د. مصطفى أحمد علي

"تيتانيك"، رائعة جيمس كاميرون، السفينة العملاقة تشق عباب الأطلسي في أولى رحلاتها الأسطورية في مطلع القرن العشرين والعالم لم يكد يستعيد أنفاسه ويفيق من وطأة فيكتوريا، الملكة التي وسمت عصرا بكامله وصارت عنوانا له. ثم يتبدد الحلم والتحدي المراد لهما إذ ذاك، أن يتمثلا في السفينة التي توجهها أقدارها...
وللواجد المكروب من زفراته سكون عزاء أو سكون لغوب "أبو الطيب المتنبي" هذه معان كانت تجول بخاطري، وأنا في سماء المتوسط بين البيضاء والقاهرة، وقد أمضني الألم، واضطرب الذهن ، بحثا عن عزاء في الذكريات..معان وخواطر قيدتها في قصاصات، عثرت على بعض منها وأضعت أكثرها. (1) عهده بمراتع طفولته...
"الفاشر"، وتعني في السودان الأوسط، وإلى حدٍّ ما في سودان وادي النيل، مجلس الشورى. وفي ما وصل إلينا من وثائق وأخبار تاريخية، أن اللفظ كان معروفاً في سنار ودارفور وودّاي، بل وأبعد من ذلك، وكان يطلق على مجلس شورى السلطان، متى ما انعقد وأينما انعقد، بما يتناسب مع حال الدولة التي غلبت عليها البداوة...
كان شديد العناية بهندامه، واثقاً في خطواته، منعزلاً في مجلسه، يحيط به الغموض، لا يدري أحدٌ أين يسكن ويقيم في دوائر باريس العشرين، لكنه كان يغشى مقاهي معدودة قريبة من المدينة الجامعية، يلمّ فيها ببعض أخبار "عالمنا الثالث"، كما كان يطلق عليه، وكان غالباً ما يحمل صحفاً ومجلّات يسارية نحو...
سمعه يتحدث بلغة يعرفها. حنّ إلى تلك اللغة ورغب في ان يتعرف عليه ويحادثه. تجمعهما الغربة وتجمعهما الملامح. ما أكثر الصفات الخادعة التي تجمع بين الناس، حتى إذا ما ابتلوا بالحوادث وصروف الدهر، تبيّن لهم ما ينطوي عليه الأمر من خداع! دعاه شيتيل يوم أمس إلى دارهم بضاحية باراديس، المطلّة على بيرغن،...
"العيش" في المعجم الوسيط، الحياة وما تكون به الحياة من المطعم والمشرب والدخل، والعيش الخبز. ويقال عيش بني فلان اللبن، أي يعيشون عليه. وراق لي أن ازعم، دون تحقّق، أن الدكتور إبراهيم أنيس ورفاقه محرري المعجم الوسيط، وجلّهم من المصريين، أقحموا تعريفهم العيش بالخبز، دون رجوع إلى معاجم اللغة...
ممّا ألفناه في نظم المدرسة وتقاليدها المرعية، تسجيل أسماء الحاضرين والغائبين من التلاميذ في "دفتر الغياب"، كل صباح. تلك مهمة كان يُعهد بها، إلى جانب مهامّ اخرى أبرزها حفظ النظام، إلى "الألفة"، الذي "ينده" الأسماء، فيتبيّن له الحاضر من الغائب. وللنديهة ههنا، وظيفة إدارية، وتعني رفع الصوت بالنداء...
صيغ فوعل يفوعل، وفوعل يتفوعل، وفيها تُدرج الواو التي تسبقها ضمّةٌ ممالةٌ الى الفتح، بين فاء الفعل وعينه. وهي صيغة شائعة ومعروفة في دارجة السودان النيلي، وتأتي الأفعال منها غالباً في صيغة لازمة، وهي غالباً ما تنطوي على دلالات سلبية، وهي بذلك ممّا يدخل في باب تأثير البنية الصرفية في الحقل الدلالي،...
سافرنا أمس إلى "سيينّا " (تنطق مثل فيينّا)، مدينة صغيرة من القرون الوسطى. سافرنا بسيارة كارلو وتيتسيانا. الأودية تشق هضاب توسكانا الخضراء وتنحدر منها، ثم تلتقي في أسافلها في هيئة أخاديد عظيمة. ما أوفر الكروم والزيتون في هذه الهضاب! الخضرة هنا تعطي التاريخ والقدم معنى آخر. تلك السرمدية والأبدية و...
في عيادة صديقتنا الطبيبة (فاطمة المريني)، سليلة السلاطين من بني مرين، طلبت مني الممرضة ان"حلّ عينك"، ثم "سدّ عينك". ما يقابل العبارتين، في هذا السياق، في عربيات السودان: "فتِّح عينيك، وغمِّض عينيك"، أما سدّ، فيقترن استعمالها بالآلات، نحو الأبواب والآنية وغير ذلك. ومن مرادفات "سدّ يسدّ"...
من التعبيرات المأثورة، التي قلّ استعمالها بين أبناء هذا الجيل، في العامية السودانية، قولهم: "الصرمان تلفان"، ويقابله في الفصيح، قولهم: "صاحب الحاجة أرعن". وتعرف العامية السودانية، الصيغة الفعلية: اصطرم، يصطرم، بمعنى احتاج، كما تعرف الاسم: صرمة، بمعنى الحاجة، إلى جانب الصفة المشبهة: صرمان، بمعنى...
ممّا استقر ّفي الذاكرة حوار قصير في تسجيل قديم للراحل خليل إسماعيل، شرع فيه، في إنشاد "رميته: (هي النفس ما حمّلتها تتحمّل) واقتناص مقدمة لحن رائعته (الأماني العذبة) من بين أوتار عوده، ثمّ إن أحد الجلساء تجرّأ فطلب بحسن نية من بعض الحاضرين الكفّ عن الكلام المباح والاستماع إلى الغناء، وكانت...
الكلمات التي تعبر عن مدلولات ممنوع الاقتراب منها( بسبب التقديس، أو الغيرة أو المهابة أو الاستبشاع أو الحرج أو الحياء أو نحو ذلك..)، يصيبها البلى وتفقد نضارتها، وتستبدل بها أخرى جديدة ذات رونق نسبي، سرعان ما يخبو، وهكذا دواليك، وهذا مما يدخل في باب المحرمات اللغوية(Linguistic taboo ) كلمة...
توطئة التنوع الثقافي ظاهرة بشرية لا يختصّ بها السودان وحده، فهو سنّة الله في خلقه. ولا يكاد مجتمع من المجتمعات، مهما كانت درجة انسجام مكوّناته، يخلو، في صورة من الصور، من ظاهرة التنوّع. فالحديث إذن عن الظاهرة وكأنّها سمة سودانية بامتياز، حديث خرافة. ومع ذلك لابدّ من الإقرار بأن التنوع في السودان...
"وما من شيء ألصق بالثقافة والتراث من طقوس الموت، وما من شيء ألصق بطقس الموت في سودان وادي النيل من العنقريب" (1) هل كان يذكر اسم ذلك الرجل، ثم طواه النسيان وما ران على ذاكرته من غبار السنين؟ قصارى ما يذكره أنهم كانوا ينادونه ويصفونه بسيد العناقريب. كان كفيفاً، وكان من أقاصي دارفور، دار مساليت...

هذا الملف

نصوص
46
آخر تحديث
أعلى