يحيى بركات - برلين 2026… حين يصبح الحياد موقفًا قراءة في معنى السينما، الذاكرة، وغزة في دورة برليناله السادسة والسبعين

في مدينةٍ أعادت تعريف نفسها بعد أن انقسمت بجدارٍ إسمنتي، ودفعت ثمن تاريخها دماً ورماداً في حروبٍ عالمية، افتُتحت الدورة السادسة والسبعون من مهرجان برلين السينمائي الدولي بسؤالٍ لم يكن تقنياً ولا تنظيمياً، بل كان سؤالاً يمسّ الضمير:
ماذا عن غزة؟
على المنصة، جلس رئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني فيم فيندرز، وقال إن الفن ينبغي أن ينأى بنفسه عن السياسة. عبارةٌ بدت كأنها محاولة لحماية شاشة السينما من ضجيج العالم. لكنها، في لحظةٍ يُبث فيها الموت مباشرة على الشاشات، فتحت نقاشاً أعمق مما أرادت إغلاقه.
لم يولد برليناله مهرجاناً محايداً. تأسس في قلب الحرب الباردة بوصفه نافذة على العالم الحر، ومنصة لحرية التعبير في مدينة كانت خط تماس بين أيديولوجيتين. عبر عقود، احتفى بأفلامٍ واجهت الفاشية والنازية، وفضحت القمع، وانتقدت أنظمة الاستبداد في أنحاء مختلفة من العالم.
السينما بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن مجرد ترفٍ جمالي؛ كانت مؤسسة ذاكرة.
من صور محاكمات نورمبرغ إلى إعلان حقوق الإنسان، ساهمت الشاشة في ترسيخ وعيٍ عالمي بأن الإبادة والعنصرية والتمييز ليست أحداثاً عابرة، بل دروساً أخلاقية لا يجوز تجاهلها. فإذا كان هذا هو الإرث، فكيف يصبح الحديث عن جريمةٍ جارية “سياسة” ينبغي تجنبها؟
حين أعلنت الكاتبة والمخرجة الهندية أرونداتي روي، الحائزة على جائزة بوكر، انسحابها من المهرجان، لم تكن تبحث عن ضجة. كانت مدعوة لعرض نسخة مرممة من فيلمها القديم ضمن قسم الكلاسيكيات. كان يمكنها أن تحضر وتغادر بصمت. لكنها وصفت التصريحات التي دعت إلى إبعاد الفن عن السياسة بأنها صادمة، واعتبرت أن الادعاء بأن الفن غير سياسي هو طريقة لإسكات النقاش حول جريمة تُرتكب أمام العالم في الزمن الحقيقي.
لم تكن فلسطينية.
لم تكن عربية.
لكنها اختارت ألا تكون محايدة.
ثم جاء إعلان “سيماتك – مركز الفيلم البديل” في القاهرة، بالتنسيق مع ورثة عطيات الأبنودي وحسين شريف، انسحابهم من الدورة وإلغاء عرض النسخ المرممة لفيلمي “أغنية توحة الحزينة” و“انتزاع الكهرمان”، استجابةً لدعوة “مؤسسة الفيلم الفلسطيني” لمقاطعة المهرجان احتجاجاً على ما وصفته بالصمت المؤسساتي لإدارته.
لم يعد الأمر موقفاً فردياً.
بل تحوّل إلى سؤالٍ يتردد داخل المشهد السينمائي ذاته: ما معنى المشاركة حين يتعثر الموقف الأخلاقي لمنصةٍ وُلدت من رحم السياسة؟
الحرب العالمية الثانية لم تترك وراءها أرقاماً فقط؛ تركت منظومة أخلاقية كاملة. كانت كارثة متعددة الضحايا، لكنها أصبحت في الذاكرة البصرية الغربية رمزاً مركزياً لمعنى “لن يتكرر أبداً”. هذا لا ينفي المأساة ولا يقلل من فظاعتها، لكنه يفتح سؤالاً مشروعاً: كيف تُبنى الذاكرة عبر الصورة؟ وكيف يتحول الشعار الأخلاقي إلى معيار عالمي؟
إذا كانت السينما قد ساهمت في ترسيخ هذا المعيار، فهل يمكن أن يكون تطبيقه انتقائياً؟ وهل يصبح الحديث عن إبادةٍ جارية اليوم “تسييساً”، بينما كان فضح إبادة الأمس جزءاً أصيلاً من رسالة الفن؟
ما يعيشه الفلسطيني اليوم ليس نقاشاً نظرياً. هو واقعٌ من قتلٍ ودمار وتشريد تُنقل صوره لحظةً بلحظة. هناك تحقيقات دولية مفتوحة واتهامات خطيرة تُناقش في أروقة القضاء الدولي.
كمخرج فلسطيني، لا أكتب حكماً قضائياً. أكتب شهادة.
السينما ليست بياناً سياسياً، لكنها ليست صمتاً. هي ذاكرة تُسجّل قبل أن تُحاكم.
حين يختار مهرجانٌ تأسس على ذاكرة مقاومة الفاشية أن يقول إن الفن بعيد عن السياسة، فإنه يضع نفسه أمام مرآة تاريخه. لأن السياسة دخلت السينما حين دخلت المجازر التاريخ، ولم تخرج منها يوماً.
الحياد قد يكون فضيلة في زمن الاستقرار، لكنه في لحظة نزاعٍ أخلاقي حاد يتحول إلى موقف. والسؤال الذي تطرحه برلين هذا العام ليس عن حرية التعبير فقط، بل عن معنى الضمير الثقافي الأوروبي: هل هو وفاءٌ لذاكرةٍ تأسست على رفض الإبادة؟ أم ترددٌ أمام واقعٍ معاصرٍ يخترق الشاشات ويُدمي العيون؟
أرونداتي روي اختارت أن تقول لا.
سيماتك وعائلات الأبنودي وشريف اختاروا أن ينسحبوا.
وإدارة المهرجان اختارت الحياد.
هذه ليست مفاضلة بين أشخاص، بل بين تصورات لمعنى الفن وجدواه.
من فلسطين، أكتب هذا لا كبيان سياسي، بل كرؤية فنية.
في صناعة الأفلام، كل إطار هو اختيار. ما نضعه داخل الكادر، وما نتركه خارجه، يحدد معنى المشهد. الحياد ليس غياباً للاختيار، بل قرار واعٍ بترك الحقيقة خارج الإطار.
ما يحدث في غزة ليس “سياسة” بالمعنى التجريدي؛ إنه المادة الخام التي صنعت منها السينما رسالتها الأعظم: الإنسان في مواجهة اللاإنساني.
لا أطالب مهرجاناً أن يتبنى قضية.
أطالبه فقط أن يعترف بأن الصمت هو أيضاً موقف.
لأن السينما التي تخشى تسمية الجرح، وتدير عدستها عن الظلم، تكتب تاريخاً منقوصاً، وتترك المشهد الأخير في فيلمها… صمتاً مُدوّياً.

يحيى بركات
مخرج سينمائي فلسطيني
14/2/2026



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...