حامد حبيب

___[•] الشاعرة الأميرة المغولية (زيب النساء)[•]___
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••
* بقلم / حامد حبيب _مصر

نعلم أن المغول كم كان لهم من شأن خطير في تاريخ آسيا الوسطى، وبلاد الشرق الأسلامي بصفة خاصة ، فكم انتهبوا وخرّبوا ودمّروا وقتلوا.. وثلت وحشيتهم للحد الذي لايمكن
للتاريخ نسيانه، لكن الغريب(والله يهدي من يشاء) أن هؤلاء المخرّبين دخلوا فيما بعد في دين الله أفواجا ، وتمكّن
اتصالهم بالحضارة الإسلامية، أن ينقلبوا إلى ممالك إسلامية، وأن تسخّر جهدها في خدمة الإسلام ورعاية العلوم والفنون والآداب، وتعمير المنشآت النافعة ، وبذل المال والتشجيع للعلماء والأدباء وأرباب الفنون ، وأصبح لهم حضارة باسم
الدولة المغولية التي أقامها السلطان التيموري (ظهير الدين
محمد بابر) وخلفاؤه ، والتي ظلت تحكم الهند قرابة ثلاثة قرون.
في ظل تلك الحضارة المغولية ، وماشهدته من إضافات عمرانية وفنية وأدبية ، كان هناك أدب نسائي ، ولكن كانت تحكمه قيود خاصة إذا كان ينتمي للبلاط الملكي.
ومن النساء اللاتي برَعن في الأدب النسائي (زيب النساء)
و"زيب النساء" بالعربية " معناه: "أجمل النساء "، وهي واحدة من أبرز الشخصيات الأدبية في تاريخ الإمبراطورية المغولية في القرن السابع عشر.
وُلِدت في ( 15 فبراير 1638) في " داولات أباد " بالهند (الإمبراطورية المغولية)كأكبر أبناء الإمبراطور أورنكزيب من والدتها دلرس بانو بيجوم ، ويقال أنها كانت ابنة (عالمكير)
تربّت في بيئة ملكية راقية وتلقت تعليمًا موسعًا ،حفظت القرآن وأتقنت اللغة العربية والفارسية والعلوم والفلسفة والرياضيات والفلك والأدب.
كانت تميل إلى التصوف الإسلامي ، وأضافت معنىً روحانيًا عميقًا في شعرها، وشاركت في الحياة الثقافية داخل البلاد.
ورغم كونها الابنة المفضلة للإمبراطور ، إلا أنها دخلت في صراع مع أبيها بسبب أفكارها الحرة ، وحظرت على نفسها دخول السياسة والشؤون العسكرية التقليدية.
وفي السنوات العشرين الأخيرة من حياتها ، سُجنت في حصن" سليم غره" في دلهي بأمر والدها، وربما يعود السبب إلى اتهامات سياسية أو صراعات داخل البلاط، وبقيت هناك حتى وفاتها في 26 مايو 1702.
كانت تكتب تحت اسم “مخفي”أي: “المخفى/المستتر”، وقد اختارته كاسم شاعري لتجنب القيود على دورها كامرأة في البلاط.
جُمع شعرها بعد وفاتها في مجموعة كبيرة من القصائد بعنوان "ديوان مخفي"، والذي يحتوي على عدد كبير من الأغراض الشعرية خاصة الغزل والروحانيات.
اشتهرت خاصة بالشعر الفارسي لكنها تأثرت أيضًا بالثقافتين العربية والهندية، وقد كتب كثير من العلماء المعاصرين أنها ألّفت ما يقرب من 5000 بيت شعري حسب بعض المصادر، بينما تذكر مصادر أخرى أعدادًا أكبر.
مزج شعرها بين حبِّ الحياة والحب الإلهي والاشتياق الذاتي والصوفية والبحث عن الذات، والكثير من أبياتها تعبّر عن ألم الحب ، شغف الروح ، وحنين النفس إلى الحبيب (سواء كان بشريًا أم إلهيًا).
وبالإضافة إلى ديوانها ، تذكر بعض المصادر أنها ألقت كتابات فلسفية وروحانية مثل"مؤنس الروح"و"أجمل التفاسير"، وهي أعمال تركز على تأملات في الروح والقرآن وأسرار الوجود.
