بالامس الثامن من فبراير 2026
لم تُعلن إسرائيل “نوايا”.
أعلنت إجراءات.
ورقٌ يبدو إداريًا لمن يقرأه من بعيد، لكنه يمشي على قدمين سياديتين:
فتح باب تملّك الأرض،
فتح السجلات،
نقل مفاصل التخطيط والإنفاذ، وتوسيع اليد التي تُمسك بالمكان حتى داخل المساحات التي قيل لنا يومًا إنها “تحت إدارة فلسطينية”.
والأخطر أن الورق لم يأتِ وحده.
جاءت معه جملةٌ تُطفئ كل استعارة: احتفالٌ رسميّ بأن ما يجري ليس تحسينًا للحياة، بل دفنٌ لفكرة الدولة الفلسطينية.
حين يعلن صاحب القرار الهدف بلا مواربة، لا يعود لدينا ترف تفسير الأمر كخلاف تقني.
نحن أمام برنامج إلغاء يُكتب بمداد بارد… ثم يُنفَّذ بصمتٍ أشد برودة.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي لا يحبّه الوهم:
كيف يمكن لإنسان يرى هذه الحركة
—صلاحيات تُنقل، سجلات تُفتح، أرض تُباع، وتاريخ يُعاد ختمه—
ثم يقول بثقة: “نحن في طريق التحرّر”؟
ليس أخطر ما فعله الاحتلال أنه صادر الأرض.
الأخطر أنه نجح، مع الوقت، في إقناع بعض أصحابها أن ما يعيشونه خطوة نحو الاستقلال.
لا عبر دبابة فقط، بل عبر فكرة.
فكرة تقول: هذا “أفضل الممكن”.
فكرة تُقنعك أن الواقعية تعني التكيّف، وأن السؤال عن التحرّر الكامل ترفٌ مؤجَّل، أو حنينٌ غير عملي، أو تهديدٌ لما يسمّونه “الاستقرار”.
في هذا المناخ، لا تُبنى القناعة بالحجج، بل بالتعوّد.
التعوّد يبدّل معنى الكلمات قبل أن يبدّل الخرائط:
الاحتلال يصبح “تنظيمًا للحياة”،
والمرحلة الانتقالية تتحول إلى وضعٍ دائم،
والاستثناء يُرفع إلى مرتبة القاعدة،
حتى يبدو السؤال عن السيادة سؤالًا غير مناسب… أو غير مسؤول.
ثم تأتي الوقائع—لا كقائمة اتهام—
بل كمشاهد تمرّ أمام القارئ مثل قطارات قصيرة، كل واحد منها يحمل المعنى وحده، ويترك أثره وحده:
معبرٌ لا تملكه.
هويةٌ لا تكتمل إلا من جهةٍ أخرى.
حركةٌ داخل وطنٍ تحتاج إذنًا أو تُهدَّد بالحاجز والبوابة والإغلاق.
بيتٌ يُهدم لأن “الرخصة” ليست في يد صاحبه.
ماءٌ وكهرباءٌ واقتصادٌ يدور في مدارٍ ليس مدارك.
ومدينةٌ مقدسة تُستكمل عليها هندسة السيادة حجرًا حجرًا، ثم يُطلب منك أن تتكيّف مع “الواقع”.
هنا لا نتحدث عن فشل دولة.
نحن أمام غياب دولة من الأساس.
ومن داخل هذا الغياب،
وُلدت بنية اسمها “سلطة”.
لم تُبنَ لتكون سيادة، بل لتكون إدارة: وسيطًا بين احتلالٍ يريد أن يقلّل كلفة احتلاله، وشعبٍ مُنهك يحتاج من ينظّم يومه.
هكذا لم ينسحب الاحتلال…
بل أعاد توزيع أعبائه.
جعل الفلسطيني يدير تفاصيل حياته تحت سقفٍ إسرائيلي، ويدفع ثمن القمع من يومه وكرامته.
