يحيى بركات - الدستور بلا حامل… دولة بلا روح الجزء الثالث: من يوقّع باسمنا؟

الجزء الثالث:
من يوقّع باسمنا؟


تخيّل أنك كتبت عقد بيع لبيت.
العقد مكتمل. الشروط واضحة.
السعر محدد. التفاصيل دقيقة.
لكن في النهاية…
لا يوجد توقيع المالك.
هل يصبح العقد نافذاً؟
مهما كانت صياغته متقنة،
سيبقى ورقة بلا أثر.

الدستور هو عقد. ليس بين شخصين…
بل بين شعب ودولة.
والسؤال هنا ليس: هل المواد جيدة؟ هل الصلاحيات موزعة؟
هل اللغة حديثة؟
السؤال هو: من يوقّع باسم الشعب؟
في الدول المستقرة، الصورة واضحة. الشعب ينتخب هيئة تأسيسية. هذه الهيئة تكتب الدستور. ثم يُعرض النص على استفتاء عام. فيقول الشعب: نعم، هذا عقدنا.
الأمر بسيط.
لكن في حالتنا… الصورة مختلفة.
نصف الشعب خارج الأرض. جزء من الأرض خارج السيطرة. المرجعية السياسية لم تُجدَّد انتخابياً منذ سنوات طويلة. السلطة القائمة نشأت باتفاق مرحلي لإدارة مرحلة انتقالية.
وهنا يظهر السؤال الذي لم يُطرح بوضوح:
هل الجهة التي تكتب الدستور تملك تفويضاً تأسيسياً من الشعب كله؟
ليست المسألة اتهاماً. ولا تشكيكاً. بل سؤالاً قانونياً خالصاً.
في الفقه الدستوري هناك فرق بين نوعين من السلطة:
سلطة تدير الدولة. وسلطة تُنشئ الدولة.
الأولى تعمل داخل قواعد موجودة. الثانية تكتب القواعد نفسها.
الحكومة والبرلمان سلطات إدارية وتشريعية. لكن كتابة الدستور عمل تأسيسي. أي أنه يحتاج تفويضاً من الشعب بصفته الأصلية.
وهنا نعود إلى السؤال البسيط: هل جرى انتخاب هيئة تأسيسية شاملة تمثل الداخل والشتات؟
هل قال الشعب كلمته في منح هذا التفويض؟
إذا لم يحدث ذلك، فالدستور يُكتب… لكن المُوقّع غائب.
هناك بعد آخر.
كل دستور يفترض أن الدولة تملك سيادتها. حدودها. قرارها الأمني. سلطتها على أرضها.
لكن في حالتنا: الحدود ليست بيدنا. المجال الجوي ليس تحت سيادتنا. الإقليم مقسم واقعياً. القرار الأمني منقوص.
فهل نكتب دستور دولة مكتملة السيادة؟
أم دستور دولة تحت احتلال؟
أم نؤجل لحظة التأسيس إلى حين تتضح الصورة؟
هذه ليست مسألة سياسية فقط.
هي مسألة منطق دستوري.
لأن الدستور ليس إعلان نوايا.
هو تعريف لطبيعة الدولة.
إذا لم يعرّف طبيعة اللحظة التي نعيشها، سيصبح النص متقدماً على الواقع. وهذا يخلق فجوة بين القانون والحياة.
ثم هناك سؤال الشتات.
إذا كان نصف الشعب خارج الأرض، فكيف يشارك في كتابة العقد الأعلى؟ هل يملك آلية انتخاب؟
دوائر تمثيل؟
صوتاً فعلياً في لحظة التأسيس؟
الدستور الذي لا يستدعي كل الشعب إلى لحظة العقد، يخاطر بأن يتحول إلى دستور لجزء من الشعب.
وهنا يتغير المعنى.
لننظر إلى تجارب أخرى.
في جنوب أفريقيا، لم يُكتب الدستور النهائي إلا بعد انتخابات تأسيسية شاملة أُعيد فيها تعريف من يمثل الشعب.
في الجزائر، لم يتحول المشروع الثوري إلى دستور إلا بعد حسم سؤال السيادة والتمثيل.
في كل تجربة انتقال، حُسم سؤال “من يملك التفويض؟
” قبل سؤال “ماذا نكتب؟”.
أما إذا عُكس الترتيب، فإن النص يصبح محاولة تنظيم واقع لم يُحسم صاحبه بعد.
إذن المشكلة ليست في مادة ناقصة. ولا في فقرة تحتاج تعديل.
ولا في غياب باب إضافي.
المشكلة في الترتيب.
هل نكتب الدستور أولاً، ثم نبحث عن الشرعية؟
أم نعيد إنتاج الشرعية أولاً، ثم نكتب الدستور؟
الدساتير لا تخلق التفويض.
هي نتيجة له.
وإذا لم يكن التفويض واضحاً، سيظل النص يبحث عن أرض يقف عليها.
لكن التشخيص وحده لا يكفي.
إذا كان المُوقّع غائباً، فالطريق ليس تحسين الصياغة فقط.
الطريق هو استدعاء المُوقّع.
كيف؟
بإعادة بناء المرجعية عبر آلية تمثيلية شاملة. بمجلس وطني منتخب حيثما أمكن الانتخاب، ومُمثَّل حيث يتعذر. بعملية تعيد للشعب دوره كسلطة تأسيسية، لا كمتلقٍّ لنص مكتوب سلفاً.
عندها فقط، لن يكون الدستور قفزة في الفراغ، بل تتويجاً لإرادة جامعة.
الفرق بين المسارين واضح:
دستور يُكتب لأن الوقت مناسب سياسياً، ودستور يُكتب لأن الشعب قال كلمته.
الأول ينظم واقعاً هشاً. الثاني يؤسس واقعاً جديداً.
وهنا نصل إلى المفصل الحقيقي في السلسلة.
إذا كان السؤال في الجزء الأول:
كيف بدأت الحكاية؟
وفي الجزء الثاني:
ما هو الدستور حقاً؟
فالسؤال الآن أصبح أكثر وضوحاً:
من يملك حق أن يكتب باسمنا؟
ومن هنا سانتقل بالجزء الرابع:
كيف نعيد السياسة إلى مكانها…
قبل أن نعيد كتابة النص.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
15/2/2026



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...