ما يطرحه الدكتور البرغوثي في نصّه الأخير المنشور في جريدة القدس بتاريخ ١١ فبراير ٢٠٢٦ ،ليس توصيفًا شاعريًا لـ«زمن غزة»، ولا قراءة وجدانية لحدث استثنائي، بل محاولة جذرية لإعادة تعريف الزمن نفسه بوصفه حقل صراع سياسي. حين يستعير تعريف هايدغر للزمن، ثم يُسقطه على التجربة الفلسطينية، فهو لا يعيد تأويل الزمن فقط، بل يفضح كيف فُرض على فلسطين زمن مُصمَّم لنزع السياسة: زمن الانتظار، والإدارة، والتهدئة، والواقعية القاتلة. هذا التشخيص يتقاطع بعمق مع أطروحة نزع السياسة: فالزمن هنا ليس خلفية محايدة للأحداث، بل أداة حكم.
غير أن قوة النص لا تكمن فقط في وصف هذا الزمن المفروض، بل في النقلة التي يقترحها: غزة لا “تعيش” زمنًا مختلفًا، بل تُنتجه. هنا يصبح الزمن فعلًا، لا إطارًا؛ موقفًا، لا مسارًا؛ انقطاعًا، لا استمرارية. وهذا بالضبط ما يجعل “زمن غزة” لحظة كاشفة، لا لأنها كسرت إيقاع الاحتلال فقط، بل لأنها كسرت منطق النظام الذي يُدير الصراع عبر الزمن المؤجَّل.
في هذا المعنى، يصبح الربط الذي يقيمه النص بين غزة وفضيحة إبستين أكثر من مقارنة أخلاقية ذكية. إنه ربط بنيوي بين نظام يعلّق القانون حين يُهدَّد من الداخل، ونظام يُعلّق الإنسان حين يُهدَّد من الخارج. إبستين لا يُدين النظام لأنه انحراف عنه، بل لأنه نتاجه الصافي؛ وغزة لا تفضح الغرب لأنها مأساة إنسانية، بل لأنها تكشف أن الإبادة نفسها تعمل داخل منطق الشرعية. هنا يلتقي النص مع أطروحة الإبادة بوصفها وظيفة حكم، لا استثناءً أخلاقيًا.
لكن اللحظة الأكثر حساسية في مقال البرغوثي – والأكثر خطورة في آن – هي انتقاله من توصيف زمن غزة إلى طرح الفلسطينزم بوصفها السياسة الممكنة لهذا الزمن. هنا يجب التوقف بدقة. فالفلسطينزم، كما صاغها الدكتور، ليست أيديولوجيا جديدة، ولا بديلًا عن الحركة الوطنية، ولا إطارًا تعبويًا. إنها تحويل فلسطين من قضية إلى معيار، ومن موضوع تعاطف إلى منهج قراءة للعالم. بهذا المعنى، لا تطلب الفلسطينزم من النظام أن يعترف بفلسطين، بل تُخضع النظام نفسه لاختبار فلسطين.
غير أن هذا التحويل، في رأيي، يضعنا أمام سؤال لا يمكن القفز عنه:
إذا كانت غزة قد كشفت استحالة الأخلاق داخل النظام، وإذا كانت الفلسطينزم تحوّل هذا الكشف إلى معنى كوني، فأين تتموضع السياسة؟
الخطر هنا ليس في الفكرة، بل في استقبالها. فثمة احتمال أن تُختزل الفلسطينزم – ضد نيتها الأصلية – إلى موقع أخلاقي رفيع، أو إلى تفوّق رمزي، أو إلى “معنى” معلق فوق الصراع، فيما يواصل النظام نزع السياسة ماديًا، لغويًا، ومؤسسيًا. أي أن يتحول الكشف إلى بديل عن الفعل، والمعنى إلى تعويض عن التنظيم، والزمن المختلف إلى سردية دون حامل سياسي.
من هنا، أرى أن القيمة الأعمق لمقال البرغوثي لا تكمن في تقديم أجوبة، بل في فتح مأزق جديد:
إذا كانت غزة قد أنتجت زمنًا لا يندمج في النظام، فالتحدي ليس تمجيد هذا الزمن، بل منع احتوائه.
وإذا كانت الفلسطينزم منهج قراءة، فحدّها الأقصى ليس الخطاب، بل قدرتها على إعادة تسييس ما جرى نزع السياسة عنه: الزمن، الحياة اليومية، التنظيم، والتمثيل.
بهذا المعنى، لا تكون الفلسطينزم سياسة جاهزة، بل اختبارًا دائمًا للسياسة:
هل تستطيع أن تتحول من كشف بنيوي إلى أفق فعل، دون أن تقع في فخ الإدارة، أو الوصاية، أو الرمزية الخالصة؟
وهل يمكن لهذا الزمن الذي أنتجته غزة أن يصمد، لا بوصفه لحظة تاريخية، بل كشرط مقاومة مستمر ضد إعادة فرض الزمن القديم بأدوات جديدة؟
نص البرغوثي قوي لأنه لا يسمح بالعودة إلى ما قبل غزة.
وخطير لأنه لا يمنحنا ملجأً سهلًا بعدها.