احتلالٌ لا يدفع ثمن احتلاله…
لأن الضحية أُعطيت مهمة الإدارة.
والآن، إذا قرأت تلك الإجراءات في سياقها الحقيقي، ستفهم معناها بلا صراخ:
الضمّ لم يعد بحاجة إلى لافتة كبيرة.
الضمّ صار وظيفة يومية.
صلاحية تُنقل هنا،
وسجلٌّ يُفتح هناك،
ولجنةٌ تُبعث من جديد كي تُسهِّل شراء الأرض،
ومسار تخطيط يُسحب من يدٍ فلسطينية،
و“إنفاذ” يمتد إلى ملفات بيئية وأثرية وإدارية داخل مناطق يُقال عنها إنها ليست تحت يد الاحتلال.
تفاصيل تبدو صغيرة حين تُفصل…
لكنها حين تُجمع تصير جملة واحدة:
السيادة تتحرك باتجاه واحد.
وكي لا يُقال إن الأمر مجرد قرار حكومي عابر، هناك ما يسبقه وما يشرحه:
مشاريع قوانين تُمرَّر قراءةً أولى، ثم تُواجه بالاعتراض، ثم يهدأ الضجيج، ثم تعود في هيئة “إجراء” أو “ترتيب” أو “صلاحية”.
هذه ليست صدفة. هذه ماكينة.
ووراء الماكينة نموذجٌ قديم علّم الاحتلال كيف يكسب الزمن: القدس.
قوانين تُسنّ، واعتراضات تُرفع، وقرارات دولية تُكتب بلهجة صارمة، ثم يمضي الوقت، ويصبح الاعتراض موقفًا أخلاقيًا بلا أثر تنفيذي كافٍ، بينما يواصل الاحتلال البناء فوق قانونه حجرًا حجرًا… حتى يصير “الباطل” واقعًا، ويُطلب من الضحية أن تتعامل معه كأنه قدر.
هكذا يصنع الاحتلال ما يشبه القدر:
قانونٌ يُعلَن.
اعتراضٌ يُسجَّل.
زمنٌ يمرّ.
وواقعٌ يُطبَّع.
في هذه اللحظة، ماذا تقول القيادة الفلسطينية عادة؟
سنذهب إلى الجامعة العربية.
إلى الأمم المتحدة.
إلى الاتحاد الأوروبي.
إلى الأمريكيين.
وهنا نصل إلى قلب الوهم الذي لم يعد يكفي أن نلمسه، بل يجب أن نفككه.
ليس العيب في الذهاب إلى المؤسسات.
العيب أن يصبح هذا الذهاب بديلًا عن السياسة.
أن تتحول الشكوى إلى استراتيجية دائمة: طقسٌ متكرر يخفف ألم اللحظة لكنه لا يغيّر ميزانها.
يُقال لنا إن ما يفعله الاحتلال “باطل” وفق القانون الدولي—ثم يُطلب منا عمليًا أن ننحني لهذا الباطل لأنه “واقع سياسي”.
يدينون الاستيطان… ثم يطالبون الفلسطيني بالهدوء.
يرفضون الضم… ثم يضغطون كي لا يكون ردّك إلا ضمن حدودٍ لا تؤلم المشروع الذي يرفضونه على الورق.
هكذا تتحول كلمة “باطل” إلى مخدّر أخلاقي: تُطمئن الضمير… ولا تُوقف الجرافة.
وفي المقابل، الاحتلال لا يضيّع الوقت في التجميل.
هو يشرّع ويُدير ويُنفّذ، ثم يترك لك مهمة تفسير ذلك على أنه “مرحلة”، بينما يقول بعض قادته علنًا إن الهدف هو إغلاق باب الدولة الفلسطينية نهائيًا.
وهنا تظهر خديعة الذات بأوضح صورة:
حين تُقدَّم التحركات الرسمية للناس بوصفها “مسارًا سياسيًا”، بينما هي—في جوهرها—إعادة تدوير لمسارٍ قديم لم يوقف الاستيطان ولم يمنع الضم الزاحف، تصبح النية الحسنة خديعة موضوعية.
