فنون بصرية محمد حجاجي - الفنانة فاطمة ملال، من القرية إلى مدن العالم.

لم تلج الفنانة التشكيلية فاطمة ملال المدرسة، ولم تتلقَ تكوينا في أي معهد فني، بل نشأت في قرية بالمغرب العميق، محافظةٍ تُنذَر فيها حياة الفتيات الصغيرات لأشغال الطبخ والنسج والحقل والرعي. كانت ألوان وأشكال وزخارف الزربية المحلية التي تنسجها أمها وجاراتها تثير انتباهها وإعجابها، كما كانت طبيعة القرية وأشجارها ونباتاتها وواديها وجبالها ومعمار مبانيها ورموزها الأمازيغية وحلي نسائها... تبهرها. شيئا فشيئا، بدأت الطفلة تساعد الكبيرات في نسج الزرابي وتتمرس بإنشاء الزخارف والألوان والأشكال، بل حاولت نقل تلك الأشكال إلى رسوم على الورق.

لم يكن الفن غريبا على أفراد أسرة فاطمة. لذا لقيت التشجيع منهم وخاصة من أخيها وقدوتها محمد ملال الفنان التشكيلي والموسيقي المعروف الذي لاحظ موهبة أخته فزودها تدريجيا بوسائل وأدوات الرسم. وكان لسائحة سويسرية فنانة تشكيلية، زارت قريتها، فضلُ التعريف بفاطمة فيما بعد، خارج الوطن،، ودعوتها إلى إقامة معرض للوحاتها في سويسرا. وكان ذلك سنة 2002.



ازدادت فاطمة ملال سنة 1968، في قرية تاملالت بمضايق دادس (إقليم تنغير) بالجنوب الشرقي المغربي. موهبتها الفطرية وإصرارها وقوة عزيمتها وشغفها بالفن وتشجيع الأسرة لها... كل ذلك ساعدها على الاجتهاد ومواصلة المسير في طريق الفن بدأب وبعصامية مثالية، حتى أصبحت الآن، من الفنانات التشكيليات المغربيات المميزات.
عرضت فاطمة ملال لوحاتها في العديد من المدن المغربية (ورزازات، زاكورة، أكادير، الدار البيضاء، الرباط...) وكذا في بلدان أجنبية مختلفة ( سويسرا، إسبانيا، هولندا، ألمانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، البحرين...)
احتكاك الفنانة بتجارب الآخرين بالمغرب والخارج، المدعوم بإصرارها على التعلم، صقل موهبتها وجعلها، إلى ذلك، أكثر تشبثا بخصوصية فنها المنبثق من ثقافتها المحلية ورموز ومعطيات بيئتها الطبيعية والاجتماعية (الحياة اليومية للإنسان القروي (وخاصة المرأة) ولباسه وحليه وأنشطته، الرموز الأمازيغية، طبيعة المنطقة وألوانها وجمالها... تلك الخصوصية التي تميز أعمالها وتثير إعجاب متلقي لوحاتها من مواطنين وأجانب.
إصرار فاطمة على التعلم ورغبتها في التواصل، دفعاها، في عمر متأخر نسبيا، إلى تعلم اللغتين العربية والفرنسية بمعونة إخوتها وأحد أساتذة مدرسة القرية، الذي كان يعطيها الدروس في منزل العائلة. ومن جهتها، دأبت الفنانة على تأطير ورشات في الرسم لفائدة أطفال القرية في مرسمها ومعرضها الفني الدائم بمأوى الأسرة السياحي بقرية تاملالت، الذي يؤمه أيضا السياح المغاربة والأجانب ويطلعون على لوحات الفنانة ويقتنون بعضها ويتمتعون بجمال طبيعة المنطقة وطيبوبة إنسانها.



فاطمة ملال فنانة تشكيلية فطرية عصامية، نموذج مشرق للمرأة القروية الفنانة المكافحة، المتشبثة بهويتها وثقافتها الأمازيغية المغربية، المتفتحة على الآخر والمتواصلة معه بما يدعم التعارف والتقارب وتلاقح الثقافات. تمتح ثيمات لوحاتها من معطيات بيئتها وثقافتها الأمازيغية وطبيعتها، وتلونها بتلويناتها المميزة (البني والأحمر والأزرق والأصفر...) ببساطتها الفطرية التلقائية والعميقة، مع بعض اللمسات السوريالية أحيانا.
وهكذا، فمن قريتها الصغيرة تاملالت بالمغرب العميق، استطاعت فاطمة، بفنها الجميل، وبإصرارها الدؤوب، أن تجوب الآفاق وتعرّف بجزء من الثقافة والفن المغربيين، وتفرض احترامها وطنيا وعالميا.

محمد حجاجي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...