا عبر حل عادل وشامل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، ويمنع فرض وقائع جديدة بالقوة، أو تجاوز دور الأطراف الإقليمية الفاعلة تحت عناوين إنسانية.
إن مجلس السلام الخاص بغزة، كما يُطرح اليوم، يثير أكثر من علامة استفهام حول أهدافه وحدود دوره. فبينما تبدو الحاجة الإنسانية لإعادة إعمار غزة ملحّة، يبقى الخطر في أن تتحول هذه الحاجة إلى مدخل لإعادة إنتاج الصراع بصيغة جديدة، تفتقر إلى العدالة والاستدامة.
ويبقى السؤال المفتوح:
هل يكون هذا المجلس خطوة نحو سلام عادل يستند إلى القانون الدولي، أم مجرد إطار لإدارة الصراع خارج الشرعية الدولية؟
الإجابة ستتوقف على مدى التزام المجتمع الدولي، والدول العربية وفي مقدمتها الأردن، بالدفاع عن حل الدولتين، ورفض أي مسارات تنتقص من الحقوق الفلسطينية تحت مسمى «السلام».