طارق حنفي - {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}

أي: "هو الله الغالب لما سواه، وهو - سبحانه - الفعَّال لما يشاء."

وردت هذه الآية الكريمة في سورة يوسف، تلك السورة التي احتضنت أحسن القصص، كما أوحاها الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
هي قصة اصطفاء واجتباء، وتعليم وتمكين، وصبرٍ يتوّج بالإحسان، وتوبةٍ يفيض بعدها الجزاء من الله.
قصة متكاملة المشاهد والعِبر، تبدأ برؤيا تنبض بالأمل، وتنتهي بتحققها في مشهد حيّ يجسّد معناها للعيان. وكيف لا؟! والله غالب على أمره، سبحانه الفعّال لما يشاء، بعلمه وحكمته ولطفه وعدله؛ يدبّر الأمر كيف شاء، ومتى شاء، وأين شاء.

مراحل القصة:
تبدأ القصة برؤيا سيدنا يوسف – عليه السلام – التي رواها لأبيه يعقوب – عليهما السلام –:
{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} (يوسف: ٤)،
ثم تتوالى المشاهد: كيد الإخوة، وإلقاء يوسف في غيابة الجب، ثم التقاطه وبيعه في مصر، ومرحلة تعليمه تأويل الأحاديث (ومنها تفسير الأحلام)، ومحاولة إغوائه من قِبل امرأة العزيز اللذين ربَّياه في بيتهما، ثم ابتلاؤه وسجنه، ثم تمكينه في الأرض وتنصيبه على خزائن مصر (ولِمَ لا، وهو حفيظٌ عليم؟!)، ثم لقاؤه بإخوته وأمه وأبيه بعد نزوحهم جميعًا إليه في مصر، وسجود أبيه وأمه وإخوته له سجود تحيةٍ وإكرام، بعد أن رفع أبويه على العرش قربه.
الأب والأم وأحد عشر أخًا، جميعهم سجدوا له، فكان ذلك تأويل رؤياه الذي جعله الله حقًا:
{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ...} إلى قوله تعالى {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (يوسف: ٩٩-١٠٠).
ولِمَ لا؟! وهو سبحانه غالب على أمره.

والسؤال الذي لم ينتبه إليه كثيرون: كيف أصبح إخوة يوسف كالكواكب {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} بعد الذنب الذي اقترفوه؟!

سيدنا يعقوب – عليه السلام –
قصّ سيدنا يوسف – عليه السلام – على أبيه رؤياه، فأجابه الأب:
{قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ...} (يوسف: ٥-٦).
وهنا أقول – والله أعلم – إن سيدنا يعقوب عليه السلام قد أُوتي حظًّا من علم التأويل، وإن كان على وجهٍ يختلف عما أُوتيه يوسف عليه السلام؛ وإلا فكيف أخبره بكل ذلك بعد أن قصّ عليه رؤياه؟
ويبدو – والله أعلم – أنه أدرك، على نحوٍ ما، بعض ما سيقع؛ كأنه كان يرى مشاهد متقطعة منه. رأى – ويا لقسوة ما يرى الأب – أبناءه يكيدون لأخيهم.. رأى ما جعله يوقن بأن الله سيجتبي يوسف عليه السلام، ويعلّمه تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليه، وعلى آل يعقوب جميعًا من خلاله.
ولكن كيف يحدث ذلك وقد علم أن عشرةً من أبنائه سيكيدون لأخيهم؟!
وهو ما جعله يحزن ويخاف على يوسف، ويحاول منع كيدهم له، ولكن الله غالب على أمره.
كان الأب ممتلئًا بالقلق والخوف على أبنائه جميعًا؛ خشية أن تكون أفعالهم سببًا في عدم تمام نعمة الله عليهم – لا على يوسف وحده – فيصبح هو وأبناؤه سببًا في فقدان النعمة التي أنعم الله بها على إبراهيم وإسحاق عليهما السلام من قبل.
غير أن خوفه وقلقه دفعاه إلى مزيدٍ من العناية بيوسف دون غيره، ومع ذلك لم يُغنِ حذره من قضاء الله شيئًا.
وكان صبره صبرًا جميلًا؛ صبر العارف بحكمة الله، الطامع في رضاه، مع ما يعتصر قلبه من الحزن والقلق.

إخوة يوسف عليه السلام:
الجريمة الأزليه نفسها، الشعور بالغيرة والحسد الذي يقود صاحبه إلى عصيان أمر الله وارتكاب الذنوب والمعاصى، ولهم في قصة إبليس وآدم -عليه السلام-، وقصة قابيل وهابيل العظة، لكنهم كانوا أرحم على أخيهم من قابيل بأخيه؛ فهم لم يقتلوا يوسف وإن راودتهم الفكرة، لكنهم ألقوه في غيابة الجب، ألقَوه في القاع فجعله الله على قمة الملك، أرادوه عبدًا فجعله الله ملكًا، أرادوا بفعلتهم أن يخلوا لهم وجه أبيهم وأن ينسى يوسف ويوليهم جلَّ اهتمامه، لكنه لم ينسه ولو للحظة حتى أصبح شيخ كبير لا يراهم أمامه، ولما لا والله غالب على أمره؟!..
ثم اتفقوا على التوبة بعدها، وأن يكونوا قومًا صالحين {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} (يوسف-٩)، لكنهم لم يعلموا أن الذنوب والمعاصي تترك من الآثار على القلب والنفس الكثير، فهى تظلمهما وتعرش عليهما بالحجب والأغشية، وأن التوبة بعد الذنب ليس مجرد قول، لكنه شعور لا بد من أن يكون قويًا بحيث ينير الظلمة ويهدم العُرُش ويمزق الحجب والأغشية، وأن التوبة في أصلها توفيق ورحمة من الله، وأن الله هو الذي يأذن لعباده بالتوبة ليتوبوا، فهو سبحانه غالب على أمره.