تُعد (زيب النساء) أحد أبرز النساء في تاريخ الأدب الفارسي في جنوب آسيا، وقد أثارت كتاباتها إعجاب الأدباء المعاصرين وتابعها الشعراء بعد وفاتها.
وكُتب ديوانها خصيصًا بروح الصوفية ، وبالرغم من أنها لم تُنشر خلال حياتها، إلا أنه أصبح يُدرَّس ويُقرأ في عدة مراكز دراسات أدبية في العالم.
كانت (زيبُ النِّساء) شاعرة صوفية رقيقة ، وشعرها_ وخاصة بالفارسية—يمتزج فيه الغزل بالعشق الإلهي، والشكوى بالسمو الروحي.
________
*نماذج مختارة من أشعارها:
*غزل صوفي (بالفارسية)
النص الفارسي:
دل از من برد و روی از من نهان کرد
خدا را با که این بازی توان کرد؟
شبِ هجران نمی‌دانم چه شب بود
که جانم را ز تن، آهی، بران کرد
بالعربية:
سلب قلبي، ثم وارى وجهه عني،
فبالله قولي: مع من تُحتمل هذه اللعبة؟
ما أدري أيَّ ليلٍ كان ليلُ الهجر،
لكنه – آهٍ – انتزع الروح من الجسد.
*وفي الشوق والوجد:
بالفارسية:
مرا تا عشق تعلیمِ سخن کرد
حدیثم نکته‌دانِ هر دهن کرد
بالعربية:
منذ علّمني العشقُ لغةَ الكلام،
صار حديثي لُبَّ المعنى على كل لسان.
(وهذا البيت من أشهر أبياتها، كثيرًا ما يُستشهد به في كتب التصوف)
*في الفناء والعشق الإلهي
بالفارسية:
منم دیوانهٔ آن چشمِ مستت
که عقل از سر برد، هوش از کف دستت
بالعربية:
أنا مجنونةُ تلك العين السكرى،
التي تسلب العقل من الرأس،
وتُفلت الوعي من الكف.
*شكوى العارف
بالفارسية :
مخفی! ز خود بیگانه گشتی
تا آشنا با عشق گشتی
بالعربية :
يا مَخفي…
ما اغتربتِ عن نفسكِ
إلا حين ألفتِ العشق.
*مقطع في العزلة والقدر
بالفارسية :
به زندانِ قفس چون مرغِ بسته
دلم پر می‌زند، راهی نپرسه
بالعربية :
كطائرٍ موثوقٍ في سجن القفص،
يخفق قلبي… ولا يسأل عن طريق.
*ملامح أسلوبها الشعري
-غزل صوفي قريب من روح حافظ وسعدي.*
-نبرة أنثوية رقيقة لكنها عميقة ومتمرّدة بصمت.
-حضور واضح لفكرة الفناء في الحب والاغتراب عن العالم.
____________________________________
*حافظ، وسعدي: شعراء من إيران، اشتهروا بالغزل الصوفي.
------------------------------------------------------------------
* قصيدة (غزل) كاملة للشاعرة المغولية ل/زيب النساء
من ديوانها الفارسي الشهير «ديوان مخفي»،(من ديوان بالفارسية).
*النص الفارسي:
دل به امید وفا با تو گرفتار آمد
جان ز شوقت به لب و صبر ز من کار آمد
عشق تو آتش جان شد، نفسم دود از او
عقل گم گشت و مرا عشق مددکار آمد
من نه آنم که ز هجران تو فریاد کنم
این چه رازی‌ست که در سینه پدیدار آمد؟
گفتم از زلف تو پرسم خبر دل، گفتند
شب از این قصه بترسید که بسیار آمد
مخفی از شوق تو خاموش نشستن نتوان
این صدا از دل خونینِ گرفتار آمد
بالعربية:
تعلّق القلب بك على أمل الوفاء،
فبلغ الشوق منتهاه، ونفد الصبر مني.
صار حبك نارًا في الروح، وأنفاسي دخانها،
ضاع العقل، ولم يبقَ لي معينٌ سوى العشق.
لستُ ممن يصرخون من لوعة الفراق،
فما هذا السرّ الذي انكشف في صدري؟
قلتُ: اسألوا خُصَلَ شعوركم عن خبر القلب،
فقالوا: احذروا، فالليل يطيل الحديث.
يا مخفي، لا تستطيعين الصمت من فرط الشوق،
فهذا الصوت صادرٌ عن قلبٍ جريحٍ أسير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...