وهو، في هذا المعنى، ليس دعوة للاصطفاف، بل دعوة لتحمّل تبعات الكشف:
أن نعيش في زمن انكسر فيه وهم الاستقرار، دون أن نسمح للنظام أن يعيد ترتيب هذا الكسر بوصفه مرحلة عابرة.
هذا نص لا يُغلق النقاش، بل ينقله إلى مستوى لا يعود فيه السؤال: ماذا نفعل؟
بل: كيف نمنع النظام من استعادة الزمن الذي كسرته غزة؟
غير أن قوة النص لا تكمن فقط في وصف هذا الزمن المفروض، بل في النقلة التي يقترحها: غزة لا “تعيش” زمنًا مختلفًا، بل تُنتجه. هنا يصبح الزمن فعلًا، لا إطارًا؛ موقفًا، لا مسارًا؛ انقطاعًا، لا استمرارية. وهذا بالضبط ما يجعل “زمن غزة” لحظة كاشفة، لا لأنها كسرت إيقاع الاحتلال فقط، بل لأنها كسرت منطق النظام الذي يُدير الصراع عبر الزمن المؤجَّل.
في هذا المعنى، يصبح الربط الذي يقيمه النص بين غزة وفضيحة إبستين أكثر من مقارنة أخلاقية ذكية. إنه ربط بنيوي بين نظام يعلّق القانون حين يُهدَّد من الداخل، ونظام يُعلّق الإنسان حين يُهدَّد من الخارج. إبستين لا يُدين النظام لأنه انحراف عنه، بل لأنه نتاجه الصافي؛ وغزة لا تفضح الغرب لأنها مأساة إنسانية، بل لأنها تكشف أن الإبادة نفسها تعمل داخل منطق الشرعية. هنا يلتقي النص مع أطروحة الإبادة بوصفها وظيفة حكم، لا استثناءً أخلاقيًا.
لكن اللحظة الأكثر حساسية في مقال البرغوثي – والأكثر خطورة في آن – هي انتقاله من توصيف زمن غزة إلى طرح الفلسطينزم بوصفها السياسة الممكنة لهذا الزمن. هنا يجب التوقف بدقة. فالفلسطينزم، كما صاغها الدكتور، ليست أيديولوجيا جديدة، ولا بديلًا عن الحركة الوطنية، ولا إطارًا تعبويًا. إنها تحويل فلسطين من قضية إلى معيار، ومن موضوع تعاطف إلى منهج قراءة للعالم. بهذا المعنى، لا تطلب الفلسطينزم من النظام أن يعترف بفلسطين، بل تُخضع النظام نفسه لاختبار فلسطين.
غير أن هذا التحويل، في رأيي، يضعنا أمام سؤال لا يمكن القفز عنه:
إذا كانت غزة قد كشفت استحالة الأخلاق داخل النظام، وإذا كانت الفلسطينزم تحوّل هذا الكشف إلى معنى كوني، فأين تتموضع السياسة؟
الخطر هنا ليس في الفكرة، بل في استقبالها. فثمة احتمال أن تُختزل الفلسطينزم – ضد نيتها الأصلية – إلى موقع أخلاقي رفيع، أو إلى تفوّق رمزي، أو إلى “معنى” معلق فوق الصراع، فيما يواصل النظام نزع السياسة ماديًا، لغويًا، ومؤسسيًا. أي أن يتحول الكشف إلى بديل عن الفعل، والمعنى إلى تعويض عن التنظيم، والزمن المختلف إلى سردية دون حامل سياسي.
من هنا، أرى أن القيمة الأعمق لمقال البرغوثي لا تكمن في تقديم أجوبة، بل في فتح مأزق جديد:
إذا كانت غزة قد أنتجت زمنًا لا يندمج في النظام، فالتحدي ليس تمجيد هذا الزمن، بل منع احتوائه.
وإذا كانت الفلسطينزم منهج قراءة، فحدّها الأقصى ليس الخطاب، بل قدرتها على إعادة تسييس ما جرى نزع السياسة عنه: الزمن، الحياة اليومية، التنظيم، والتمثيل.
بهذا المعنى، لا تكون الفلسطينزم سياسة جاهزة، بل اختبارًا دائمًا للسياسة:
هل تستطيع أن تتحول من كشف بنيوي إلى أفق فعل، دون أن تقع في فخ الإدارة، أو الوصاية، أو الرمزية الخالصة؟
وهل يمكن لهذا الزمن الذي أنتجته غزة أن يصمد، لا بوصفه لحظة تاريخية، بل كشرط مقاومة مستمر ضد إعادة فرض الزمن القديم بأدوات جديدة؟
نص البرغوثي قوي لأنه لا يسمح بالعودة إلى ما قبل غزة.
وخطير لأنه لا يمنحنا ملجأً سهلًا بعدها.
وهو، في هذا المعنى، ليس دعوة للاصطفاف، بل دعوة لتحمّل تبعات الكشف:
أن نعيش في زمن انكسر فيه وهم الاستقرار، دون أن نسمح للنظام أن يعيد ترتيب هذا الكسر بوصفه مرحلة عابرة.
هذا نص لا يُغلق النقاش، بل ينقله إلى مستوى لا يعود فيه السؤال: ماذا نفعل؟
بل: كيف نمنع النظام من استعادة الزمن الذي كسرته غزة؟