سيدنا يوسف – عليه السلام –:
هو الصِّدِّيق الذي اصطفاه ربه، وعلّمه من تأويل الأحاديث، الحفيظ العليم الذي مكّن الله له في الأرض، وجعله على خزائنها. وهو النبي الذي جعل الله من سيرته مثالًا لليسر بعد العسر، ومثالًا للتمكين والعز بعد ذلّ السجن، ومثالًا للصبر الذي يبلغ بصاحبه اليسر.
فكان صبره إحسانًا (تقوى وصبر)، صبرًا مقرونًا بالرضا والثبات والعمل الصالح، صبرًا خاليًا من المعصية، قائمًا على اليقين، مصداقًا لقوله تعالى:
{إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف: ١٠).
ودبّر يوسف – عليه السلام – أمر إخوته بإذن الله، وشتان بين تدبيره لهم وتدبيرهم له؛ شتان بين الحاسد والمحسن، وبين الكاذب والصدّيق.
وكان هذا التدبير سببًا في أن يُتاح لأبيه أن يتعامل معهم بالعدل، بعد أن غلب حبه ليوسف وقلقه عليه من قبل، والله غالب على أمره.
يفعل سبحانه ما يشاء بعلمه وحكمته ولطفه، فقد جعلهم يقولون: (ونحفظ أخانا)، بعد أن كانوا يقولون: (ليوسف وأخيه)، كما قال تعالى:
{قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا} (يوسف: ٦٥).
كما ناداهم يعقوب – عليه السلام – بقوله: (يا بَنِيَّ)، ونقل إليهم شعوره بالخوف عليهم جميعًا من الحسد، بعد أن كان حزنه وقلقه منصبّين على يوسف وحده، فقال تعالى:
{يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ}.
ولم يكن إخوة يوسف يشعرون من قبل بعمق قلق أبيهم عليهم جميعًا؛ إذ كان خوفه على ابنه المجتبى يغلب مشاعره الأبوية نحو بقية أبنائه، لما كان يعلمه من أن يوسف سيكون سببًا في تمام نعمة الله على آل يعقوب جميعًا.
لكن يعقوب أراد هذه المرة أن يبيّن لهم محبته وقلقه عليهم جميعًا، كما أشار القرآن:
{إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} (يوسف: ٦٧).
فكانت النتيجة أن تحوّلت قلوبهم؛ فبعد أن تمنّوا زوال يوسف أو غيابه ليفوزوا بقلب أبيهم، وقفوا بين يدي العزيز يرجونه أن يأخذ أحدهم مكان أخيهم، افتداءً له بأنفسهم، وقد بدأت الرحمة تتسلل إلى قلوبهم، كما قال تعالى:
{قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف: ٧٨).
وبدأت مراحل التوبة:
كانت أولى خطواتها الشعور بالندم، كما قال كبيرهم:
{قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} (يوسف: ٨٠).
ثم تلتها مرحلة كسر كِبْر النفس العاصية، حين قالوا:
{قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} (يوسف: ٨٨).
ثم جاءت مرحلة الاعتراف بالخطيئة والذنب، فقالوا:
{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} (يوسف: ٩١).
وأخيرًا كانت مرحلة الصدق في طلب المغفرة، حين قالوا:
{قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (يوسف: ٩٧-٩٨).
ثم جاءت المغفرة، فقال يوسف عليه السلام:
{قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (يوسف: ٩٢).

وفي الختام – والله أعلم – نقول:
لعل أكثرهم سعادة في مشهد لمّ الشمل الأخير كان يعقوب عليه السلام نفسه؛ فقد أتمّ الله نعمته على آله جميعًا بعد أن نزغ الشيطان بين أبنائه، كما قال تعالى:
{أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: ١٣٣).
فقد أدّى رسالته على أكمل وجه، رغم ما مرّ به من ابتلاءات وأخطاء بشرية، ولولا مشيئة الله برحمتهم جميعًا ما تمّ ذلك، لكنه سبحانه غالب على أمره.
ويليه يوسف عليه السلام، الذي رأى لطف الله وحكمته ملازمين له في كل مراحل حياته؛ يراهما ويدرك أثرهما، ويستشعر حضورهما في قلبه، كما قال تعالى:
{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (يوسف: ١٠١).

ونقول:
إن صبر يعقوب عليه السلام صبرٌ جميل، امتزج فيه الرضا بالحزن والقلق، أما صبر يوسف عليه السلام فصبرُ إحسانٍ (تقوى وصبر)، كان صبرًا على الصبر، ورضًا به، لا يشوبه شغفٌ ولا لهفة، ولا يعتريه جزع، بل ثباتٌ وعمل، مع أداء رسالته دون يأسٍ أو فتور.
لقد آتى الله يوسف عليه السلام مع الابتلاء حكمًا وعلمًا، وعلّمه تأويل الأحاديث، فدعا صاحبيه في السجن إلى عبادة الله الواحد الأحد، وبدأ يبذل علمه بمجرد أن أتقنه، وكان حفيظًا أمينًا في عمله على خزائن الأرض، وأحسن إلى إخوته، ودبّر لهم – بإذن الله – تدبيرًا كان سببًا في توبتهم وعودتهم إلى الله جميعًا، فكان محسنًا صدّيقًا.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، الحبيب المصطفى الأمين، الرحمة المهداة للعالمين، والنور الهادي إلى الصراط المستقيم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...