لا لأن أحدًا يريد خداع الناس، بل لأن البنية نفسها أسيرة سقفٍ لا تستطيع كسره، فتستبدل الفعل بالبيان، وتستبدل الكلفة بالشكوى، وتستبدل السياسة بإدارة انتظار.
ومن هنا نصل إلى النقطة التي تصنع كل شيء: الحامل السياسي.
لم يبدأ هذا المسار في السابع من أكتوبر.
السابع من أكتوبر وحرب غزة كانا لحظة كسر، لا لحظة بداية.
اصطدامًا بين واقعٍ كان يتراكم بصمت، وبين لحظةٍ فجّرت ما حاولنا تأجيل رؤيته: أن إدارة النزاع لا تحمي شعبًا، وأن القانون بلا حامل سياسي لا يوقف جريمة، وأن الغياب التمثيلي يجعل الناس مكشوفين بين احتلال لا يتردد ونظام دولي يكتفي بالمشاهدة المنضبطة.
لكن الطريق إلى هذه اللحظة بدأ قبل ذلك، يوم جرى تحويل نهج النضال إلى نهج تفاوض، لا بوصف التفاوض أداة ضمن استراتيجية تحرر، بل بوصفه الاستراتيجية نفسها—حتى بعد أن سقطت أسس هذا التفاوض على الأرض.
ومن داخل هذا الاستمرار، نما الفراغ: انقسام، تآكل تمثيل، غياب برنامج جامع، ثم تَعوُّد على أن تكون الشكوى هي السياسة.
الحامل السياسي ليس حزبًا ولا فصيلًا ولا حكومة.
الحامل السياسي هو إطار تمثيلي جامع، تعريف واضح للصراع بوصفه تحررًا لا “إدارة نزاع”، شرعية شعبية، وبرنامج اشتباك سياسي وقانوني واقتصادي وثقافي يحوّل القانون الدولي من نصّ إلى أداة، ويحوّل الإدانة إلى كلفة، ويعيد ربط غزة والضفة والقدس والشتات في سردية واحدة لا تتجزأ.
من دون هذا الحامل، تصبح الشكوى دورةً كاملة بلا مخرج:
إسرائيل تُقنّن، العالم يدين، السلطة تشكو… والشعب يدفع الثمن.
وفي هذا المناخ، يصبح التهجير سياسةً لا تحتاج إلى مكبر صوت.
تهجيرٌ مبرمج عبر تآكل شروط البقاء:
هدمٌ بحجة الترخيص،
تضييقٌ بحجة الأمن،
إغلاقٌ بحجة التنظيم،
خنقٌ اقتصادي بحجة العجز،
ثم يُقال لك: الناس ترحل لأنها “تبحث عن حياة”.
كأن الرحيل خيار طبيعي… لا نتيجة هندسة.
وتأخذ “الإبادة الصامتة” معناها الأكثر قسوة:
ليست فقط في عدد القتلى،
بل في تفكيك شروط الحياة نفسها،
في تحويل اليومي إلى معركة استنزاف،
وفي جعل الوجود عبئًا على صاحبه، حتى يبدو البقاء فعل مقاومة فردي بلا أفق جماعي.
هنا تتضح العلاقة التي حاول الوهم إخفاءها:
حين تغيب القيادة الجامعة، يتقدّم القانون الاستيطاني بلا رادع.
وحين تتحول الشكوى إلى سياسة، يصبح الضم “تفصيلًا إداريًا”، والتهجير “تداعيًا”، والإبادة “سوء تقدير”.
ليس لأن العالم لا يعرف، بل لأن لا أحد يُجبره على أن يتوقف.
ولا أكتب هذا كي أُهين من صدّق الوهم.
الفلسطيني ليس غبيًا.
لكنه أُنهِك طويلًا.
والإنهاك الطويل يصنع منطقًا خاصًا به: الخوف من الفراغ، الخوف من المجهول، الخلط بين الاستقرار والتحرر.
