يُعد جيل التسعينيات من أكثر الأجيال الثقافية التباسًا في التجربة المصرية؛ إذ تزامن ظهوره مع تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة، ومع انفراج نسبي في المجال الثقافي سمح بوفرة غير مسبوقة في الإنتاج الأدبي والفني والفكري، غير أن هذه الوفرة لم تتحول إلى تراكم معرفي مستقر، بل اقترنت بتفكك أشد في آليات الحفظ والأرشفة، مما جعل هذا الجيل نموذجًا دالًا على الفارق بين كثافة الإنتاج وضعف الذاكرة.
تشكل وعي هذا الجيل في ظل تراجع السرديات الكبرى التي حكمت الأجيال السابقة، ومع غياب مشروع ثقافي جامع ترعاه أو تحتضنه مؤسسات مستقلة قوية، يشير جلال أمين في كتابه " عصر الجماهير الغفيرة" إلى أن التسعينيات شهدت انتقالًا من خطاب الأيديولوجيا إلى خطاب الفرد، حيث برزت أسئلة الذات، والهامش، واليومي، بدل الأسئلة القومية الشاملة، وهذا التحول فتح المجال لتنوّع واسع في الأصوات والتجارب، لكنه في الوقت نفسه أضعف إمكان بناء مرجعية مشتركة.
ومن زاوية الذاكرة، اتسم إنتاج جيل التسعينيات بالتشظي الوسيطي؛ فقد نُشرت الأعمال في مجلات ثقافية قصيرة العمر، وملحقات صحفية متقلبة، ودور نشر صغيرة، ومنصات غير مستقرة، وكثير من هذه المنابر اختفى دون أن يترك أرشيفًا منظّمًا، مما جعل تتبّع تاريخ هذا الجيل مهمة بالغة الصعوبة، يشير بول ريكور إلى أن الذاكرة الثقافية لا تتكوّن من النصوص وحدها، بل من استقرار وسائطها وقدرتها على حفظ السياق.
كما واجه هذا الجيل قطيعة مزدوجة، قطيعة مع الأجيال السابقة، التي بدت خبرتها بعيدة أو غير متاحة أرشيفيًا، وقطيعة مع الأجيال اللاحقة، التي لم تجد سجلًا واضحًا لتجربته، يوضح "يان أسمان" في كتابه "الذاكرة الثقافية" أن الأجيال التي تعمل في ظل ذاكرة ثقافية ضعيفة تميل إلى تعريف نفسها عبر الاختلاف اللحظي، لا عبر الامتداد التاريخي، وهذا ما جعل جيل التسعينيات يبدو، في الوعي اللاحق، جيلًا بلا ملامح تراكمية واضحة رغم غنى إنتاجه.
ومن منظور الحقل الثقافي، يشير بيير بورديو في كتابه "قواعد الفن" إلى أن الوفرة غير المنظمة تُنتج ما يسميه تضخّمًا رمزيًا بلا رسملة تاريخية، حيث تتكاثر الأعمال دون أن تُدمج في سردية حقلية معترف بها، وفي الثقافة المصرية، لم تُحوَّل إنجازات التسعينيات إلى نصوص مرجعية أو أرشيفات جامعة، بل بقيت موزّعة بين مبادرات فردية وذاكرات شخصية.
وهكذا، يُجسّد جيل التسعينيات مفارقة مركزية في مأزق القطيعة المعرفية، فهو إبداع كثيف بلا ذاكرة جامعة، فالمشكلة لم تكن نقصًا في الجرأة أو الإنتاج، بل في غياب الشروط المؤسسية التي تسمح بتحويل هذا الإنتاج إلى تاريخ قابل للتعلّم والبناء عليه، وهذه المفارقة ستتفاقم أكثر مع الأجيال التالية، حيث ستقترن السرعة الحدثية بانهيار شبه كامل لإمكان التثبيت والتراكم.
_________
من كتابي: هشاشة البنية الثقافية ومأزق الأرشفة الجيلية (تحت الطبع)
تشكل وعي هذا الجيل في ظل تراجع السرديات الكبرى التي حكمت الأجيال السابقة، ومع غياب مشروع ثقافي جامع ترعاه أو تحتضنه مؤسسات مستقلة قوية، يشير جلال أمين في كتابه " عصر الجماهير الغفيرة" إلى أن التسعينيات شهدت انتقالًا من خطاب الأيديولوجيا إلى خطاب الفرد، حيث برزت أسئلة الذات، والهامش، واليومي، بدل الأسئلة القومية الشاملة، وهذا التحول فتح المجال لتنوّع واسع في الأصوات والتجارب، لكنه في الوقت نفسه أضعف إمكان بناء مرجعية مشتركة.
ومن زاوية الذاكرة، اتسم إنتاج جيل التسعينيات بالتشظي الوسيطي؛ فقد نُشرت الأعمال في مجلات ثقافية قصيرة العمر، وملحقات صحفية متقلبة، ودور نشر صغيرة، ومنصات غير مستقرة، وكثير من هذه المنابر اختفى دون أن يترك أرشيفًا منظّمًا، مما جعل تتبّع تاريخ هذا الجيل مهمة بالغة الصعوبة، يشير بول ريكور إلى أن الذاكرة الثقافية لا تتكوّن من النصوص وحدها، بل من استقرار وسائطها وقدرتها على حفظ السياق.
كما واجه هذا الجيل قطيعة مزدوجة، قطيعة مع الأجيال السابقة، التي بدت خبرتها بعيدة أو غير متاحة أرشيفيًا، وقطيعة مع الأجيال اللاحقة، التي لم تجد سجلًا واضحًا لتجربته، يوضح "يان أسمان" في كتابه "الذاكرة الثقافية" أن الأجيال التي تعمل في ظل ذاكرة ثقافية ضعيفة تميل إلى تعريف نفسها عبر الاختلاف اللحظي، لا عبر الامتداد التاريخي، وهذا ما جعل جيل التسعينيات يبدو، في الوعي اللاحق، جيلًا بلا ملامح تراكمية واضحة رغم غنى إنتاجه.
ومن منظور الحقل الثقافي، يشير بيير بورديو في كتابه "قواعد الفن" إلى أن الوفرة غير المنظمة تُنتج ما يسميه تضخّمًا رمزيًا بلا رسملة تاريخية، حيث تتكاثر الأعمال دون أن تُدمج في سردية حقلية معترف بها، وفي الثقافة المصرية، لم تُحوَّل إنجازات التسعينيات إلى نصوص مرجعية أو أرشيفات جامعة، بل بقيت موزّعة بين مبادرات فردية وذاكرات شخصية.
وهكذا، يُجسّد جيل التسعينيات مفارقة مركزية في مأزق القطيعة المعرفية، فهو إبداع كثيف بلا ذاكرة جامعة، فالمشكلة لم تكن نقصًا في الجرأة أو الإنتاج، بل في غياب الشروط المؤسسية التي تسمح بتحويل هذا الإنتاج إلى تاريخ قابل للتعلّم والبناء عليه، وهذه المفارقة ستتفاقم أكثر مع الأجيال التالية، حيث ستقترن السرعة الحدثية بانهيار شبه كامل لإمكان التثبيت والتراكم.
_________
من كتابي: هشاشة البنية الثقافية ومأزق الأرشفة الجيلية (تحت الطبع)