#في الوقت الذي تقرأ فيه أنت هذا النص، بعين اعتادت الحروف واستأنست المعنى، هناك في رقعة ما من هذا الكوكب من لا تزال الحروف أمامه طلاسم صامتة، أشكالا سوداء على بياض قاس، يتهجاها كما يتهجّى الغريب خرائط مدينة لا يعرف شوارعها، يتلمس الصوت دون أن يبلغ الدلالة، يردد اللفظ دون أن يعبر عتبة الفهم، كأن اللغة عنده جدار لا نافذة، وكأن المعرفة امتياز جغرافي لا حق إنساني...
في الوقت الذي تشعر فيه الآن براحة في يوم عطلة ، وربما بابتسامة صغيرة لا تنتبه لها، هناك شخص آخر يشبهك في الملامح الإنسانية، في عدد النبضات، في هشاشة الجسد، يجلس في زاوية ضيقة من العالم وقلبه مثقل بثقل لا يُحتمل، حزن يتكثف داخله حتى يكاد يتحول إلى مادة، حزن لا يجد لغة كافية لوصفه، لأن اللغة نفسها أحيانا تعجز عن احتواء الفقد...
في الوقت الذي تنتظر فيه مولودا، تراقب الأيام كما تُراقَب الساعات الرملية، تعدّ الأسابيع بشغف، وتعيد ترتيب الغرفة وتختبر فكرة الاسم، هناك في مكان آخر من يعدّ الثواني ببرود قاتل، ينتظر خروج روح عزيزة، يراقب الصدر وهو يعلو ويهبط، يخشى الصمت الذي يلي النفس الأخير، يعرف أن الزمن قادر على أن يكون قابلة للحياة كما هو قادر على أن يكون شاهِدَ موت...
في اللحظة نفسها التي يولد فيها شخص، يُعلن جسده الصغير بداية سردية جديدة، يُفتح له سجل في الوجود، يُكتب اسمه في دفاتر الحياة، يموت آخر في نقطة أخرى من العالم، تُغلق قصته دون استئذان، تُطوى صفحته الأخيرة بسرعة مذهلة، كأن الوجود يوازن حساباته دون أن يسأل أحدا عن رأيه...
في اللحظة التي تفتح فيها نافذة هاتفك لتتصفح أخبارا وصورا، هناك من يفتح نافذة حقيقية على شارع مهدم، يتفقد الركام بحثا عن أثر حياة، عن بقايا يوم كان عاديا قبل أن يتحول إلى ذاكرة محروقة، في عالم تتفاوت فيه سرعة وصول المعلومة وسرعة وصول الإسعاف...
في الوقت الذي تخطط فيه لسفر قادم، تراجع التواريخ وتختار المقاعد، هناك من يفكر في الهجرة كنجاة لا خيارا، عبورا لا رغبة، هروبا من جغرافيا ضاقت حتى اختنق فيها الحلم، حيث يتحول الوطن إلى سؤال مؤلم لا إجابة له....
في اللحظة التي تشكو فيها من تعب يوم طويل، هناك من لم يعرف معنى اليوم المنتظم أصلا، يعيش في زمن متشظ، لا صباح ثابت ولا مساء آمن، زمن تحكمه الصدفة ويعيد إنتاج القلق، كأن الاستقرار امتياز يُوزّع بغير عدالة....
العالم، في عمقه البنيوي، يقوم على هذه الازدواجيات الثقيلة، على تنافرات لا تُحلّ، على مفارقات تصنع نسيجه الخفي، حيث تتجاور الوفرة والحرمان، المعرفة والجهل، الاحتفال والحداد، في شبكة معقدة من العلّيات الاجتماعية والاقتصادية والأنطولوجية، شبكة تُظهر أن المعاناة ليست استثناء، وأن السعادة ليست قاعدة، هي حالات عابرة في نظام كوني غير متكافئ....
وكأن ما كتبه دوستويفسكي في "الإخوة كارامازوف" عن الألم الإنساني يتسلل هنا بهدوء، فكرة أن الإنسان كائن يقاس بقدرته على الاحتمال بقدر ما يقاس بقدرته على الفرح، وأن الوجود لا يُمنح لنا في صورة متجانسة، بل في صورة شروخ متجاورة...
لهذا، حين تتأمل هذه التناقضات الضخمة، حين تدرك أن العالم لا يعمل وفق ميزان متساو ولا وفق سردية واحدة، يصبح الحزن على الأشياء التافهة عبئا إضافيا لا ضرورة له، يصبح الغضب على ما لا يستحق نوعا من إساءة استخدام الطاقة الداخلية، فالعالم أكبر من خيبة صغيرة، وأقسى من زلة عابرة، وأوسع من أن يُختزل في خسارة مؤقتة...