وحين يتعب الناس من الحلم، يصبح القفص بيتًا، ويُنظر إلى من يذكّر بالحرية كأنه مخرّب للطمأنينة.
لكن الحقيقة تملك صبرًا لا يملكه الوهم.
الوهم يعيش ما دام يمنح نومًا مؤقتًا.
أما الحقيقة فتبقى، حتى لو تأخرت، لأنها لا تحتاج إلى تصفيق كي تكون.
الخلاصة موجعة وواضحة:
من أوسلو حين صار التفاوض نهجًا بلا أسس،
إلى الانقسام الذي عطّل التمثيل،
إلى الشكوى التي حلّت محل السياسة،
إلى ضمٍّ زاحفٍ يُقنَّن خطوة خطوة،
إلى تهجيرٍ مبرمجٍ وإبادةٍ صامتة—
نرى خيطًا واحدًا: فراغ الحامل الوطني.
ليس الاحتلال هو الذي اخترع هذا الفراغ، لكنه تعلّم كيف يستثمره.
وليس الغرب هو الذي صاغ الوهم وحده، لكنه أتقن إدارته: يُدين نظريًا، ويضغط عمليًا، ويطالبك بالانحناء لخطواتٍ يقول عنها إنها “باطلة”.
والسابع من أكتوبر وحرب غزة لم يكونا بداية المسار… بل كشفه.
كشفا أن إدارة النزاع لا تحمي شعبًا، وأن القانون بلا حامل سياسي لا يوقف جريمة، وأن الانتظار سياسة تُهزم كل يوم.
إما أن نعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي
—أداة تحرر لا طقس احتجاج—
وإما أن نواصل تسمية التراجع “واقعية”، حتى لا يبقى من فلسطين إلا ملفٌ مُدان…
وواقعٌ يُطلب منا التكيّف معه.
هذه هي اللحظة.
ليس لأن الاحتلال اشتدّ.
بل لأن الوهم انتهى.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
9/2/2026
لم تُعلن إسرائيل “نوايا”.
أعلنت إجراءات.
ورقٌ يبدو إداريًا لمن يقرأه من بعيد، لكنه يمشي على قدمين سياديتين:
فتح باب تملّك الأرض،
فتح السجلات،
نقل مفاصل التخطيط والإنفاذ، وتوسيع اليد التي تُمسك بالمكان حتى داخل المساحات التي قيل لنا يومًا إنها “تحت إدارة فلسطينية”.
والأخطر أن الورق لم يأتِ وحده.
جاءت معه جملةٌ تُطفئ كل استعارة: احتفالٌ رسميّ بأن ما يجري ليس تحسينًا للحياة، بل دفنٌ لفكرة الدولة الفلسطينية.
حين يعلن صاحب القرار الهدف بلا مواربة، لا يعود لدينا ترف تفسير الأمر كخلاف تقني.
نحن أمام برنامج إلغاء يُكتب بمداد بارد… ثم يُنفَّذ بصمتٍ أشد برودة.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي لا يحبّه الوهم:
كيف يمكن لإنسان يرى هذه الحركة
—صلاحيات تُنقل، سجلات تُفتح، أرض تُباع، وتاريخ يُعاد ختمه—
ثم يقول بثقة: “نحن في طريق التحرّر”؟
ليس أخطر ما فعله الاحتلال أنه صادر الأرض.
الأخطر أنه نجح، مع الوقت، في إقناع بعض أصحابها أن ما يعيشونه خطوة نحو الاستقلال.
لا عبر دبابة فقط، بل عبر فكرة.
فكرة تقول: هذا “أفضل الممكن”.
فكرة تُقنعك أن الواقعية تعني التكيّف، وأن السؤال عن التحرّر الكامل ترفٌ مؤجَّل، أو حنينٌ غير عملي، أو تهديدٌ لما يسمّونه “الاستقرار”.
في هذا المناخ، لا تُبنى القناعة بالحجج، بل بالتعوّد.
