حسَن الرّحيبي - حَمّام الغَيس

لا تحب نساء البوادي الوسخ رغم ظروفهن الصّعبة ، والعمل بالبيادر والحصَائد طول النّهار .. لذلك لا تفتأ مَامّا عمّتي تنهَمك في تجديد بناء الحمّام والمترُوسَة كل سنة كلما أصَابهم هدم وتدمير بسبب الرياح والأبقار ، وكذلك فرَينة الكرُون ..
فكل يَوم أحَد تقوم النسَاء بإحماء وتسخين المتروسَة وحمّام الغيس كي تذهبن نظيفات متزينات إلى السوق ، من أجل بيع بّيضَات ودجيجَات وبعضَ الحبُوب والقطاني ، لشرَاء كل مَا يحتجنَه من مطليات لعكر الفاسي وأدوات الزينة والقهوة بالقرفة ولعشُوب كي تمرّ السّيمانة بهيجةً وافرَة رغم ضَيق الحَال ..



خلاَل بدَاية الربيع تشتدّ الحرَارَة ، وتخرُج نحلة طايكوك السّودَاء من درن جلد الأبقار . يفرح أبي ويقول :
بدَا يتّزرَݣ فيهم الدّمّ !
بينمَا تعود تايكوك لغرز شوكتها الحادّة بجلدها من جديد من أجل وَضع بيضها ، فتلسَعها بقوة لسَعات أليمة ومُوجعة .. وتندفع أبقار الدّوّار للخيمة المترّعة بشراسَة وهي لا تلوي على شيء ، بينما العيّل يُلهب من حمَاسها واندفاعها وهو يتصَايح ضَاحكاً :
طايكوك
طايكوك
تال للخيمة ونعطَك صَايكوك ..
فيتضَاعَف ركوضُ الأبقار واندفاعها نحو الدّوّار .. فتدوس على الحمّام شَديد الهشَاشَة والقابلية للزوَال في أية لحظة la précarité !
أمّا العقلاَء من رجال الدوّار فيردّدون بحكمَة ورزانة :
بَارُود ! بَارُود !
كان المَامُون مُحاصَراً وهو عار مزبّط داخل الحمّام المؤقت jetable بالمعنىٰ الصّيني للكلمة ، الرّائج والمتداوَل حالياً .. لتسرع الزّوجة الوَفية منبّهة بحرص شَديد :
دير يدَك آ المَامُون دير يدَك .. الازرَݣ قبيح !
لم تكن سوىٰ لحظة حتى طار الحمّام بكلشي ليه ، وأصبح حصيداً كأن لم يغنَ يالأمس !
بينمَا تستمرّ النّساء في تلطيف الأجوَاء ، و الدّعوَة لتهدين الموقف ، وتهدئة الأبقار الهَائجة :
اتّا ݣول بَارُود آذَاك الحَللّوف اتّا اسنَانَك خَارجين كي تاوَع الغُول !
هَههههههههههَ..

حسَن الرّحيبي..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...