لا لأن الألم غير مهم، انما لأن الوعي بتشظي العالم يمنحك مسافة، لأن إدراك أن الحياة تُكتب في آن واحد بالحبر والدم، بالضحك والبكاء، يجعلك أقل تعلقا بما يستهلكك دون مقابل، فالعالم، في جوهره، مجموعة تناقضات هائلة، ومن الحكمة أن تمر بينها بقلب يقظ، وخفة داخلية، دون أن تمنح كل تفصيل عابر سلطة كسر روحك...
في الوقت الذي تشعر فيه الآن براحة في يوم عطلة ، وربما بابتسامة صغيرة لا تنتبه لها، هناك شخص آخر يشبهك في الملامح الإنسانية، في عدد النبضات، في هشاشة الجسد، يجلس في زاوية ضيقة من العالم وقلبه مثقل بثقل لا يُحتمل، حزن يتكثف داخله حتى يكاد يتحول إلى مادة، حزن لا يجد لغة كافية لوصفه، لأن اللغة نفسها أحيانا تعجز عن احتواء الفقد...
في الوقت الذي تنتظر فيه مولودا، تراقب الأيام كما تُراقَب الساعات الرملية، تعدّ الأسابيع بشغف، وتعيد ترتيب الغرفة وتختبر فكرة الاسم، هناك في مكان آخر من يعدّ الثواني ببرود قاتل، ينتظر خروج روح عزيزة، يراقب الصدر وهو يعلو ويهبط، يخشى الصمت الذي يلي النفس الأخير، يعرف أن الزمن قادر على أن يكون قابلة للحياة كما هو قادر على أن يكون شاهِدَ موت...
في اللحظة نفسها التي يولد فيها شخص، يُعلن جسده الصغير بداية سردية جديدة، يُفتح له سجل في الوجود، يُكتب اسمه في دفاتر الحياة، يموت آخر في نقطة أخرى من العالم، تُغلق قصته دون استئذان، تُطوى صفحته الأخيرة بسرعة مذهلة، كأن الوجود يوازن حساباته دون أن يسأل أحدا عن رأيه...
في اللحظة التي تفتح فيها نافذة هاتفك لتتصفح أخبارا وصورا، هناك من يفتح نافذة حقيقية على شارع مهدم، يتفقد الركام بحثا عن أثر حياة، عن بقايا يوم كان عاديا قبل أن يتحول إلى ذاكرة محروقة، في عالم تتفاوت فيه سرعة وصول المعلومة وسرعة وصول الإسعاف...
في الوقت الذي تخطط فيه لسفر قادم، تراجع التواريخ وتختار المقاعد، هناك من يفكر في الهجرة كنجاة لا خيارا، عبورا لا رغبة، هروبا من جغرافيا ضاقت حتى اختنق فيها الحلم، حيث يتحول الوطن إلى سؤال مؤلم لا إجابة له....
في اللحظة التي تشكو فيها من تعب يوم طويل، هناك من لم يعرف معنى اليوم المنتظم أصلا، يعيش في زمن متشظ، لا صباح ثابت ولا مساء آمن، زمن تحكمه الصدفة ويعيد إنتاج القلق، كأن الاستقرار امتياز يُوزّع بغير عدالة....
العالم، في عمقه البنيوي، يقوم على هذه الازدواجيات الثقيلة، على تنافرات لا تُحلّ، على مفارقات تصنع نسيجه الخفي، حيث تتجاور الوفرة والحرمان، المعرفة والجهل، الاحتفال والحداد، في شبكة معقدة من العلّيات الاجتماعية والاقتصادية والأنطولوجية، شبكة تُظهر أن المعاناة ليست استثناء، وأن السعادة ليست قاعدة، هي حالات عابرة في نظام كوني غير متكافئ....
وكأن ما كتبه دوستويفسكي في "الإخوة كارامازوف" عن الألم الإنساني يتسلل هنا بهدوء، فكرة أن الإنسان كائن يقاس بقدرته على الاحتمال بقدر ما يقاس بقدرته على الفرح، وأن الوجود لا يُمنح لنا في صورة متجانسة، بل في صورة شروخ متجاورة...
لهذا، حين تتأمل هذه التناقضات الضخمة، حين تدرك أن العالم لا يعمل وفق ميزان متساو ولا وفق سردية واحدة، يصبح الحزن على الأشياء التافهة عبئا إضافيا لا ضرورة له، يصبح الغضب على ما لا يستحق نوعا من إساءة استخدام الطاقة الداخلية، فالعالم أكبر من خيبة صغيرة، وأقسى من زلة عابرة، وأوسع من أن يُختزل في خسارة مؤقتة...
لا لأن الألم غير مهم، انما لأن الوعي بتشظي العالم يمنحك مسافة، لأن إدراك أن الحياة تُكتب في آن واحد بالحبر والدم، بالضحك والبكاء، يجعلك أقل تعلقا بما يستهلكك دون مقابل، فالعالم، في جوهره، مجموعة تناقضات هائلة، ومن الحكمة أن تمر بينها بقلب يقظ، وخفة داخلية، دون أن تمنح كل تفصيل عابر سلطة كسر روحك...