التعوّد يبدّل معنى الكلمات قبل أن يبدّل الخرائط:
الاحتلال يصبح “تنظيمًا للحياة”،
والمرحلة الانتقالية تتحول إلى وضعٍ دائم،
والاستثناء يُرفع إلى مرتبة القاعدة،
حتى يبدو السؤال عن السيادة سؤالًا غير مناسب… أو غير مسؤول.
ثم تأتي الوقائع—لا كقائمة اتهام—
بل كمشاهد تمرّ أمام القارئ مثل قطارات قصيرة، كل واحد منها يحمل المعنى وحده، ويترك أثره وحده:
معبرٌ لا تملكه.
هويةٌ لا تكتمل إلا من جهةٍ أخرى.
حركةٌ داخل وطنٍ تحتاج إذنًا أو تُهدَّد بالحاجز والبوابة والإغلاق.
بيتٌ يُهدم لأن “الرخصة” ليست في يد صاحبه.
ماءٌ وكهرباءٌ واقتصادٌ يدور في مدارٍ ليس مدارك.
ومدينةٌ مقدسة تُستكمل عليها هندسة السيادة حجرًا حجرًا، ثم يُطلب منك أن تتكيّف مع “الواقع”.
هنا لا نتحدث عن فشل دولة.
نحن أمام غياب دولة من الأساس.
ومن داخل هذا الغياب،
وُلدت بنية اسمها “سلطة”.
لم تُبنَ لتكون سيادة، بل لتكون إدارة: وسيطًا بين احتلالٍ يريد أن يقلّل كلفة احتلاله، وشعبٍ مُنهك يحتاج من ينظّم يومه.
هكذا لم ينسحب الاحتلال…
بل أعاد توزيع أعبائه.
جعل الفلسطيني يدير تفاصيل حياته تحت سقفٍ إسرائيلي، ويدفع ثمن القمع من يومه وكرامته.
احتلالٌ لا يدفع ثمن احتلاله…
لأن الضحية أُعطيت مهمة الإدارة.
والآن، إذا قرأت تلك الإجراءات في سياقها الحقيقي، ستفهم معناها بلا صراخ:
الضمّ لم يعد بحاجة إلى لافتة كبيرة.
الضمّ صار وظيفة يومية.
صلاحية تُنقل هنا،
وسجلٌّ يُفتح هناك،
ولجنةٌ تُبعث من جديد كي تُسهِّل شراء الأرض،
ومسار تخطيط يُسحب من يدٍ فلسطينية،
و“إنفاذ” يمتد إلى ملفات بيئية وأثرية وإدارية داخل مناطق يُقال عنها إنها ليست تحت يد الاحتلال.
تفاصيل تبدو صغيرة حين تُفصل…
لكنها حين تُجمع تصير جملة واحدة:
السيادة تتحرك باتجاه واحد.
وكي لا يُقال إن الأمر مجرد قرار حكومي عابر، هناك ما يسبقه وما يشرحه:
مشاريع قوانين تُمرَّر قراءةً أولى، ثم تُواجه بالاعتراض، ثم يهدأ الضجيج، ثم تعود في هيئة “إجراء” أو “ترتيب” أو “صلاحية”.
هذه ليست صدفة. هذه ماكينة.
ووراء الماكينة نموذجٌ قديم علّم الاحتلال كيف يكسب الزمن: القدس.
قوانين تُسنّ، واعتراضات تُرفع، وقرارات دولية تُكتب بلهجة صارمة، ثم يمضي الوقت، ويصبح الاعتراض موقفًا أخلاقيًا بلا أثر تنفيذي كافٍ، بينما يواصل الاحتلال البناء فوق قانونه حجرًا حجرًا… حتى يصير “الباطل” واقعًا، ويُطلب من الضحية أن تتعامل معه كأنه قدر.
هكذا يصنع الاحتلال ما يشبه القدر:
قانونٌ يُعلَن.
اعتراضٌ يُسجَّل.
