د. مصطفى أحمد علي - "تيتانيك"

"تيتانيك"، رائعة جيمس كاميرون، السفينة العملاقة تشق عباب الأطلسي في أولى رحلاتها الأسطورية في مطلع القرن العشرين والعالم لم يكد يستعيد أنفاسه ويفيق من وطأة فيكتوريا، الملكة التي وسمت عصرا بكامله وصارت عنوانا له. ثم يتبدد الحلم والتحدي المراد لهما إذ ذاك، أن يتمثلا في السفينة التي توجهها أقدارها إلى ما لم يكن في الحسبان، إلى الآيسبيرغ، جبل الجليد، فتتداعى السفينة، صفائح وألواحا وأثاثا، ثم يمضي المشهد إلى خاتمته الباردة الجامدة البيضاء المتسقة مع محيط الكارثة وآفاقه اللامتناهية...في هذا الخضم الملحمي الماسأوي، لم يشأ قائد الأوركسترا وهو في كامل هندامه وسمته ومزاجه الفيكتوري، أن يوقف فرقته عن العزف المتقن المتسق الراقي، أما أعضاء فرقته فقد تماهوا مع موسيقاهم الصادحة الحالمة حينا، الضاجة الصاخبة احيانا، تماهيا صرفهم بكل ما لديهم من حواس، عما يحيط بهم من أخطار ماحقة، حتى حلت الكارثة بهم وبغيرهم.
لشدما طرق ذهني هذا المشهد العجيب وجال بخاطري، وأنا أتابع من على البعد، ومنذ حين، جدالا لا ينقطع عن التمويل الأصغر والتمويل الأكبر وشح السيولة النقدية والتمويل العقاري...، بينما رائحة البمبان وأزيز القذائف والطلقات واللهب المنبعث من إطارات السيارات المشتعلة، ذلك كله يلهب أيام الخرطوم ويصرف الكرى عن ليالي ساكنيها، يسيل دموعهم، ويفطر أفئدتهم، ويغمر قلوبهم بالحزن المقيم.

الرباط، فبراير ٢٠١٩

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...