يحيى بركات - الدستور بلا حامل… دولة بلا روح الجزء الثاني: الدستور ليس نصاً… بل عقد سياسي

الجزء الثاني:
الدستور ليس نصاً… بل عقد سياسي



قبل أن نناقش مادةً هنا أو فقرةً هناك،
قبل أن نختلف حول صلاحية الرئيس أو آلية التعديل،
علينا أن نتوقف عند سؤال أبسط… وأخطر.
ما هو الدستور؟
ليس مجرد قانونٍ أعلى.
ليس جدولاً لتوزيع الصلاحيات.
وليس كتابَ إرشاداتٍ لإدارة الوزارات.
الدستور، في جوهره، عقد.
عقدٌ سياسيٌّ يسبق النص،
ثم يتحول إلى نص.
هو لحظة اتفاقٍ كبرى بين شعبٍ يعرف نفسه،
وسلطةٍ تستمد مشروعيتها منه.
ولهذا، لا يكتب الدستور شعباً.
بل يكتب الشعب دستوره.
هذه ليست عبارة بلاغية.
هي قاعدة في الفقه الدستوري كله.
السلطات التي تعمل داخل الدولة
– حكومة، برلمان، قضاء –
تُسمّى سلطات منشأة.
أما الذي يضع الدستور، فهو ما يُعرف بالسلطة التأسيسية.
والسلطة التأسيسية ليست منصباً.
هي الشعب حين يتكلم بإرادةٍ جامعة.
في الدول المستقرة، يكون هذا الأمر محسومًا.
شعبٌ يعيش داخل حدود واضحة،
يجري انتخابات تأسيسية،
يُنتج جمعيةً تكتب النص،
ثم يُستفتى عليه.
لكن ماذا عن شعبٍ نصفه خارج الأرض؟
ماذا عن شعبٍ يعيش تحت احتلال؟
ماذا عن واقعٍ لم تُحسم فيه وحدة التمثيل بعد؟
هنا يتغيّر كل شيء.
في حالات التحرر الوطني،
لا يُكتب الدستور بوصفه إجراءً إدارياً.
بل يُكتب بوصفه إعلاناً عن اكتمال الشرعية.
في الجزائر، سبق الدستور حاملٌ سياسي واضح.
في جنوب أفريقيا، لم يُكتب النص النهائي إلا بعد حسم سؤال التمثيل عبر انتخابات تأسيسية جامعة.
في ناميبيا، جرى تثبيت الجهة الممثلة للشعب قبل صياغة العقد الأعلى.
لم يبدأوا من النص.
بدأوا من الحامل.
لأن النص لا يخلق الشرعية.
هو يدوّنها.
في حالتنا، السؤال ليس نظرياً.
من يملك اليوم تفويضاً تأسيسياً شاملاً؟
هل جرت انتخابات عامة تشمل الداخل والشتات؟
هل أُعيد بناء المرجعية الوطنية بآلية ديمقراطية حديثة؟
هل تم حسم العلاقة بين السلطة القائمة وبين الإطار التاريخي الذي حمل التمثيل لعقود؟
إذا لم تُحسم هذه الأسئلة،
فإن أي دستور، مهما كان متماسكاً قانونياً،
سيظل يبحث عن أرضٍ يقف عليها.
الدستور ليس أداةً لإنتاج الشرعية.
هو تتويجٌ لشرعية سبقتْه.
قد يكون لدينا نصٌّ جميل البناء.
متوازن الصلاحيات.
واسع الحقوق.
حديث اللغة.
لكن إذا لم يكن مستنداً إلى تفويضٍ شعبي جامع،
فسيبقى نصاً صحيح الشكل… ناقص الروح.
الفرق بين الشرعية القانونية والشرعية التمثيلية هنا حاسم.
الشرعية القانونية تعني أن الإجراءات اتُّبعت.
أما الشرعية التمثيلية فتعني أن الشعب قال كلمته.
والشرعية التحررية تعني أن الإطار الذي يكتب العقد يحمل تفويضاً تاريخياً واضحاً في سياق صراعٍ لم يُحسم بعد.
في فلسطين، هذه المستويات الثلاثة ليست متطابقة.
وهنا تكمن العقدة.
لا يمكن للسلطة المنشأة أن تتحول تلقائياً إلى سلطة تأسيسية.
ولا يمكن للنص أن يمنح نفسه التفويض الذي يفترض أن يسبقه.
إذا كان الشعب هو مصدر السلطات،
فإن لحظة كتابة الدستور هي اللحظة التي يتجلى فيها هذا المصدر بوضوح.
أما إذا بقي المصدر غامضاً،
متعدداً،
أو غير مجدَّد انتخابياً،
فإن النص الأعلى سيتحول إلى محاولة تنظيم واقعٍ قائم،
لا إلى إعلان تأسيس جديد.
الدساتير تُكتب عندما تستقر الإرادة الجامعة،
لا عندما نبحث عنها بين المواد.
وهنا نصل إلى المفترق الحقيقي.
إذا كان الدستور عقداً سياسياً،
وإذا كانت السلطة التأسيسية هي الشعب،
وإذا كان التفويض الشامل شرطاً سابقاً للنص—
فإن سؤال الحامل السياسي لم يعد سؤالاً جانبياً.
بل أصبح سؤال البداية.
ومن هنا، لا بد أن ننتقل إلى الواقع مباشرة:
من يحمل اليوم هذه الشرعية؟
وهل يملك شروطها؟
أم أننا أمام فراغٍ يُغطّى بنصوص؟
وهذا ما سيتناوله
الجزء الثالث.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
13/2/2026


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...