زمنٌ يمرّ.
وواقعٌ يُطبَّع.
في هذه اللحظة، ماذا تقول القيادة الفلسطينية عادة؟
سنذهب إلى الجامعة العربية.
إلى الأمم المتحدة.
إلى الاتحاد الأوروبي.
إلى الأمريكيين.
وهنا نصل إلى قلب الوهم الذي لم يعد يكفي أن نلمسه، بل يجب أن نفككه.
ليس العيب في الذهاب إلى المؤسسات.
العيب أن يصبح هذا الذهاب بديلًا عن السياسة.
أن تتحول الشكوى إلى استراتيجية دائمة: طقسٌ متكرر يخفف ألم اللحظة لكنه لا يغيّر ميزانها.
يُقال لنا إن ما يفعله الاحتلال “باطل” وفق القانون الدولي—ثم يُطلب منا عمليًا أن ننحني لهذا الباطل لأنه “واقع سياسي”.
يدينون الاستيطان… ثم يطالبون الفلسطيني بالهدوء.
يرفضون الضم… ثم يضغطون كي لا يكون ردّك إلا ضمن حدودٍ لا تؤلم المشروع الذي يرفضونه على الورق.
هكذا تتحول كلمة “باطل” إلى مخدّر أخلاقي: تُطمئن الضمير… ولا تُوقف الجرافة.
وفي المقابل، الاحتلال لا يضيّع الوقت في التجميل.
هو يشرّع ويُدير ويُنفّذ، ثم يترك لك مهمة تفسير ذلك على أنه “مرحلة”، بينما يقول بعض قادته علنًا إن الهدف هو إغلاق باب الدولة الفلسطينية نهائيًا.
وهنا تظهر خديعة الذات بأوضح صورة:
حين تُقدَّم التحركات الرسمية للناس بوصفها “مسارًا سياسيًا”، بينما هي—في جوهرها—إعادة تدوير لمسارٍ قديم لم يوقف الاستيطان ولم يمنع الضم الزاحف، تصبح النية الحسنة خديعة موضوعية.
لا لأن أحدًا يريد خداع الناس، بل لأن البنية نفسها أسيرة سقفٍ لا تستطيع كسره، فتستبدل الفعل بالبيان، وتستبدل الكلفة بالشكوى، وتستبدل السياسة بإدارة انتظار.
ومن هنا نصل إلى النقطة التي تصنع كل شيء: الحامل السياسي.
لم يبدأ هذا المسار في السابع من أكتوبر.
السابع من أكتوبر وحرب غزة كانا لحظة كسر، لا لحظة بداية.
اصطدامًا بين واقعٍ كان يتراكم بصمت، وبين لحظةٍ فجّرت ما حاولنا تأجيل رؤيته: أن إدارة النزاع لا تحمي شعبًا، وأن القانون بلا حامل سياسي لا يوقف جريمة، وأن الغياب التمثيلي يجعل الناس مكشوفين بين احتلال لا يتردد ونظام دولي يكتفي بالمشاهدة المنضبطة.
لكن الطريق إلى هذه اللحظة بدأ قبل ذلك، يوم جرى تحويل نهج النضال إلى نهج تفاوض، لا بوصف التفاوض أداة ضمن استراتيجية تحرر، بل بوصفه الاستراتيجية نفسها—حتى بعد أن سقطت أسس هذا التفاوض على الأرض.
ومن داخل هذا الاستمرار، نما الفراغ: انقسام، تآكل تمثيل، غياب برنامج جامع، ثم تَعوُّد على أن تكون الشكوى هي السياسة.
الحامل السياسي ليس حزبًا ولا فصيلًا ولا حكومة.
الحامل السياسي هو إطار تمثيلي جامع، تعريف واضح للصراع بوصفه تحررًا لا “إدارة نزاع”، شرعية شعبية، وبرنامج اشتباك سياسي وقانوني واقتصادي وثقافي يحوّل القانون الدولي من نصّ إلى أداة، ويحوّل الإدانة إلى كلفة، ويعيد ربط غزة والضفة والقدس والشتات في سردية واحدة لا تتجزأ.
من دون هذا الحامل، تصبح الشكوى دورةً كاملة بلا مخرج:
إسرائيل تُقنّن، العالم يدين، السلطة تشكو… والشعب يدفع الثمن.
وفي هذا المناخ، يصبح التهجير سياسةً لا تحتاج إلى مكبر صوت.
تهجيرٌ مبرمج عبر تآكل شروط البقاء:
هدمٌ بحجة الترخيص،
تضييقٌ بحجة الأمن،
إغلاقٌ بحجة التنظيم،
خنقٌ اقتصادي بحجة العجز،
ثم يُقال لك: الناس ترحل لأنها “تبحث عن حياة”.
كأن الرحيل خيار طبيعي… لا نتيجة هندسة.
وتأخذ “الإبادة الصامتة” معناها الأكثر قسوة:
ليست فقط في عدد القتلى،
بل في تفكيك شروط الحياة نفسها،
في تحويل اليومي إلى معركة استنزاف،
وفي جعل الوجود عبئًا على صاحبه، حتى يبدو البقاء فعل مقاومة فردي بلا أفق جماعي.
هنا تتضح العلاقة التي حاول الوهم إخفاءها:
حين تغيب القيادة الجامعة، يتقدّم القانون الاستيطاني بلا رادع.
وحين تتحول الشكوى إلى سياسة، يصبح الضم “تفصيلًا إداريًا”، والتهجير “تداعيًا”، والإبادة “سوء تقدير”.
ليس لأن العالم لا يعرف، بل لأن لا أحد يُجبره على أن يتوقف.
ولا أكتب هذا كي أُهين من صدّق الوهم.
الفلسطيني ليس غبيًا.
لكنه أُنهِك طويلًا.
والإنهاك الطويل يصنع منطقًا خاصًا به: الخوف من الفراغ، الخوف من المجهول، الخلط بين الاستقرار والتحرر.
وحين يتعب الناس من الحلم، يصبح القفص بيتًا، ويُنظر إلى من يذكّر بالحرية كأنه مخرّب للطمأنينة.
لكن الحقيقة تملك صبرًا لا يملكه الوهم.
الوهم يعيش ما دام يمنح نومًا مؤقتًا.
أما الحقيقة فتبقى، حتى لو تأخرت، لأنها لا تحتاج إلى تصفيق كي تكون.
الخلاصة موجعة وواضحة:
من أوسلو حين صار التفاوض نهجًا بلا أسس،
إلى الانقسام الذي عطّل التمثيل،
إلى الشكوى التي حلّت محل السياسة،
إلى ضمٍّ زاحفٍ يُقنَّن خطوة خطوة،
إلى تهجيرٍ مبرمجٍ وإبادةٍ صامتة—
نرى خيطًا واحدًا: فراغ الحامل الوطني.
ليس الاحتلال هو الذي اخترع هذا الفراغ، لكنه تعلّم كيف يستثمره.
وليس الغرب هو الذي صاغ الوهم وحده، لكنه أتقن إدارته: يُدين نظريًا، ويضغط عمليًا، ويطالبك بالانحناء لخطواتٍ يقول عنها إنها “باطلة”.
والسابع من أكتوبر وحرب غزة لم يكونا بداية المسار… بل كشفه.
كشفا أن إدارة النزاع لا تحمي شعبًا، وأن القانون بلا حامل سياسي لا يوقف جريمة، وأن الانتظار سياسة تُهزم كل يوم.
إما أن نعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي
—أداة تحرر لا طقس احتجاج—
وإما أن نواصل تسمية التراجع “واقعية”، حتى لا يبقى من فلسطين إلا ملفٌ مُدان…
وواقعٌ يُطلب منا التكيّف معه.
هذه هي اللحظة.
ليس لأن الاحتلال اشتدّ.
بل لأن الوهم انتهى.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
9/2/2026